الإسلامات السياسيّة في العالم الإسلامي:دراسة بنيوية مقارنة لبيئات ظاهرة تاريخية عمرها أكثر من 150 عاما-سيّار الجميل

الولادة 1878م والأجل المتوّقع 2039م
أولا : مقدمة:
قبل أن أعالج بنيوية الاسلام السياسي على مدى 150 عاماً في الحلقة 62 القادمة ، فكّرت في نشر هذه الحلقة كي يتعّرف المرء على الاسلامات السياسية وتنوّعاتها اذ تكاثرت بشكلٍ كبير في القرن العشرين ، ولم تزل مهيمنة على أصقاع وبلاد متباينة .. وكثيرا ما يستغرب البعض عندما اقوم بالتمييز بين الاسلام العربي والاسلام التركي والاسلام الايراني .. وعلينا ان ندرك بأن الاسلام دين الهي له قداسته وسموه وتجليّاته وعباداته وعقيدته وشريعته السمحاء ومصالح الناس المرسلة .. لكن العالم الاسلامي انتقل في القرن التاسع عشر من الطرقيات الصوفية السكونية الى ظاهرة التنظيمات الخيرية ثم دخل الجميع ظاهرة السياسات ، فانزل الاسلام من عليائه ومكانته المقدّسة ليجعلوه سياسياً يتعاملون معه جماعات ووحداناً .. أحزاباً وفرقاً وميليشيات ومرتزقة مما أساء له أهله قبل أن يسيئ العالم اليه ، وتفرّقت بأهله السبل ليغدو مجرّد ( اسلامات) مؤدلجة متنازعة ومتحاربة ومشتتّة ومتفرّقة كونها بعيدة جداً عن روح الاسلام وتاريخه وواقعه ومستقبله . دعوني أقدّم رؤيتي المقارنة لظاهرة الاسلامات السياسية التي ولدت منذ عهد عبد الحميد الثاني ، وأتوّقع زوالها عام 2039 م .
ثانياً: الاشكالية والفرضية
وعليه ، فالإسلام السياسي ظاهرة حديثة النشأة، تفاقم خطرها نتيجة انهيار الخلافة العثمانية وتشكّل الدول القومية الحديثة، مع تداعيات الاستعمار الغربي والصراعات الداخلية. هذه الظاهرة لا تمثل نموذجًا واحدًا، بل انها شبكة من الإسلامات السياسية المتحزبة المرنة والمعتدلة والعنيفة التي تتشكّل وفق سوسيولوجيات البيئة السياسية والاجتماعية والتاريخية لكلّ منطقة. الفرضية الأساسية لهذه “الدراسة” تعلمنا بأنّ البيئة هي المحدّد الرئيس لطابع الإسلام السياسي المرن والمتشّدد أكثر من المرجعية الدينية، وأنّ فهم هذه الظاهرة يتطلّب النظر إليها كمجموعات مؤدلجة متنوعة تتفاعل سلباً أو ايجاباً مع الدولة والمجتمع والظروف الإقليمية والدولية.
ثالثاً: المضمون : البيئات الكبرى للإسلامات السياسية( الأحزاب المدنية المعتدلة والمرنة ازاء التنظيمات العنيفة المرعبة)
1/ البيئة العربية : تضم مصر، والعراق، والسودان، وسوريا، وفلسطين ولبنان، واليمن، وأصقاع الجزيرة العربية وبلدان المغرب العربي حيث تبلور الإسلام السياسي وفق خصوصية كل دولة وبيئتها الجغرافية وأغلبه يعدّ اسلامات متطرّفة عنيفة أو إسلامويات راديكالية مسلحة محسوبة على دول !
1. مصر: الإخوان المسلمون، وحزب النور طابعهما: إصلاحي حركي قابل للتحول إلى سياسي انتخابي، مع تاريخ من العنف مع الدولة. ويمتلك الاخوان أكبر رصيد مالي لهم في العالم !
2. العراق: الإخوان المسلمون في العراق حزب دعوي سياسي محدود، نشاط انتخابي بعد 2003. وحزب الدعوة الإسلامية، المجلس الإسلامي الأعلى وهو شيعي مؤسسي مرتبط بالمرجعية الإيرانية. وهناك العشرات من الاحزاب الاسلامية الشيعية والاحزاب الاسلامية الاصلاحية الكردستانية .. وكذلك ولدت داعش / تنظيم الدولة الإسلامية ، وهو تنظيم ارهابي توسّعي، عنيف ومتطّرف ، سيطر على الأراضي بعد 2013. مؤسسه في العراق أبو مصعب الزرقاوي وقد حوّل الفصائل السنية المسلحة إلى تنظيم مركزي انتج دولة عاشت ثلاث سنوات وتزعمها أبو بكر البغدادي واتخذ الموصل عاصمة له .
3. السودان: الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي، اندماج مع نظام عمر البشير. وطابعها: مشروع أسلمة الدولة نفسها ، وقد جّرت الولايات على السودان.
4. سوريا: الإخوان المسلمون في سوريا وصدام مبكر مع النظام، مع عسكرة منذ الثمانينيات. وجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام ، جهادي سني مقاوم للنظام بعنف، كان مرتبطاً بالقاعدة. وجرت فيه تحولات جذرية بعد سقوط بشار الأسد بقيادة أحمد الشرع.
5. لبنان: حزب الله طائفي شيعي مقاوم له تبعيته لنظام ولي الفقيه في ايران ، اندماج في النظام التعددي. وهناك الجماعة الإسلامية اللبنانية : حزب سني، دعوي سياسي .
6. فلسطين : أهم حركات الإسلام السياسي لدى الفلسطينيين : حركة المقاومة الإسلامية وحركة الجهاد الإسلامي وحزب التحرير وحركة المجاهدين الفلسطينية وجيش الإسلام وأنصار بيت المقدس وجماعة التوحيد والجهاد في فلسطين والإخوان المسلمون وحماس .
7. اليمن: حزب الإصلاح اليمني إخواني قبلي-سياسي. وحركة أنصار الله (الحوثيون) شيعي زيدي مسلح، ذو بعد عقائدي-سياسي مرتبط بايران .
8. المغرب العربي : تونس: حركة النهضة والمغرب: حزب العدالة والتنمية والجزائر: الجبهة الإسلامية للإنقاذ.. طابعها: براغماتي انتخابي، إصلاحي، مع تاريخ صدامي عنيف بالجزائر في التسعينيات وما تلاها ، يعتمد على المشاركة السياسية والتكامل مع الدولة الحديثة.
9. السعودية والخليج العربي: بقايا اتباع الحركة الموحدية المعروفة بالوهابية ويشكلها ” الأنصار “، وقد انتهت اليوم بعد ان كانت لها علاقاتها مع جماعات وخلايا في بيئات خليجية متنوعة. ترسخت بانتشار السلفية الدعوية. طابعها: اندماج ديني-سلطوي، نشاط دعوي دون حزب سياسي مستقل. وهناك الجماعات الموالية لايران في الاحساء والامارات .
10. ليبيا : أبرز الحركات والتنظيمات : حزب العدالة والبناء والذراع السياسي المرتبط تاريخيًا بتيار الإخوان المسلمون في ليبيا. والجماعة الليبية المقاتلة : تنظيم جهادي سابق تأسس في التسعينيات ضد نظام القذافي. بعض قياداته اندمجت لاحقًا في العمل السياسي بعد 2011. ومجلس شورى ثوار بنغازي وتنظيم أنصار الشريعة. وتنظيمات القاعدة وداعش.
2/ تركيا والأناضول: تعود الجذور الى سعيد النورسي وحركته ( النور) التي لم تكن حزبًا سياسيًا، لكنها كانت جذرًا فكريًا وروحيًا مهمًا أثّر في نشوء التيار الإسلامي المحافظ في تركيا، ومنه خرجت شخصيات وحركات كان لها دور سياسي مثل نجم الدين أربكان اذ أسّس عدة أحزاب مثل حزب النظام الوطني (1970وحزب السلامة الوطني (1972)وحزب الرفاه (1983وحزب الفضيلة (1998) المنقسم الى جناحين حزب السعادة (سعدت بارتييسي). وحزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان وطابعه: إسلام سياسي مؤسسي،اندماجي،محافظ ضمن الدولة القومية.
3/ إيران : الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الامام الخميني . طابعها: ثيوقراطي توسعي طائفي ، يقوم على مبدأ ولاية الفقيه، يمتد إلى السياسة الإقليمية وهدفه شرق المتوسط ومغربه .
4/ الجنوبيات الآسيوية والافريقية
1. الجماعة الإسلامية على يد أبو الأعلى المودودي . طابعها: أيديولوجي حركي، دعوي وسياسي، مع تقسيمات داخلية حسب الدول (باكستان، الهند).
2.أفغانستان وباكستان: طالبان اسلام عنيف محافظ ومنغلق، مقاوم للنفوذ الخارجي. ولد في احضان القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كتنظيم عالمي، توسعي. وارهابي
3. الساحل وغرب أفريقيا : بوكو حرام، تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا . طابعها: ارهابي عنيف ومتطرف عابر للحدود، يستفيد من هشاشة الدولة والفراغ الأمني.
4. الملايوية والإندونيسية : حزب العدالة والرفاه، ونهضة العلماء . طابعهما: انتخابي منفتح، تعددي، متكيف مع الديمقراطية.
5/ البلقان وأوروبا الشرقية
1. ألبانيا: الحزب الإسلامي لألبانيا، جمعيات الإخوان المسلمين : إصلاحي ودعوي انتخابي.
2. البوسنة والهرسك وكوسوفو: حركة الشباب المسلمين البوسنية : دعوي اجتماعي.
3. مقدونيا، بلغاريا، صربيا: اتحادات ومساجد :دعوي، هوياتي، سلمية.
6/ القوقاز: داغستان والشيشان ظهور قادة مثل شامل باساييف الذي تزعم حركة اسلام سياسي. طابعها: جهادي مسلح مقاوم للدولة، سلفية جهادية.وأذربيجان: حركات إصلاحية ودعوية، أقلّ عسكرة، أكثر دمجًا اجتماعيًا. الشيشان (ضمن روسيا) بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ظهرت في الشيشان حركات ذات طابع قومي-إسلامي، أبرزها: إمارة القوقاز وكانت حركة مسلحة أعلنت مشروع “إمارة إسلامية” في شمال القوقاز. لاحقًا انضم بعض عناصرها إلى:تنظيم الدولة الإسلامية أما الوضع اليوم: فهي تحت حكم رمضان قديروف، لا يُسمح بأي نشاط إسلامي سياسي مستقل. الدين حاضر بقوة في الحياة العامة، لكن تحت سيطرة الدولة وليس عبر حركات سياسية.
7/ آسيا الوسطى : حزب التحرير، الحركة الإسلامية في أوزبكستان . الطابع: سري أو محظور، غالبًا دعوي، مع ميل للجهاد في حالات القمع الحكومي.
8/ بيئات المهاجر والأقليات الإسلامية مثال: اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا . طابعها: هوياتي حقوقي، يعمل على حماية الهوية الدينية في بيئات غير مسلمة. وهناك ايضا في اوربا الغربية واميركا الشمالية .
رابعاً: التحليل المقارن
الاسلامات السياسية في المغرب العربي: براغماتية، انتخابية، جذورها إصلاحية. أما المشرق العربي: فالاسلامات السياسية يمزقها انقسام طائفي، وهي متنوعة بين الدعوي والسياسي والمتطرف والعنف الجهادي، وتقوم على عسكرة متكررة، وميليشيات ومرتزقة وتدخلات إقليمية وعلاقات خارجية غامضة ومبهمة .أما البلقان وأوروبا الشرقية: فاسلامها السياسي معتدل، ودعوي، وهوياتي، وأغراضة سلمية وبعضه خلايا صوفية . اما اسلام القوقاز السياسي ، فهو جهادي مسلّح وعنيف ومقاوم للدولة، وبنيته سلفية قويّة. وفي آسيا الوسطى: نشاط أي اسلام سياسي محظور، لكنه دعوي غالبًا، وسرّي، مع ميل للجهاد في حالات القمع. أما العالم المتطرف والمتأزم والعنيف العابر للحدود: فتمثله : القاعدة وداعش، وجبهة النصرة ، وهو مرتبط بالصراعات الدولية والإقليمية. أما العامل المشترك: البيئة السياسية، البنية الاجتماعية، طبيعة الدولة، والانقسامات المذهبية تحدد الطابع الخاص لكلّ إسلام سياسي محافظ أو نقيضه ( والنقيض هو جهادي بلغته وهو ارهابي بلغة العالم ) ، ما يبرّر تسمية هذه الظاهرة بـ الإسلامات السياسية والعنيفة.
خامساً: الخاتمة واسئلة المستقبل
الإسلام السياسي المعتدل والتوسعي والعنيف ليس ظاهرة موحدة، بل شبكة من الإسلامات السياسية والعسكريتاريا العنيفة التي لا تعرف أي فن سياسي استراتيجياً ام تكتيكياً ، فهي مقفلة على مسرداتها ، وتتكيف مع البيئات المختلفة وأغلبها يكتنز الأموال في شتى أنحاء العالم ، ويسيئ للمرأة والأطفال والمدنيين وهو مشبّع بالتناقضات ، فهو يشتم الغرب ليل نهار ، ولكنه يقيم فيه ويستخدم بنوكه وأمواله والصفقات معه وكلّ صناعاته . في المغرب العربي يظهر الإسلام السياسي كحركة إصلاحية انتخابية ولكننا نجد جماعة العدل والاحسان بمنتهى التزمّت، في المشرق العربي، تكتسي الظاهرة أشد المخاطر، اذ تبلورت طائفية مقيتة وأحقاد تاريخية وعسكرة الاطفال وسلفيات منغلقة وتمزّقات مذهبية وسرقات أموال دولة وفساد مستشري، بينما يكون في أوروبا الشرقية معتدلًا دعويًا واجتماعيا نزيهاً اكثر منه سياسياً، وفي القوقاز جهاديًا وعنيفاً مرعباً ، وفي آسيا الوسطى سرّيًا دعويًا غالبًا، وفي العالم ينتقل من مكان الى أخر العابر للحدود توسعيًا وعنيفًا. تؤكد هذه الدراسة أنّ البيئة، والدولة، والانقسام المذهبي، والتجربة التاريخية، والتدخلات الخارجية هي المحددات الأساسية لطابع كلّ إسلام سياسي أو جهادي، ما يبرّر استخدام مصطلح “الإسلامات السياسية “باعتباره وصفًا دقيقًا ومرنًا للظاهرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي. السؤال الأخير بووضوح ومصداقية : هل نجحت أو انتصرت كلّ هذه الاسلامات السياسية ضدّ الأعداء منذ ولادتها حتى اليوم ؟ واذا كانت قد حققّت انتصاراتها ، فما هو حجم هزائمها وخسائرها على مدى 150 عاما مضى؟





