مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

تناقضات المجتمع العراقي :محاولة تفكيك بنية اجتماعية صعبة

4 2

كان المجتمع العراقي الذي لم أزل اشتغل على دراسة بنيته منذ أكثر من أربعين عاما من أبرز المجتمعات التي اتّصفت بالسجايا الحميدة والخصال الكريمة بالرغم من كلّ الطعونات التي وجهت صوبه بعد 14 تموز/ يوليو 1958، ولكنه تعّرى تماما، وبانت عوراته، وكشف عن حقيقته، وانفضحت خفاياه التي كانت مختبئة تحت الأرض قبل العام 2003 . انّ مشكلاته بنيوية صعبة يستحيل علاجها وحلهّا كون علاقات نسيجه مفككةٌ ومضطرية في دواخله ، بل ومتصارعة من كلّ الجوانب .. ثنائيات التفكير زادت بحيث تجد ثنائية الأشياء غير متوازنة أو مستقيمة مع المعاني ، فكان أن سحقت التناقضات ذلك التفكير الجمعي وحال التفاوت كبيراً في عقلية ابن الريف وابن المدينة وفقد التوازن . وكرّس النظام الاجتماعي المضطرب وازع الكراهية بين السنة والشيعة ، وبين الاغلبيات والأقليات، بل وطغت العصبيّات في كلّ المراكز والأطراف ..

كفاكم تجاملون بعضكم بعضاً في العلن وأنتم تمقتون بعضكم بعضاً في الخفاء ! والكلّ ينفخ في النار والسلطة على رأسها ! كفاكم تتشدّقون باسم (الوطن والوطنية ) في حين تبخّرت روح المواطنة من وجودكم مقارنة بشعوب أخرى منذ ازمنة طوال ! كفاكم تكذبون على أنفسكم وتصدّقون أنكم أبناء حضارات غابرة وانتم تتعاملون اليوم بتفرقة مفضوحة ! كفاكم تنفخون أنفسكم هواء وتتبخترون أمام أبناء وطنكم وانتم أمام الغرباء تتذلّلون وتستصغرون أنفسكم وتستجدون المديح ! انكم تحملون تناقضات مضحكة لا تستوي مع العقل والمنطق .. اتركوا هامشاً مرناً كي تتحرّك عليه الأجيال القادمة ، فالمجتمع سيتغير لا محالة نحو الأفضل ..

منذ انبثاق كيان العراق المعاصر عام 1921 وانتم تعارضون السلطات باسم”الوطنية” وهدفكم هو السلطة لا غير ! كلّ أحزابكم السياسية على الاطلاق كانت شراذم ماكرة وفاجرة آمن بأفكارها السذج والاغبياء ، وكانت وراء تخلّف العراق وسفك دماء أبنائه ! كلّ الايديولوجيات التي مرّت بالعراق تقدّمية أم قومية أم اسلاموية كانت بضاعتها كاذبة وفارغة ، وقد استوردت من خارج الحدود وهي لا تتلاءم مع ضرورات العراقيين ! تجدهم كما يظهرون في منتهى الروعة والبراءة ولكن تكتشف بواطنهم فتجدهم من أسوأ خلق الله ! وتجد العراق في كلّ الأزمنة مسرحاً للأشقياء والمجرمين وقطاع الطرق والحرامية والقتلة ومن رافعي الحبال أو من حاملي السواطير أو كتّاب التقارير ومرتعاَ للملالي والمشعوذين والطرداء والصعاليك وذوي العقد النفسية وأهل المجون والمجانين .. فكيف ان وصل أمثال هؤلاء الى حكم العراق؟ انهم يمارسون كلّ القسوة والعنجهية والتمايز في حال تملّكهم السلطة ولكنهم يصبحون كالجرذان عندما يفتقدونها ! انهم يستعرضون البطولات ويدّعون القوة والغطرسة وعندما ينقلب الوضع تجدهم وقد شَرَدوا مع المنهزمين ! كنت أتمنى صادقا منذ العام 2003 أن يقف المجتمع العراقي كله وقفة واحدة ضد ما يبث من مواعظ الملالي الجهلة وخزعبلاتهم في فيديوهات ليل نهار وكلها مشيطنة تبيح الجهالة والقنوط ولكن المجتمع ساكت عليها وعلى قرفها سكوت ابي الهول ! ولا أجد الا فانتازيات سياسية واعلامية مقرفة تتغنّى بالعظمة والتهويلات الفارغة أو الشتائم المبرحة .

وقفت عند نصوص برقيات لمئات العراقيين يباركون رشيد عالي والعقداء الاربعة في حركتهم عام 1941 وعند انقلاب الوضع بعد أيام لاموا انفسهم، وأخذوا يتنصّلون ويشتمون الحركة وصاحبها ! لا ادري ماذا أجيب احدى الزميلات وهي مؤرخة معروفة في العالم : هل لمثل هذا المجتمع تاريخ واحد أم أكثر من تاريخ؟ من يجادلني بأنّ للعراق أكثر من تاريخ واحد، فكلّ جماعة لها تاريخها بل وتسفّه الجماعة الأخرى في تاريخها ومصادرها ! أجبتها : نعم المجتمع العراقي يفترق في تفسير تاريخه ، واذا افترقت الأصول ضاع المستقبل ! واستطردت قائلا: لا يوجد شعب في الدنيا يشوه تاريخه الّا أهل العراق ، فمنهم من يكره بغداد كراهية عمياء بسبب كرههم لمؤسسها ، ومنهم من يكره الموصل ولا يطيق أهلها ويصفهم بشتى النعوت ، وهناك علاقات غير منسجمة بين العرب والاكراد وبين الاكراد والتركمان ..ومنهم من يمّيز بين أهل الريف وأهل المدينة وبين أهل الشمال وأهل الجنوب وبين الفرات الاوسط والجنوب .. والصراع جهوي ومتوارث بامتياز! وصل التناقض في التفكير وفي أسلوب الحياة وفي التعامل وفي العاميات وحتى في الذوق والأغاني المبتذلة بحيث أجده من أطيب الشعوب ولكنه غير منسجم مع ذاته .. لدى مجتمعات أخرى هناك انسجام في قبول المختلف وطنياً ، لكن نجد في مجتمعنا اختلافات سايكلوجية في قبول الحقائق أو قلبها وتزويرها .. وقد وجدنا أنّ التناقضات الاجتماعية تُترَجم الى صراعاتٍ سياسيةٍ وبانتقام شنيع .. ان الطبقية الاجتماعية والتمايزات الثقافية وصراعاتها العنيفة في العراق قد ترجمت أفعالها الدنيئة على الارض في أعوام كسيحة عدّت علامات فارقة 1931 و 1936 و 1941 و 1958 و 1959 و 1963 و 1968 و 1979 و 1991 وما بعد 2003 تفجّرت صراعات طائفية 2005- 2006 وجهوية وعشائرية وصولا حتى ثورة تشرين 2019 واحتداد أسنان العراقيين اليوم للثورة .

ان مثل هذه التناقضات التي وجدناها في أكثر من مجتمع لها قابلية العلاج وزالت كما وجدنا في تجارب رواندا او روديسيا وجنوب افريقيا والبوسنة والصومال وغيرها، ولكن المعضلة في العراق بنيوية ويصعب تفكيكها وعلاجها بسبب توارثها في المجتمع الذي بدا هشّاً بعدم انسجامه اذ لا يمكنه أن يجمع على رأي واحد أو موقف واحد او عَلَم واحد أو نشيد وطني واحد او حتى على وطن واحد .. ووصلت هشاشته ان هذا يطالب بانفصاله، والاخر باقليمه ،والاخر بتبعيته ، والاخر بقسمتهِ على أن لا يعود اليه !! الأهواء شديدة مما زاد في التقلّبات وتجدهم يزايدون على أنفسهم بالولاء الوطني .. ولم تزل العقلية عند البعض يأكلها الانتماء الوهمي مذ تربى على ثنائية غير مستقيمة بين الوطنية وبين القومية ! أو بين المواطنة وبين الدين . وثمّة تناقض آخر لم نكن نعرفه في الماضي فهو يلعن ديانته ، ويعلن الحاده ، ويشتم التاريخ ليل نهار، ولكنه يصعق عند ذكر مذهبه أو طائفته ! ولما لا يطيق مثل هذا الآخر من بني وطنه ، فهو يمقته ويشّهر به ويطعن في التاريخ .. ليظهر أنّ تاريخه هو المقدّس ! من تناقضات المجتمع أيضاً أن كلّ فرد فيه يحمل نزعة الأنا والنحن الى درجة مقرفة .. هذا عراقنا لنا وحدنا، وهذا تاريخنا لوحدنا ، وهذا مجتمعنا لوحدنا ، وهذه ثقافتنا لوحدنا ، وهذه اغانينا لوحدنا .. الخ

انني أعتقد بأن العراق زاخر بالناس العقلاء ولكن المجتمع لم يزل صامتاً . ان المجتمع لم يزل يحمل في جوفه سجايا قوية وفيه من الاذكياء والمبدعين ولكن لا فاعلية لهم أبداً بسبب تهميشهم او اقصائهم . وعليه، فان البونَ شاسع اذا قمنا بمقارنة معرفية بين طبيعة المجتمع العراقي وغيره من المجتمعات الاخرى في الاقليم ام دولياً .. ربما ثمّة تفاوتات ومثالب في مجتمعات أخرى ، ولكن حياتها غير مثقلة بمثل هذه التناقضات المتصادمة داخل بنية صلدة متيبسة على نفسها ولا تقبل الاجتهادات والتغيير ولا حتى الخلاف في الرأي .. والمشكلة انّ الجداليات العراقية العقيمة لا تستند الى قرائن وحيثيات ومستندات ، بل هو تعنيف وشتائم واتهامات . ان هذه البنية لا يمكن تحطيمها الّا من خلال ثورة اجتماعية وتعليمية ونظم وقوانين متمدّنة وحكومات قوّية وتشريعات ذكيّة .. وبدونها فانّ المجتمع لا يصلح للديمقراطية أبداً وهو في طريقه الى التفكك والاضمحلال .

هناك أكثرهم تأخذهم العزة بالأثم فيبقى يجادل بالباطل ويعظّم نفسه بالتغافل او يضحك على نفسه بكلّ سذاجة ليعلن انه شعب عظيم وسليل امجاد تاريخ وبلد أبطال اذ يريد أن يعيش كاذباً لا على نفسه حسب ، بل على الآخرين وعلى العالم ، ويدّعي كلّ المحاسن والمفاخر .. انه ببساطة شديدة ساذج جداً، ويعتبر النقد والمعالجة والتنبيه بمثابة خيانة عظمى في تفكيره او يبدأ بالسباب وكيل الاتهامات وهذا جزء اخر من شخصية مهزوزة تحمل تناقضات كلّ العالم .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading