مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

بعد مرور اكثر من 150 عاماً:هل استفاد الفكر العربي من فلسفات الغرب ومفكّريه ؟ أ.د. سيّار الجميل

شخص يتحدث في محاضرة أكاديمية، يرتدي بدلة رسمية ويجلس أمام طاولة، مع كراسي خلفه.

هل استفاد الفكر العربي من فلسفات الغرب ومفكّريه ؟

أم ترسخّت عقدة الخواجة وتفاقم انتاج التناقضات ؟

هذا ” المقال” هو حصيلة مختزلة من اجاباتي على تساؤلات من قبل اساتذة وطلبة يهتمون بتاريخ الفكر المقارن ..وقد وجهت لي عقب محاضرة أكاديمية قدمّتها مؤخرا في احدى الجامعات الاميركية .. وسأعيد صياغة المحاضرة وانشرها كاملة في وقت قريب بحول الله ..

1- الموديلات الخمسة

تساؤلات محيرة ومقلقة عن حياتنا الثقافية ومستوياتنا الفكرية التي تتداول التسميات والمصطلحات عن مفكري الغرب وفلاسفته منذ اكثر من مائة وخمسين عاما .. وفي كل جيل تظهر موجة من الأفكار الجديدة في العالم ليتناقلها الاعلام وتتشبع بها الادبيات العربية والشرقية من خلال ترجمات ممتازة او ركيكة قام بها مترجمون عرب معروفون أم مجهولون .. وقد راقبت على مدى خمسة أجيال مضت ، فجيل الاستنارة انشغل الفكر العربي بافكار أرسطو وافلاطون دارون ونيشة ورينان وديكارت وغيرهم وفي جيل ما بين الحربين العظميين انشغل بهيغل وسان سيمون وبسومرست موم وفرويد واليوت وبراند رسل وغيرهم وفي جيل ما بعد الحرب الثانية انشغلوا بكارل ماركس وبليخانوف وسارتر والبير كامو وفرانس فانون ثم شغلهم أوسفالد شبنغلر وكولن ولسن وآرنولد توينبي كثيرا .. وبعد مجيئ آية الله الخميني عام 1979شغلهم سلمان رشدي وجاك بيرك وبوبر وروجيه غارودي وغرامشي .. واليوم يشغلهم ميشال فوكو وهابسبووم ودريدا وبول ريكو وهانتيغتون وهامبرماس وهايدغر وفرنسيس فوكوياما وأميل سيوران وشتراوس وجورج باتاي وبلانشو وغيرهم .

2- ولادة التناقضات وصناعة الايديولوجيات

لا مشكلة عند كلّ من يستفيد من افكار فلاسفة العالم من أجل اغناء التفكير وتوسيع المدارك وفهم العالم ، ولكن لا فائدة ترجى من الذين يردّدون النصوص والفقرات والمصطلحات دون فهم ، ومن دون علم .. والأخطر الذي جرى في حياتنا المعاصرة في صناعة ايديولوجيات اثر استلاب أفكار من اوروبا خصوصا ، وتشكيل أحزاب مؤدلجة لم نزل نعاني من تطبيقاتها السيئة حتى اليوم . لا عتب على مفكرين ومثقفين يدركون المعاني ومقاربة المفاهيم .. ولكن الكارثة فيمن لا يدرك ما يردده عن الآخرين من شعارات ومفاهيم لا تستقيم وتفكير مجتمعاتنا .. ان هذه الحالة متكررة مع خمسة اجيال مضت من دون ان يتحرك واقعنا كونها خلقت تناقضات جد خطيرة في مجتمعات متمسكة بتراثها حتى النخاع .. ناهيكم عن ان فلاسفة الغرب يعبّرون في افكارهم عن واقعهم هم لا في واقعنا نحن ، فربما لا تستقيم افكارهم مع واقع مجتمعاتنا وتفكير ابنائها .. وهذا ما وجدناه في اخفاقات عدد كبير من المفكرين العرب والمسلمين في القرن العشرين كونهم نسخوا تجارب غيرهم وقاموا بتسويقها في مجتمعاتنا التي تفاقم تصلّبها بدءا بالسيد جمال الدين الافغاني ومرورا بميشيل عفلق وانتهاء بادونيس وجماعة ما بعد الحداثة في بيئات لم تزل قروسطية .. وفي المقابل، تفاقم التطرّف عند المقلدين والماضويين والملتزمين بالتراث ليشكّلوا تيارات وجماعات وتحزبات متنوعة ويقفوا ضدّ التغريبيين بحيث انتج الواقع تناقضات مذهلة انعكست على مستقبل المنطقة كلها ووصل الأمر بأحدهم ان يصدر كتابا عنوانه : “جاهلية القرن العشرين ” والغريب انهم حّرموا افكار الغرب ولكنهم يتمتعون بتكنولوجياته واختراعاته !!

3- عقدة الخواجة

اغلب الذين يخرجون علينا يعشق ترديد اسماء مفكرين وفلاسفة غربيين شهيرين، وقد حفظوا على ظهر قلب مصطلحات او تعابير لهم ، ويستنكف البعض ذكر أيّ فيلسوف أو مفكر أو شاعر عربي ، اذ تلعب هنا “عقدة الخواجة”لعبتها جراء عقدة نقص سياسي او ايديولوجي او طائفي .. وكأنه يريد القول أن ترديد أسماء غربيين سيجعله فهيماً عليماً.. علماً بأنّ أولئك الفلاسفة كتبوا عن تجارب مجتمعاتهم وعن بيئاتهم ولهم تفكيرهم المضاد ولا علاقة لهم بواقعنا أو تاريخنا أو فكرنا، وهذا مرض عضال لازمَ حياتنا الثقافية العربية منذ الحرب العالمية الثانية مما عمّق التناقضات الفكرية، فهو ماركسي ينظّر في صراع الطبقات والبروليتاريا، ولكنه يلوي الأفكار ليطبّقها على مجتمعاتنا، وهذا قومي شوفيني تربّى على أفكار غاريبالدي وكارل شميت و هتلر وجوليوس إيفولا ومارتن هايدغر وموريس باريس وشارل موراس ويريد أن يمارسها في مجتمعاتنا المتنوعة التي عاشت متعايشة منذ مئات السنين .وفي آخر المطاف، وجد أغلب الراديكاليين أنفسهم في شوارع الدول التي كانوا يسمونها بـ “الامبريالية” مع انكفاء القوميين بعد أن اكتسحتهم أرتال الاسلامويين وهم من موديل آخر اذ ليس لهم الّا أسماء معينّة يردّدونها منذ مئات السنين .

ان كانت هناك ميتافيزيقيا أو حالة كونية أو موسوعية أو علمية أو الكترونية تقوم بترسيخ أسس عامة أو قواعد علمية صناعية ام زراعية او علاقات تجارية او تواريخ عالمية في العالم .. فالامر لا ضير ان تستعين بالعلماء الغربيين كما هو يجري في كل العالم ، ولكن ان كنت تقرأ مجتمعك وواقعك وسياستك ومواريثك وفنك وادبك وانثربولوجيتك ..فما دخل هذا الفيلسوف من فرنسا ، او ذاك الانثربولجست من المانيا ، او تلك السوسيولوجست من اميركا ؟ هل خبر هؤلاء واقعك وعاشوا يستلهمون تجاربهم من ميراثك وتاريخك .. فما دخلك واياهم .. اللهم الّا في الأسس والركائز ومقاربة المنتجات ومعرفتها ؟ انّ من أسوأ الصفات لدى أرتال هؤلاء يتمثّل بالتنّكر لزملائهم واصدقائهم وأساتذتهم في مجتمعاتهم بسبب غيرتهم التي تصل الى حدّ القطيعة للأسف الشديد.

4- الذكاء والحذر في تمثّل الفكر الغربي وتوظيفه

أنا لا أقول بعدم الاستفادة من الفلاسفة والمفكرين الغربيين، ولكن علينا أن نتعامل مع كتاباتهم واحكامهم بحذر فهي تنفع ثقافتهم وبيئاتهم ، في حين ان ثقافتنا ومجتمعاتنا لها معالجات من نوع آخر، فما يطبّق في الغرب قد لا يصلح ابدا تطبيقه في الشرق . وعليه ، لماذا تسّوق بضاعتهم في ثقافتك ، وهم بعيدون عنها ولم يكتبوا شيئا عن عالمك؟ من الذي التفت منهم الى ثقافتك اليوم ، واهتم بها حتى تبقى رهين ما كتبوه ، وتتباهى بهم، وتسّود صفحات منسوخة في كتب ومجلات وجرائد بمقالاتك عنهم وأنا متأكد أن لا أحد يهتم بها او يتدارسها .. وتتجاهل اخطاء وآراء بني جلدتك وتعجز عن نقدهم ، وليس لك الّا أن تسفّه أعمال مفكرين عرب أجّلاء وهم أذكى وأعرف بك وبمنظومتك المعرفية من ميشال فوكو وكيركغارد وغرامشي وجيل ديلوز وبورديو وهامبرماس وهايدغر وغيرهم. مثل هذه الأسماء غدت اليوم معبودة الجماهير العربية بلا أية قياسات ! صحيح،انّ الفلاسفة والمفكرين الغربيين يعملون ضمن منظومة معرفية وتعليمية وأكاديمية قوّية، وتُنشر أعمالهم وتُترجم وتُناقش في بيئات حرّة، مما يعطيهم مصداقية عالمية، ولكن هل استوعبت ما يقولونه او ينشرونه بنفسك ؟ أم أنك تستلب من يقوله هذا وما يردّده ذاك لتعيد ترديد ذلك على الملأ ببغاوياً ومجتمعاتنا لا تصلحها أقوالهم وأحكامهم كما وجدنا ذلط طوال القرن العشرين ؟

5- خلاصة:

الإعجاب بالمفكر الغربي ليس خطئاً في ذاته، لكنّ المشكلة تظهر حين يتحوّل إلى نكران للذات واحتقار للثقافة المحلية. فالمثقّف الحقيقي هو من يستفيد من كلّ فكر، دون أن يُصاب بعقدة النقص تجاه ذاته أو تاريخه أو رجال فكره من المبدعين ابناء جلدته الذين يتوزّعون في دواخل عالمنا العربي أو في العالم الشرق أوسطي أو غدوا من المغتربين في شتات العالم .. ان ما يمكن التساؤل عنه : ما حجم الاستفادة الحقيقية لمجتمعاتنا ودولنا العربية من ترديد ما قاله الآخرون ، بل وصلت بعض الأفكار المستوردة الى صنع ” ايديولوجيات ” و”مفاهيم” شعبوية تصارعت دمويا في مجتمعاتنا باسم النضال الوطني والثوري والتحرري وساهمت في صنع انقلابات وحدوث اغتيالات والمرور بتجارب فاشلة نحصد نتائجها اليوم ؟ أسألكم بالله : هل لدينا تجربة ديمقراطية عربية ناجحة؟ هل لدينا تجربة اشتراكية عربية ناجحة؟ هل لدينا هوامش عربية من الحريات ؟ هل ثمة حداثة ميدينية عربية او ما بعد الحداثة كما يتشدّق البعض؟ لقد انبهر العالم بمنجزات علماء ومهندسين واطباء وفنانين وابداعات عرب مغتربين بدءا بجبران خليل جبران حتى اليوم ، ولكن لم تستطع دولة عربية واحدة ان تلفت انتباه العالم اليها! يا ترى ، متى نبقى نضحك على انفسنا ؟

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading