مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

العالم في عام 2075 : بين الواقع والتخيّل ✍️ أ.د. سيّار الجميل

رجل يجلس أمام ميكروفون في قاعة، يرتدي بدلة ويبدو جادًا أثناء حديثه.

1/ مقدمة

اطلعت بشغف كبير على اصدارات حديثة عدة صدرت مؤخرا بالانكليزية والتي تتناول التحولات العالمية الكبرى المتوقّعة خلال العقود المقبلة، وتغطي مواضيع مثل الذكاء الاصطناعي، وتغيّرات المناخ، والاقتصاد العالمي، والتحوّلات الجيوسياسية وصحة الانسان .. كتبها علماء مستقبليون، أمثال : ايان برايمر وميشال البرتوس وآدم دوور وجوهان روكرستورم ) التفاصيل في الملاحظات) ..

في مثل هذا اليوم من عام 2075، لا تبدو الحياة كما كانت قبل خمسين عامًا. لقد تغير كل شيء: المدن، المناخ، الإنسان، وحتى مفاهيم مثل الهوية، الزمن، والعمل. ربما لو بُعث شخص من عام 2025 إلى 2075 ، لاعتقد أنه في رواية خيال علمي. لكننا هنا، في واقع جديد صنعناه بأيدينا، وبقراراتنا، وبتقنياتنا.

2/ المدن الذكية… لم تعد مدنًا

المدن الكبرى كما كانت تُعرف سابقًا أصبحت شيئًا من الماضي. فقد اندمجت التكنولوجيا تمامًا مع الحياة الحضرية، لتُنتج شبكات حضرية ذكية تدير نفسها بلا تدخل بشري مباشر.

في طوكيو الجديدة، لا توجد إشارات مرور، لأن كل وسائل النقل ذاتية القيادة وتتحرك بتنسيق دقيق عبر الذكاء الاصطناعي.

وفي نيوم، لم تعد هناك ملكية خاصة للمركبات، فالنقل يُدار كخدمة عامة فائقة الكفاءة.

أما المباني، فهي تتفاعل مع ساكنيها: تعدّل الإضاءة حسب الحالة النفسية، وتتحكم في جودة الهواء وفق تحليلات فورية للدم والتنفس (1) . تجد فيه تفاصيل أحدث التحديات التي يفرضها تطور الذكاء الاصطناعي، وتأثيره على السياسات المحلية والعالمية، بما في ذلك المنافسة التقنية بين الولايات المتحدة والصين، وتأثيره على سوق العمل والسلطة السياسية. ستتطور الاتصالات ووسائلها مع استحداث بدائل لا حصر لها مع ازدحام العالم بالروبوتات والوسائل الذكية التي تخدم الانسان ..

3/ مناخ متقلب… وحدود الحياة تتغير

والأرض لم تعد كما عهدناها.

في العقد الرابع من هذا القرن، ستغمر المياه أجزاء من مدن مثل الإسكندرية وميامي. درجات الحرارة تجاوزت 50 درجة مئوية في الصيف في مناطق كانت معتدلة. لكن البشرية لم تقف مكتوفة الأيدي. ظهرت “قِباب مناخية” تغطي مدن كاملة لتنظيم المناخ داخلها.

والأهم، بدأت هجرات مناخية جماعية من الجنوب إلى الشمال، تسببت في تغيرات سياسية وجغرافية عميقة، وشكلت صراعات وصدامات في أماكن كثيرة، قبل أن تُسن قوانين كونية لإدارة الأرض كمجال مشترك(2). ستتفاقم آثار التغير المناخي والنمو السكاني على تغيّرات استخدام الأراضي دوليًا، مثل انحسار الأراضي الصالحة للسكن والزراعة، وظهور منافسات على الأراضي الجديدة المفتوحة مثلاً في كندا وغرينلاند. ناهيكم عن انتاج زراعات جديدة فثورة في علم الجينات سيطور النباتات والحيوانات والانسان ..

4/ الإنسان الجديد… تطور بيولوجي واجتماعي

في عام 2053، سُمح رسميًا بالتعديل الجيني الاختياري للأجنة في عشرات الدول.

والآن، جيل كامل من “الأطفال المصممين” بلغ الثلاثين. يمتلكون مقاومة عالية للأمراض، وذكاء اصطناعيًا مدمجًا في أدمغتهم منذ الولادة، ويتعلمون اللغات والمهارات عبر وصلات عصبية تُغنيهم عن التعليم التقليدي.

الجسم البشري أصبح مشروعًا دائم التحديث:

تُزرع فيه رقاقات لتحسين الذاكرة، تُستبدل أعضاؤه عند الحاجة، بل وحتى يتم تحميل الوعي رقمياً ليُخزّن في بيئات افتراضية.

العمل والحياة… لم تعد كما كانت واغلب الأمراض ستختفي

الوظائف التقليدية انتهت.

المصانع تعمل بكاملها آليًا.

المحامون، المعلمون، وحتى الأطباء البشريون أصبحوا أقلية، يقتصر دورهم على الرقابة أو المهام ذات الطابع الإنساني العميق.

العمل لم يعد مصدر رزق فقط، بل أصبح نشاطًا اختياريًا، مدعومًا بدخل أساسي عالمي، تُقدمه الحكومات بفضل العوائد الهائلة من الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

الناس الآن يعيشون في توازن بين العالمين: الواقعي والافتراضي، حيث يقضون أكثر من نصف يومهم في “الواقع المتكامل” الذي لا تميّز فيه بين الحواس البيولوجية والحواس الرقمية (3) . اما في المجتمعات الخاملة والكسولة فهي خارج الواقع تعيش افتراضيا ليل نهار .. ثمة آراء مستقبلية حيال موجة الأتمتة المحتملة خلال العقدين القادمين، حيث يتوقع إزاحة معظم الوظائف البشرية، ويؤكد أهمية إعادة النظر في نماذج التوزيع والاستفادة الاجتماعية لضمان مجتمع أكثر عدلاً.

5/ الأرض ليست الوحيدة

في عام 2061، سيهبط أول مستوطنين دائمين على المريخ، ضمن مشروع مشترك بين عشر دول وشركات خاصة.

واليوم، تعيش على سطحه أول “مدينة بشرية مستقلة”، فيها آلاف العلماء والرواد يعملون ليل نهار من اجل تحقيق هذا الهدف .

لا تُستخدم النقود هناك، بل نظام تبادل طاقي قائم على الوحدات الإنتاجية الشخصية.

رحلات السياحة إلى القمر أصبحت ممكنة، لكنها باهظة الثمن ومقصورة على نخبة الأثرياء. ان تقييماً علميًا لوضع الأرض من حيث الحدود البيئية التي تجاوزتها البشرية، والتحديات الكبرى المتمثلة في فقدان التنوع البيولوجي وذوبان الجليد، ويشدّد على ضرورة تقليص الانبعاثات إلى النصف بحلول عام 2030 م (4) .

6/ الوعي الإنساني في مفترق طرق

مع كل هذا التقدم، تطرح البشرية أسئلة جديدة:

من نحن؟

هل الوعي المبرمج في الذكاء الاصطناعي “حقيقي”؟

ما الفرق بين إنسان اختار جسده وصفاته، وآخر وُلد بيولوجيًا؟

هل الموت لا يزال نهاية حتمية، بعد أن أصبح بالإمكان تخزين الذكريات والوعي؟

العالم في 2075 لا يخلو من القلق والمشكلات ، برغم كل التقدم. فالاختراقات البيولوجية، والاختلالات المناخية، والتفاوتات في الوصول إلى التكنولوجيا، لا تزال تُشكّل تحديات وجودية.

7/ ختامًا:

مضت خمسون سنة، تغيّر فيها كل شيء تقريبًا. لكن بقيت الأسئلة الكبرى، والبحث عن المعنى، والتوق الإنساني للحرية والكرامة والسلام وأمن الشعوب ، أمورًا لم تستطع حتى أقوى الآلات حلّها. والاسئلة التي تطرح على الضمائر اليوم : هل ستحقق المجتمعات المقهورة حقوقها ؟ هل سيشبع الفقراء في هذا العالم ؟ هل سيبقى التكالب مسعورا على المصالح وسحق الضعفاء ؟ هل ستبقى خرائط العالم على ما هي عليه ، ام ستتغير ضمن ارادات جديدة ؟ اعتقد ان ثمة دول ستختفي لأنها غير قادرة على الحياة كونها تأكل نفسها بنفسها اليوم .. انني اعتقد بأن ضمير الانسان ومشاعره وسلوكه واخلاقياته وروحه ورهفة احاسيسه وارادته الخيرة … هي الأسمى في الاستجابة لتحديات المستقبل .

وربما… هذا هو ما يجعلنا بشراً، مهما تغيّر العالم !

______________________

الملاحظات .. تجد التفاصيل المذهلة للعالم بعد خمسين سنة من اليوم في المراجع في ادناه:

(1)”The Politics, and Geopolitics, of Artificial Intelligence” by Ian Bremmer, Time 1 /8/ 2025.

(2)”The coming great global land reshuffle” by Michael Albertus in Financial Times, dated 2 /1/ 2025.

(3) “Futurist Adam Dorr on how robots will take our jobs: ‘We don’t have long to get re By Adam Dorr , The Guardian, July 2025.

(4) “What the Latest Health Check Tells Us About the State of Our Planet” by Johan Rockström – Time,

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading