اغتراب الثقافة العربية المعاصرة في المهاجر والشتات:دورها وفلسفتها ومستقبلها – ا.د سيار الجميل

ملخص ورقة أ. د. سيّار الجميل في الملتقى الدولي الثاني عن الثقافة المهاجرة الذي ينعقد في سان دياغو / الولايات المتحدة الاميركية غدا
28- 29 سبتمبر / ايلول 2024 برئاسة الاستاذة اخلاص فرنسيس .
أسمحوا لي أن أحلّل محنة اغتراب الثقافة العربية المعاصرة في المهاجر على امتداد هذا العالم مركّزا على حالاتها وبعض تجاربها وقوة تأثير تداعياتها ، موظفّاً المنهج المقارن من أجل فهم فلسفة هذا ” الموضوع “.. ثمّ ما الرؤية نحو المستقبل لأجيال قادمة ؟
تعالج هذه ” الورقة ” عدّة من التساؤلات التي تثير اشكاليات لا مفكّر فيها من قبل المغتربين العرب في المهاجر والشتات ، ولم يسأل أحد نفسه : هل سيبقى أي مهاجر أو مغترب غارقاً في تراثه ومشبعاً بثقافته العربية اليوم ؟ وتحاول الاجابة على مثل هذا ” الموضوع” من خلال ثلاثة محاور أساسية : 1) المدخلات 2) المضامين 3) الاستنتاجات .
1) المدخلات :
تتمحور جملة من الافكار الجديدة حول موضوع ” اغتراب الثقافة العربية المعاصرة في المهجر ( أو : المهاجر ) وهل ثمة ما يربطها بأدب المهجر العربي ابان القرن التاسع عشر الذي برزت وتبلورت ظاهرته في الثقافة العربية حين ذاك ؟ وهل يصح تسميتها اليوم بثقافة مغتربة أم لا ؟ من خلال معرفة كنه الاغتراب الثقافي .. هل تعيش ثقافتنا العربية اغترابا داخليا ام اغترابا في العالم من خلال الهجرة عن الأوطان الأم نحو الأوطان الجديدة ؟ وهل يصح ان نسميها بالاوطان الجديدة ؟ ما فلسفتها وطبيعة غاياتها من خلال سلاسل الأجيال المنفصلة عن بيئاتها واندماجها بالمجتمعات الأخرى في العالم ؟ هل تنفعنا الافكار التي عرفناها عن كارل ماركس وأميل دوركهايم وجبران خليل جبران وكارل مانهايم وماكس فيبر وهشام شرابي وغيرهم .. أم أن الحياة اليوم قد اختلفت اختلافات كبيرة وتباين العالم في هذا القرن مقارنة بما كانت عليه الأحوال قبل قرن أو قرنين من الزمن؟ ما هو في الحقيقة حجم التحديات التي تتعرض لها الاجيال القادمة التي ستنفصل شيئا فشيئا عن بيئاتها وثقافاتها وموروثاتها العربية ؟ وآثار تجارب الاندماج في مجتمعات جديدة مع المحاولات للحفاظ على هويتهم الثقافية الأصلية.
2) المضامين :
علينا ان نعترف سائلين : هل ستبقى ثقافة عربية في المهاجر ؟ وما هي الصعوبات والتحديات التي ستخلق تناقضات واسعة المسافات بينها وبين ثقافات الدواخل العربية على امتداد هذا القرن ؟ وهل ستعاني ثقافة المهاجر من الذوبان شيئا فشيئا وتبقى مجرد عناوين في تواريخ مجتمعاتنا كما حدث لأدب المهجر العربي قبل أكثر من 150 عاما ؟ أم تبقى ثقافة المهاجر العربية وقد انفصلت عن ثقافة الدواخل حتى في أزمنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بفعل ضعف الإستمرارية ، وانكماش الذات بفعل الإغتراب النفسي الذي تتعرّض فيه وحدة الشخصية إلى الإنشطار والضعف مما سيقودها الى الضياع ! واذا كان أدب عرب المهجر متماسكاً في الماضي ، وانتهى برغم تماسكه والاعتزاز به في الدواخل قبل 150 عاماً، فان الثقافة العربية اليوم في المهاجر لا تجد الانسجام في نسيجها مع غياب التماسك والروابط وندرة التكيّف معه وتحّول النظرة من الاعجاب والشغف سابقاً الى عدم الاكتراث واللامبالاة اليوم، وقد انعكست المواقف السياسية والايديولوجية والسوسيولوجية والدينية السياسية والواجهات الاعلامية في الدواخل بمثل هذا الدور .. كما انعكست مرئيات الدواخل الموحشة والصعبة من التفككات والاوبئة الاجتماعية والتبيؤات الثقافية على كلّ المغتربين العرب في مختلف بيئات العالم.. ويبرز ذلك واضحاً في ادبياتهم وانطباعاتهم ومواقفهم وتجمعّأتهم وحتى صراعاتهم وخلافاتهم الفكرية والطائفية والجهوية.. ممّا قاد أن تكون الثقافة العربية المهاجرة تعيش اغتراباً خارجياً وداخلياً معا ..ماتت الروح الجماعية العربية ، وتبلورت المحليّات والجهوّيات والتبيؤات واضحة في النتاجات المتنوعة..انطوت النزعة العربية، وتقوقّعت الافكار المشتركة، وضمرت الهوية الثقافية علماّ بأنّ اللغة العربية باتت مستخدمة من الجميع .. كما باتت الجمعيّات والمنتديات محليّة واثنية وجهوية ودينية وطائفية.. وعليه فانّ الثقافة العربية المهاجرة باتت انقسامية لا جامع ثقافي يجمعها، ليس بفعل العولمة والتحوّلات في العالم ، بل بفعل اغتراب حملة الثقافة العربية أنفسهم ليس عن اوطانهم حسب ، بل عن ثقافتهم نفسها ، فهم انفسهم يرفضون أنفسهم ، وليس بسبب المهاجر التي احتوتهم والتي لم يندمجوا فيها، بل بسبب متغّيراتهم الداخلية المجنونة والسريعة في القيم والعادات واللغة. مع تفاقم تناقضاتهم وخلافاتهم، فهم يتغّنون بأوطانهم الأمّ، ولكنهم لا يطيقون العيش فيها ! مع طموحاتهم وغاياتهم القصوى بالتوطّن في المهاجر وقد غدت أوطانهم الجديدة ، ولكن ليست لديهم القدرة في الاندماج فيها والتأقلم مع ثقافات الآخرين ..
3) الاستنتاجات
أمّا الاستنتاجات، فثمّة آراء ومقارنات أقدّمها سواء ما يخّص التفاعل مع العالم والالتزام بالهوية الجمعية العربية كأساس في الثقافة العربية، والتواصل مع الدواخل والاوطان الاصيلة.. مع الابداع المؤثّر في العالم ، لنأخذ مثالا واحدا بين أدب المهجر في القرن التاسع عشر وتأثير أحد عمالقته جبران خليل جبران 1883- 1931م الذي لم تزل كتبه يتداولها العالم بالاف مؤلفة من النسخ حتى اليوم مقارنة بما نشهده من انكماش ثقافة المغتربين العرب في القرن الحادي والعشرين وانغماسهم مع ترسباتهم المحلية الهزيلة واعادة انتاج التناقضات التي تربوا عليها في بيئاتهم الأولى وانعزاليتهم في بيئاتهم الجديدة.. ومزاولتهم لتعصباتهم المرئية والخفية مع هزال امكاناتهم وندرة ابداعاتهم .. وقد اختلفت اجيال الحاضر عن اجيال الماضي . فهل تعلمّوا شيئا ذي بال ؟ وهل بامكانهم فسح المجال امام سلاسل الاجيال بتطوير الابداعات؟ وهل سيرافقهم النجاح في تكوين وحدة التجمّعات والتعايش بين الجاليات العربية ؟ وهل ستتبلور ظاهرة للفهم المشترك والادراك المتبادل ؟ هذا ما سيجيب عنه المستقبل ؟





