مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

متى تتخلّص الحياة العربية من نفاق المدّاحين وشرور الشتّامين ؟ سيّار الجميل

 

4


كم هي العاطفة متوقّدة عند العرب ؟ وكم  يتقّلب المزاج بين لحظة وأخرى فترى من
يمدح
  حدّ الهوس وآخر يشتم حدّ البشاعة؟وكم
تجدهم سريعو التصديق بما يقوله هذا أو يعتريهم الغضب ضدّ ذاك؟ وكم يطلقون
الأحكام
  على نسوة ورجال لم يعرفونهم حقّ
المعرفة أبداً؟
  وأجد مفارقة واضحة بين
بيئة ثقافية عربية وأخرى في مثل هذا المنحى، فليسَ كلّ من ساهم بجهوده يكون
عملاقاً أو عبقرياً أو أسطورة أو خرافة أو معجزة .. وليس من حقّ أيّ شخص أن يطلق
الأحكام ويكيل المدائح على أحدهم من دون حقّ أبداً، فالأبداع لا يتوفّر الّا عند
الموهوبين وأن توزيع العظمة بلا مبررّ لها أو الاساءة والتنكيل بلا حججٍ وقرائن ..
حالة لا نجدها أبداً في ثقافات أخرى في شرق العالم وغربه! فقد تعلّمت المجتمعات
الحديثة معاني” لسانك حصانك، ان صنتهُ صانك وان خنتهُ خانك”، وهو مثلٌ
شعبي أخلاقي عربي حقيقي ، ولكن لم يعتمده العرب للأسف الشديد .

تربينا منذ صغرنا على سماع وقراءة مسمّيات وألقاب وأوصاف
تطلق على من يستحقها، فكان  أحمد شوقي
أميراً للشعراء ، وأمّ كلثوم كوكباً للشرق، والفنان عبد الوهاب موسيقار الشرق ،
وخليل مطران شاعر القطرين ، وحافظ ابراهيم شاعر النيل، وعبد الحليم العندليب ،
ووديع الصافي صوت الجبل ، والجواهري شاعرالعرب الأكبر .. الخ وهكذا بالنسبة لكلّ
مبدع يملأ  مكانه ويسمو ويرتقي بعلمه أو
أدبه أو فنّه ، وهكذا بالنسبة لمن يتولّى سلطة عليا،فمن الأخلاق أن يزداد تواضعاً
لله وأمام الناس. فالانسان ليس له الاّ عمله، ويعيش حياته كلها ليتعّلم. كان
علماؤنا القدماء يطلقون على أنفسهم “بالأحقر”! اليوم افتقد الانسان
بوصلته اذ يتخّلى عن انسانيته ويتخيّل نفسه عظيماً، بل وينفش ريشه ان سمعَ مديحاً
له من قبل الساذجين!

يا للاسف الشديد،كثرت في الثقافة العراقية اليوم خصوصاً
اطلاق عشرات الصفات والتبجيلات  والاطراء
والمجاملات الفارغة جراء الجهل الطاغي ، فاقرأ 
صفات تطلق بابتذال ، مثل ” العلامة ” و ” الموسوعة “و
“القامة” و ” الاسطورة “و ” حارس الذاكرة ” و”
شيخ المجتهدين ” و” شيخ المؤرخين” و ” الفيلسوف” و”
المفكر الكبير” و” المحلل الاستراتيجي”  و” العبقري “، و” مؤرخ العراق
الأول “، “وتلميذ انشتاين” و “رئيس المجمع الفذ
“،و” الروائي العظيم” و” شاعر النهرين” و”النجم
اللامع “.. الخ ناهيكم عما ألفته الأسماع منذ  قرابة أزمنة مضت : ” الأوحد”
و”أبو الثورات ” و” المؤمن” و ” رائد الامة ”
و” الملهم ” و “الضرورة “ 
.. الخ ولن ننسى ديباجة المديح التي كان يصف فيها  أحدهم الآخر قبل أزمنة مضت  واستخدام : 
الالمعي والنطاسي والاريب  والحبر
واللوذعي والفهامة والنحرير والفريد  ..
الخ

هذا النمط من الثقافة يثير الاستهزاء في العالم، فالواقع
أنّ الثورة للشعوب ولا تسجّل باسم ضابط مهووس، 
والريادة لمن يمتلك مقوّماتها لا لمن يستبّد بها ، والأحادية لله الواحد
القهّار، أما الشياخة ، فلا مشيخة في العلوم المدنية الحديثة أبداً ، فالاكاديمية
ليست كالكتاتيب ،  وليس هناك مشيخة
للمؤرخين أو للمفكرين ! ولم يكن أيّ عراقي تلميذاً لاينشتاين،ولم أجد أيّ فيلسوف
عربي فرضَ نفسه على العالم، ولا خوارق سيأتي بها المحلل الاستراتيجي سواء كان
عربياً أم غير عربي ! ولم تبق في مجتمعاتنا اليوم أيّة قامات ولا أيّ هامات ..
بلادنا مزدحمة بالكتبة و(الاكاديميين)والشعراء والادباء والروائيين والاعلاميين
والمؤرخين والاعلاميين  ..وهناك ثمّة
أذكياء لهم ابداعاتهم مع سمو أخلاقياتهم العليا بتواضعهم وروعة تعاملهم، فلا
مفاضلة بين رؤوس كبيرة وصغيرة بين الناس ، ولكن كم قيمة ما أنتج في حياته هذا من
ابداع مقارنة بذاك ؟

قال العرب القدماء”المديح الحقيقي هو الذي يقوله فيك
عدوك ” وقالوا : “المدح غير المستحق، سخرية متخفية”، حتى وصل الأمر
بالقول: “من مدح رجلاً بما ليس فيه فقد بالغ في هجائهِ”، ومن  العادات المقرفة في مجتمعنا اليوم، ممارسات من
لم يكن يحلم أن تكون له قيمة في الحياة ، فاذا به يتصدّر المشهد، فيعجب بخيلاء
نفسه ويمتدحها أمام الاخرين ويزينها ويجعل من نفسهِ بطلاً في كلّ شيئ ،فألأجدر بك
أن لا تمدح نفسكَ وتفضح أنويتك حتى لو كان المدح حقاً ، وكما  تعلّمنا منذ الصغر:  إذا مدح الرجل نفسه ذهب بهاؤه. ويعدّ المنافق
من أظلم الناس لنفسه كونه يمدح من لا يعرفه. صحيح أنّ المدح يزيد الإنسان الطيب
طيبة والخسيس خسّة، ولكن يلغي مبدأ التواضع وخصوصاً عند العلماء . ومن مدحك بما
ليس فيك فقد ذمك ! وقد تعلّمنا منذ الصغر : ان كنت بين أصحابك وخلانك ، فلا تمدح
أحدهم أمامهم ، فكأنما تطعنهم من حيث لا تدري ! 

ويتفنّن البعض في مجتمعاتنا بصياغة أقذع أنواع الشتائم
وممارستها ، اذ ترّبى منذ صغره على اللعنات والشتائم والسباب بأقذع الكلمات. ويلجأ
لها كونه لا يمتلك الأداة والوسيلة المثلى كالحجج لمقارعة من ينازله، فيستخدم هذا
الأسلوب الرخيص الذي مارسته اذاعات وجرائد ومنتديات وحوارات وخطابات رؤساء في
مؤتمرات قمم عربية وفي برلمانات..ويشيع هذا الابتذال عند أمم عدة سياسياً، ولكنه
يزدهر في مجتمعاتنا للأسف الشديد !  وعليه
، فهل يمكن لمجتمعاتنا يوماً أن تتخلّص من هذه النقائض؟ فكّروا معي وقاكم الله
نفاق المدّاحين وشرور الشتّامين ..   

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading