مهزلة المثقفين الجدد – سيّار الجميل
1/ محاضرات الملتقيات : فيديوهات تافهة
من محاسن ثورة المعلومات ووسائل التواصل اليوم انها فضحت على الملأ بضاعة الجهلاء وضحالة الضعفاء وتفاهة السفهاء ورداءة تفكير المتطفلين على المعرفة ومن يسمّون انفسهم بـ “مثقفين” ، وفي الوقت نفسه كشفت عن قوّة المتميزّين ورجاحة العقلاء وروعة المبدعين .. وبنفس الوقت، فانّ من سيئاتها أنها أتاحت الفرص الذهبية لكلّ من هبّ ودبّ ليقول ما يشاء وليطلق الأحكام على هواه بلا أيّ روادع اخلاقية وبلا أية قيود قانونية وتخطي الخطوط الحمراء المعرفية!
أرسل لي أحد الأصدقاء فيديو لمحاضرة قدّمها قبل أيام أحد المثقفين الشباب العراقيين ، وكنت أتوسّم فيه خيراً ونضجاً ، ولكن خاب ظني بما قدمّه في محاضرته وسوء اختياره لموضوع عنوانه ” الأموية ” ، وكنت أظن انه سيتحدث في التاريخ ، ولكن وجدته موضوعاً مختلقاً من أساسه تتداوله ان صحّ زعمه ، ثلّة من المعمّمين المتعصّبين والساسة المنغلقين . وقد رافقتني خيبة الأمل في ردوده على منتقديه للأسف الشديد .. أما الأنكى من ذلك ، فقد تمّثل بمن أدار الندوة وهو الذي عرفته اعلامياً منذ سنوات طوال، وهو نفسه الذي يدير منبره على ( الزووم Zoom ) ثم نشر الفيديو ، بموضوعه الردئ وردوده المتقطعة وأحكامه الخاطئة .
2/ اختلاق الأزمات الوهمية
انّ المشكلة الأساسية لدى هؤلاء أنهم يقومون باختلاق أيّ موضوع يثير الآخر ولا وجود له اليوم .. يتطفّلون عليه من دون المام واسع به وبجزئياته، ويأخذهم الاسهاب والانشائيات بتفاصيل مثيرة للاستياء ويلفّون ويدورون حول أمور لا وجود لها في الواقع ، وان وجدت فهي لدى ثلّة قليلة مثيرة للسخرية والتفاهة فهو ليس موضوعاً يشغل بال الملايين، بل ربما لا يشغل بال كل المجتمع الا بعض من يكره مجتمعه كله كراهية عمياء .. انّ اثارة موضوع غير مجمع عليه ولا يمثّل الناس كلهم ، هو عملية مقصودة لتكريس الأحقاد والانقسامات أو لغرض احداث فتنة بأغلفة مبطنّة وبطريقة مقرفة . انهم يثيرونها ليس حبّا بالمعرفة ولا درءاً في الضد منها لأنهم لم يدينوها أصلاً . لقد بات العراقيون يقرفون من كثرة ترديدهم ليل نهار اسماء معينة ، ومشكلات قديمة ، وحوادث لا أساس لها من الصحة التاريخية ، وبات التفكير لا يعرف الّا الاقصاء والتهميش أو ترديد المديح والاطراء الزائف .. قديما قالت العرب : ” ليس كلّ ما يعرف يقال” ، فما معنى أن يتبجح هؤلاء في العراق وامثالهم ضدّ أولئك في سوريا عن اختلاقات ليس لهم أية صلة بها ؟ طيب، ومن يسبّب القلق ووجع الرأس اّلا هؤلاء الذين يقومون ويقعدون وليس لهم الا ترديد الاسطوانة المشروخة عن تقديس فلان أو تدنيس علان !
3/ تعلمّوا كيف تتكلمون !
حاولت أن أجد ادانة حقيقية لمن يستخدم مثل مصطلح ” الأموية ” فلم أجد ذلك أبداً .. وفي الجلسة ، حاولت احدى المثقفات المعروفات ان تنّبه المحاضر أن لا وجود لمثل ما يشيعه المحاضر عن وجود ظاهرة مستشرية ، وقالت له : أنا شاهدة على الأوضاع كونها تقيم في بغداد ! ولكن ؟ لم أجد تراجعاً منه ! حاول أحد المختصين منتقداً ما قاله المحاضر وما عرضه مدير الجلسة، فلم أجد الّا اصراراً منهما على ما عرضا .. من دون تقّبل النقد برحابة صدر والتراجع والدعوة الى التفكير العميق والاعتذار. انّ التأمل في هزال الأجوبة التي ترافقها عادة لغة الجسد متمثّلة بحركة اليدين بقوة والتواءتهما والتمادي والتأتأة والاسترسال في موضوعات أخرى غير مترابطة لا يفهم رأسها من رجليها لاضاعة الانتقادات ! بل وجدت ان كلّ الموبقات في العراق ينسبونها الى ايران، وكأننا نعيش في مجتمع عراقي مهذّب وحضاري يحترم أحدنا فيه الاخر ولا يثير الفتن وينكأ الجروح .. وكأننا أبرياء لم نعش المأساة ويشهد العراقيون العقلاء ما يروّجه هؤلاء الذين يكيلون بمكيالين فهم ينتقدون حالات وهمية ولكنهم يصمتون على ما يروّج له الملالي ورجال الدين وسياسيين تافهين من خزعبلات واساءات ولعنات ليل نهار في الفيديوهات وعلى الشاشات !
4/ يريدون الغاء التاريخ ليكونوا هجناء بلا تاريخ !
انتقل الى مدير الجلسة البائسة وهو يدلي بأحكامه أمام الجميع وكأنه امتلك معرفة الأولّين والآخرين، وكنت أتمّنى أن لا يتفّوه بما قاله: ” يجب ان نلغي دراسة التاريخ من حياتنا !! ” أسمعتم عاقلاً يدلي بمثل هذا الرأي بخفة وعدم اكتراث من أجل اثارة يختلقها نفر من الناس أو عن حالة وهمية وحتى ان وجدت فهو انعكاس سياسي مرحلي لما حدث في سوريا ! يعني يلغي التاريخ كي يتوقّف نفر تافه عن الاساءة !! تلغي دراسة التاريخ كونك لا تفقه أهميته وعظمته وقوّة أعماقه وتجارب آفاقه وعظمة رموزه !! تلغي التاريخ هكذا بمجرّد انزعاجك من مصطلح لا تعرفه الملايين في هذا العالم الاسلامي ! تلغي تاريخ أمة كاملة من أجل ان تكون بلا تاريخ وبلا أصالة ! طيب اعترف بمن يلوك هذا المصطلح في دواخل العراق ، وسمّه بالاسم ، وانتقد موقفه نقداً لاذعاً . وان كنت بارعاً في دراسة التاريخ، فكن شجاعاً وقل من صنع تاريخ العراق ؟ ومن بنى مدنه ومؤسساته وعلومه وفنونه ودوله عبر التاريخ !؟
5/ وأخيرا : ماذا أقول ؟
انّ تكريس مفهوم تافه لا وجود له اليوم يريدون أن يجعلوا منه “قضية” وحتى ان وجد عند بعضهم فهو تداول مرحلي وسياسي ، وهو لا يعني شيئا ذي بال حتى تلغي دراسة التاريخ من أجله. لماذا تضع نفسك في مثل هكذا مأزق وانت تدرك ان هناك من باستطاعته أن يفحمك ويبدّد خطل هذا الرأي ! ان حدث تغيير سياسي في سوريا المجاورة ، فما دخل “الأموية” بالتغيير الذي حصل ؟ ومن ينادي بذلك اليوم ؟ وان كنت تدين مصطلح “الاموية”، فهل باستطاعتك أن تدين مفاهيم أخرى؟ من يؤمن بالديمقراطية ويتفاخر بأنه ليبرالي وعلماني أن يقتحم المجال لمعالجة قضايا التاريخ بشجاعة وجرأة من قبل علماء مختصين ومؤرخين حقيقيين لا من قِبَل أناس لا تعرف التمييز بين الصواب والخطأ ، وعلى من يدخل أنفه في هكذا ” موضوعات ” أن يؤكد للعالم ويشخّص أنه قد غادر عبادة الأوهام والخرافات .. أتمنى من صميم القلب أن لا تتأثر الناس بمثل هذه الأحجيات التي يسمونها “محاضرات” وكلها تنشر في فيديوهات بائسة وأتمنى ان لا تتأثر الأجيال القادمة بمضامينها الخاطئة المثيرة للقرف !






