مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

تشويه التاريخ على أيدي المفذلكين الجدد-سيّار الجميل

4 2

اعلاميون وسياسيون وطفيليون يصرّون على خطاياهم!

ما ذنب الأجيال أن تعيش في زمن انتقلت فيه التعاسة من السياسة الى المعرفة ؟ ما نكد هذه الدنيا المليئة بالزعانف والذيول، وقد انقلبت فيها المعايير رأساً على عقب ! ما أسوأ حالنا بين الأمم وقد تهافت فيه العلم والأدب والفن تهافتاً كبيراً، وقد غدت الحياة مليئة بالاخطاء والتفاهات بغياب النقد والنقّاد؟ من أسوأ المعاناة أن عانى المرء من شقاء الوعي وهو يواجه زحمة من المسيئين الذين لا يحترمون الحقيقة والمعرفة وهم يتصدّرون المشهد بأحكامهم القاطعة من دون أدنى احترام للمعرفة وأصحابها ؟ من هؤلاء الذين لا يخجلون من أخطائهم وقد افتقدوا أخلاقيات العلماء؟ ما هذا التطفّل على التخصّصات من دون أيّ وازع من علمٍ ودقةٍ وقراءات؟ من يسمع الأصوات في بحر هائج يسيطر عليه الجهلاء؟ ما هذه الجهالة الطاغية التي ينشرها الأغبياء بوسائل جديدة وبلا ضوابط هذه الأيام؟كيف سيغدو مستقبل المعرفة العربية في ظلّ هذه الموجات الكسيحة من المشاركات البليدة التي تتربّى عليها الأجيال الجديدة؟ لم تقتصر المشكلة الحقيقية على ضحالة الآراء، بل الخطر في طرح معلومات خاطئة واطلاق الأحكام السقيمة!

نشهد اليوم أعتى الحملات العدائية ضدّ تواريخ عربية بالذات، ويتبّرع العديد من المتطّفلين والجاهلين والكارهين والمزايدين، لإطلاق الأحكام الجاهزة والكيدية من دون أيّ وعي، ومن دون أيّ بعد نظر أو تثبّت من الأحداث والشخوص والظروف والمواقف. وينقسم الناس في مجتمعاتنا حول تحديد الرؤية إلى التاريخ، لكونها لا تؤمن بأيّة قطيعة بين الحاضر والماضي، ولأنّها عاشت جملة تناقضات بين ما تحملهُ ذاكرتها الاجتماعية أو ما تناقلته شفاهاً من جيل إلى آخر! وتنقسم الرؤية لتاريخنا في بلاد تكثر فيها الانقسامات المذهبية والطائفية، كون كلّ طائفة اجتماعية تستلهم شرعيتها ووجودها من تاريخ معين، أو من شخوصٍ وأبطالٍ معينّين، فتمجّد رموزها على حساب طائفة أخرى. والأخطر في مجتمعاتنا، أن البعض من المتنطعّين الجدد الذين اخترعتهم الأيام الجديدة، انتقل من الوصاية على مذهبهِ أو طائفتهِ، ليغدو وليّاً على أمور التاريخ. فكما استحوذوا على الدين وجعلوه مجرّد طقوس وأقانيم وعادات اجتماعية متوارثة، ونصّبوا أنفسهم وكلاء عليه، فقد جعلوا من أنفسهم أولياء أمر التاريخ، يتكلمّون باسمهِ، ويطلقون أحكامهم عليه، من دون أيّ علمٍ أو منهجٍ أو نقدٍ أو رؤيةٍ عقلية.. إنهم يستخدمون ذلك لتبرير استحواذهم على الحاضر ليسيّرونه على أمزجتهم، ويلغون ويهمّشون ويحللّون ويحرّمون كما يشاؤون ،فضلاً عن اختلاقهم أكاذيب من نسج خيالهم كي تتفّق وأغراضهم اليوم .. الخ. اننّي أتساءل: ما أهمية أقسام دراسة العلوم التاريخية اليوم وفروعها التي يتخّرج المئات سنويا في أروقتها، وقد غدا التاريخ كلّه ماكراً ومشوّهاً على أيدي اعلاميين وسياسيين وفنانين وكتّاب ومعلقين ورجال دين لا يعرفون مبادئ البحث عن الحقائق العادية ؟

لقد احتكرت “التاريخ ” في سوقه الاعلامي والدعائي والسياسي والوجه التلفزيوني ثلّة من عديمي الثقافة التاريخية .. ثلّة من الجهلاء والملالي ووعاظ السلاطين ورجال المذاهب والطوائف، ورهط من المتطفلّين وأدعياء الإعلام والشهرة وبعض الشحاذين والمتكسبّين لدراهم من المال كونهم وجدوا في التاريخ سوق حرامية ، وبعض كتّاب السيناريوهات وخطباء المواعظ الذين يجهلون أبسط قواعد المنهج وفنون الكتابة وأدوات النقد وأساليب التحليل، بل ويتطفّل عليه كلّ من ترجم وثيقة ونشرها على علّاتها دون تمحيصٍ ولا تحقيقٍ ولا نقد مقارن. أجد بعضهم يتحّول من معلّق سياسي الى مؤرخ لتاريخ العراق الحديث ، وبعضهم مجاله العلوم السياسية فيدخل انفه ليكون مؤرخاً ..

التاريخ عندهم لم يعد تخصّصات علمية أو مناهج معرفة إنسانية واجتماعية، ولم يعرفوه نقداً ظاهراً وآخر باطناً، أو تحليل وثائق وكشف معلومات موثقّة بأمانة ، ولم تعد مهمتّه ضرورية – عندهم – لتشكيل ذاكرة حقيقية أساسيّة للمجتمع، بل غدا مستلباً من هذا الطرف أو ذاك، مع طغيان الأوهام، وبثّ الأكاذيب، وتأليه الرموز، والتشويه والطعن والتشهير والإساءة بغرض جذب المشاهدين والفضوليين وطالبي المتعة والتشفّي.ولا أدري كيف أفسّر صمت المؤرخين المتخصّصين والعلماء على كلّ ما يحدث وينشر، إذ لا إجابة منهم على أسئلة لا متناهية تتطلبّها معرفة ونقد وفكر وعقل! ويبدو أن الساحة قد جفّت مع رحيل الكبار وضمور الصغار، بل ويبدو شبح التآكل العلمي هارباً أو مغترباً أو صامتاً، إزاء تفاهة الطفيليين والدخلاء والمارقين والمحرّفين والمتعصّبين والمستهترين .. الذين خربوا الثقافة المتمدّنة، مع اجتياح الأفكار الجاهزة من هنا أو المعلبّة منذ قرون من هناك! إن التاريخ كان ولم يزل مستلباً من فقهاء أو أشباه فقهاء ، أو جهلاء، أو رؤساء، وسلاطين، وسدنة طوائف ومذاهب أو منظّري أيديولوجيات، أو حتى من قبل تجّار المتعة من مؤلفين وفنانين وكتّاب سيناريوهات أفلام ومسلسلات الإثارة والمتعة قصيرة الأجل.. بل ومستلباً حتى من أشباه شعراء وأدباء ومثقفين ومؤلّفين وملالي معمميّن وسياسيين فاشلين، يدخلون أنوفهم عن قصد وسبق إصرار، لتشويه الحقائق من دون أيّ إسناد أو توثيق علمي! او اطلاق كلامهم على عواهنه من دون توثيق ولا قرائن ولا أيّة حيثيات وحجج وادلة ..

إن توظيف “التاريخ ” من قبل هؤلاء يأتي لمقاصد شتّى وأغراض مشبوهة، فيغدو هو الأسهل كونه يخلو من شهود إثبات أو أيّة توثيقات، فيسمع الناس ما يقولون، أو يقرأ العالم ما يكتبون بلا دراية، أو كما يشاهدون على شاشات التلفزيون في الفضائيات الهابطة والفيديوهات عبر اليوتيب . ومن المؤسف أن مؤرخين عرباً انحازوا لهذا الطرف أو ذاك، بينما يلوذ أكثرهم بالصمت واللامبالاة من دون أن يدلي أحدهم برأي أو ثانيهم بنقد أو ثالثهم بأيّ اعتراض، أو حتى إيضاح للفصل بين الحقائق والأكاذيب، وهو يسمع ويقرأ ويرى ما يحدث من أخطاء في كتابات وأفلام ومسلسلات ومقاطع من خطب ومقولات وحوارات، وما يكال من شتائم وسباب ضدّ رموز على المنابر والمسارح وفي الاستوديوهات وقاعات المحاضرات، وما يطلق من أحكام بليدة على مراحل وعهود، أو من يقوم من الممّثلين بأداء أدوار ليسوا هم بحجمها أبداً، ويأتينا آخر ليقتص من اخلاقية زعماء آخرين أو نخبٍ معينة.. ويعلن آخر عن وجود عاصمة حضارية قبل ان تتأسس بغداد كونه يعّبر عن كراهيته لمؤسسّها .. وآخرون يصبغون عهداً كاملاً بالصبغة السوداء كونهم يعبرّون عن حقدهم ضدّ زعمائه وسياساته ! أحد رؤساء الصحف عدّد مئات المنجزات الكبرى للزعيم عبد الكريم قاسم الذي حكم أربع سنوات ونصف السنة فقط من دون دراية بأنها منجزات مجلس الاعمار العراقي ضمن خطتيه الخمسية والعشرية وقد اكتمل تنفيذها على عهد قاسم فسجلت باسمه وهو نفسه الذي قضى على مجلس الاعمار ! وآخر يطلق الاحكام المرعبة يميناً وشمالاً معتمداً على صاحب مذكّرات كاذبة من ألفها الى يائها ، وبرنامجه تشويه فاضح للتاريخ . المشكلة الأساسية في هؤلاء أنهم وجدوا أنفسهم لوحدهم في الميدان ولم يحاسبهم أحد فزادوا في غيهّم ، دون احترامهم حتى ذوي التخصّص ! مع ندرة من يقرأ ويتمعّن ، فيسمعون الغث ثم يسوقونّه . وعليه، فالثقافة العربية تعيش انحطاطاً شاملاً .

إذا كان المؤرخون العرب الأوائل قد أنتجوا كتباً خطيرة، أو موسوعات رائعة أثارت الفكر وانتبه إليها العالم، وتابعها أغلب المثقفين والمهتمين والطلبة والباحثين بشغف كبير، في مختلف صنوف العلوم الإنسانية والاجتماعية، فإننا اليوم إزاء كتبة جهلة أو حملة شهادات مزيفة، أو أناس فرضوا أنفسهم ميدانياً، وهم لا يفقهون إنتاج ورقة بحثية رصينة! إنّ قيمة العلماء تبدّدت، ولم تعدّ للعلم قيمة في حياتنا الاجتماعية العربية. كانت الناس تعرف حدودها ولا يتدخّل المرء في شؤونٍ لا تخصّه، ولم يكن يدخل أنفه في تخصصّات لا معرفة له فيها.. واليوم أصبحَ كلّ من هبّ ودبّ حامل صولجان، يتفقّه في كلّ الشؤون ويتفلّسف في كلّ الأمور، بل وطغى الجهلاء بشهادات دكتوراه تافهة ازاء العقلاء الفرسان الذين كادوا يختفون من الميدان!

المفذلكون احذروهم ولا تصدقّون ما يقولونه من هذيان وحكايات وانشائيات ببرامجهم الفضائية ومواقعهم على اليوتيب ، أو ما يكتبونه ويحاضرون فيه . إنّ التحوّلات النهضويّة لا يمكنها أن تمضي في سبيلها، إن بقي الأمر في أيدي هؤلاء الذين يختزلون بضاعتهم باستلاب التاريخ، ويلوون أعناق الحقائق، ويرجعون الحياة إلى الماضي.. إنهّم يعيشون في قلب هذا العصر، ولكن تفكيرهم وأذهانهم باقية في الماضي ، واذا كان الماضي يزدحم بقطاع الطرق ، فالحاضر يزدحم بسّراق المعرفة . لقد وجد أمثال هؤلاء العدد الكبير على مدى التاريخ ، ولكن طواهم الزمن أمام بقاء الحقائق ثابتة مهما بلغت درجة تشويه التاريخ والتدليس عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading