المجتمعات العربية:من وقار الوجاهة إلى زمن الابتذال – تحوّلات الذائقة والمعايير- سيّار الجميل

مقدمة : زمن الابتذال العربي: حين يختلّ الميزان
كتب عن التفاهة القليل وسمى هذا العصر بعصر التفاهة ، ولكني اريد القول بأنه زمن الابتذال فما هي رؤيتنا للعرب وهم يبتذلون يوما بعد آخر للاسف الشديد ؟ واعتقد ان مقياس الابتذال ليس واحدا بين مجتمع وأخر ، ولكن اقصاه بلغ في العراق ثم مصر والسودان واليمن ثم بلاد الشام ! فما الابتذال العربي ؟ وما مقاييسه في ازمنة القرن الحادي والعشرين ؟
لم يعد وصف عصرنا بـ«عصر التفاهة» كافياً. التفاهة قد تُفهم بوصفها خفّةً عابرة، أو ضحالةً في المعرفة، أو انشغالاً بما هو سطحي. أمّا ما نعيشه اليوم في كثير من الفضاءات العربية فهو أعمق وأخطر: إنه زمن الابتذال؛ حيث تُنتهك المعايير، وتُستباح القيم، ويُعاد تعريف المقبول والمرفوض على نحوٍ يجعل الانحدار يبدو طبيعياً، بل ومربحاً. الابتذال ليس مجرد انحطاط لغوي أو أخلاقي، بل هو تحويل الرداءة إلى معيار، وتكريس الصخب بديلاً عن المعنى، وتسليع كل شيء: الجسد، والفكرة، والدين، والوطنية، وحتى الألم. وإذا كانت لكل مجتمع مقاييسه الخاصة في الحكم على السلوك العام، فإن القرن الحادي والعشرين فرض مقاييس عابرة للحدود، تتغذى من الإعلام الرقمي وثقافة تفاهة المشاهير والاقتصاد الاستهلاكي والاستلابات .
أولاً: مقاييس الابتذال في القرن الحادي والعشرين
مقياس الانتشار بدل القيمة والوجاهة ، اذ لم يعد السؤال: ما قيمة الفكرة؟ بل: كم حصدت من مشاهدات؟ هكذا صار “الترند” حَكَماً أعلى من العقل، وصار الجدل المصطنع طريقاً أقصر إلى الشهرة من الاجتهاد الحقيقي. ومقياس تضخيم الخاص على حساب العام فمثلا تُعرَض تفاصيل الحياة الشخصية بلا حرج، لا لضرورة فكرية، بل لجذب الانتباه. الخصوصية لم تعد حقاً يُصان، بل مادة تُستهلك. ومقياس تسليع المقدّس وسحبه الى المستنقعات في بعض البيئات، يُستدعى الدين أو الوطنية أو المظلومية بوصفها أدوات تعبئة عاطفية، تُستثمر في السوق السياسي أو الإعلامي، حتى تفقد معناها الأخلاقي. ومقياس لغة الانحطاط الرمزي كالشتيمة، والسخرية الجارحة، والتطفّل والخطاب الشعبوي، والاختزال الحادّ للخصوم؛ كلها صارت أدوات مألوفة في النقاش العام، فبدا الرصين غريباً. انه تطبيع مع الرداءة حين يتكرر المشهد المنخفض الذوق، يُصبح عادياً. وحين تتراجع الجودة في الفن والتعليم والإعلام، يُعاد تعريف المعايير لتناسب المستوى الهابطالذي لا يحترم تخصص الاخرين ويتجاوز على من هو اكبر خبرة واكثر تجربة معرفية برفضه تقويماتهم.
ثانياً: تفاوت المقاييس بين المجتمعات
صحيح أن الابتذال ظاهرة عالمية، لكن حدّته وأشكاله تختلف باختلاف السياقات السياسية والاقتصادية والثقافية. المجتمعات التي عانت من حروب طويلة، أو أزمات اقتصادية خانقة، أو استقطاب سياسي حاد، تكون أكثر عرضة لتحوّل الفضاء العام إلى ساحة صخبٍ وغرائز. في بعض البيئات العربية، تراكمت عوامل الانهيار:ضعف المؤسسات، تآكل الطبقة الوسطى، هجرة العقول، وتضييق المجال الثقافي الرصين. حين يضعف الأفق، يرتفع منسوب الضجيج. وحين تُسدّ قنوات التعبير الجاد، يجد الابتذال منفذاً أسهل وأسرع.
ثالثاً: أربعة مناطق عربية ( اكاديمية): قراءة في السياق لا في الإدانة
القول إن أقصى درجات الابتذال بلغ في العراق ثم مصر والسودان ثم بلاد الشام واليمن يحتاج إلى قراءة سياقية لا إلى حكمٍ قيمي. فالعراق مثلاً عاش عقوداً من الحروب والحصار والاحتلال والانقسام؛ وهذه التحولات العنيفة خلخلت البنية الثقافية والاجتماعية، ودفعت بالإعلام الجديد ليملأ فراغاً هائلاً في التمثيل والتعبير. في مثل هذه البيئات، يصبح الصوت الأعلى هو الأكثر حضوراً، لا الأعمق. وفي مصر، حيث الثقل السكاني والتأثير الإعلامي الواسع، يتضخم أي اتجاه، سلباً أو إيجاباً. صناعة الترفيه الضخمة، مع ضغط اقتصادي شديد، أنتجت مزيجاً من الإبداع والابتذال معاً. السوق الواسع يغري بالمكسب السريع، ويغري كذلك بالمبالغة والإثارة. أما بلاد الشام، التي عرفت حروباً وتمزقات وهجرات قاسية في العقد الأخير، فقد شهدت انتقالاً قسرياً من ثقافة مدنية عريقة إلى واقع تتنازعه المنصات الرقمية والاصطفافات الحادة. ومع ذلك، لا تزال فيها جيوب مقاومة ثقافية لافتة. غير أن العدالة تقتضي القول: في هذه البلدان كما في غيرها، يوجد أيضاً نقيض الابتذال—كتّاب جادون، فنانون حقيقيون، مبادرات شبابية راقية، ومراكز بحوث قوية ومساحات فكرية تحاول استعادة المعنى والنوعية في الانتاج . الصورة ليست سوداء خالصة، بل صراعٌ بين اتجاهين. يظهر ابتذال التعليم العالي بمستويات متفاوتة في المجتمعات العربية، حيث تأثرت مؤسسات العراق ومصر والسودان وبلاد الشام واليمن بفترات طويلة من الحروب والأزمات الاقتصادية والسياسية، ما أسهم في تضخم الألقاب وضعف معايير البحث العلمي وانتشار الجامعات التجارية. بالمقابل، تبدو بيئات الخليج العربي أكثر تقدماً نسبياً، بفضل الاستثمار المكثف في التعليم وربطه بالتنمية واستقطاب الكفاءات، رغم تحديات ضبط الجودة في ظل التوسع السريع. أما المغرب العربي، ولا سيما المغرب وتونس، فاحتفظت بعض الجامعات فيهما بوجاهة علمية مستمدة من تقاليدها التاريخية، بينما الجزائر وليبيا واجهتا آثار الأزمات السياسية والاقتصادية على التعليم، ما أدى إلى درجات متفاوتة من الابتذال رغم وجود جهود للحفاظ على المعايير الأكاديمية في بعض الجامعات.
رابعاً: لماذا يتفاقم الابتذال؟ وهل من مخرج ؟
ان المنصات تكافئ ما يثير، لا ما يُثري. مع غياب التربية النقدية ضعف التعليم النقدي يجعل المتلقي عرضة للانجراف. مع تفاقم الفراغ السياسي والثقافي حين تُغلق المسارات الجادة، يُفتح المجال للسطحي. وانتشار الإحباط الجمعي: في أزمنة الانكسار، يصبح الهروب إلى الضجيج تعويضاً نفسياً. ان مقاومة الابتذال لا تكون بالوعظ الأخلاقي وحده، بل بإعادة الاعتبار للتعليم النوعي والفن الرفيع. ودعم الإعلام الجادّ والمستقل. وتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة. وخلق مساحات حوار تحترم الاختلاف دون انحدار. زمن الابتذال ليس قدراً أبدياً. هو نتيجة شروط يمكن تغييرها. والميزان الذي اختلّ يمكن أن يُعاد ضبطه إذا وُجد وعيٌ جمعي بأن القيمة لا تُقاس بعدد المتابعين، وأن الكرامة الثقافية ليست ترفاً، بل شرطاً لنهضة أي مجتمع. ربما نحن في مرحلة اختبار قاسٍ للذائقة العربية. لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تنتبه لانحدارها، وتجرؤ على نقد ذاتها، تمتلك في داخلها بذور النهوض. والابتذال، مهما علا صوته، يبقى عارضاً إذا وُجد من يصون المعنى.
خامساً: تأثير الظواهر الجديدة المنتشرة في مجتمعاتنا كثيرا تحت غطاء الاسلام السياسي
الحقيقة ، يمكن رصد تأثير أبرز هذه الظواهر على المجتمع العربي في القرن الحادي والعشرين على النحو الآتي: كانت الاضطرابات الايديولوجية والانقلابات العسكرية والشعارات الثورية الكاذبة وحكم الدكتاتوريات الاستبدادية المتسلطة مع اجتياح الاسلام السياسي .. كلها عوامل تفاقم الابتذال في القرن العشرين ، ولكن استشرت الطائفية وساهم تأثيرها في تفتيت الهوية الوطنية الجامعة وتحويل الانتماء من «وطن» إلى “طائفة”. مع إعادة تعريف الحق والباطل وفق معيار الانتماء لا وفق معيار القانون أو الأخلاق. وتحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، ما يبرر الإقصاء والشيطنة. الطائفية تُنتج بيئة خصبة للابتذال؛ لأن الخطاب فيها يعتمد على الإثارة والتحريض لا على العقلانية. وكان للعنف المادي والرمزي وتأثيره في تطبيع مشاهد القسوة حتى تفقد صدمتها الأخلاقية. وشرعنة القوة بوصفها أداة حسم، بدل الحوار والمؤسسات. وانتقال العنف من الشارع إلى اللغة (تخوين، تحقير، تهديد). حين يُصبح العنف لغةً، ينهار سقف الذائقة الجمعية ، ويسود الابتذال. كما كان التشدد والتصلب الفكري وتأثيرهما في إلغاء المساحات الرمادية والاختلاف المشروع. وشيطنة الاجتهاد، وتحويل الرأي إلى “معسكر”. وجمود ثقافي يعادي الفن والنقد والتجديد. والتصلب يقتل المرونة الفكرية، ومع غياب النقاش الصحي، يعلو الصوت الشعبوي السهل. مع استخدام اللغة الرخوة والبذيئة وتأثيرها: انحدار الذائقة اللغوية، وهي مرآة الذوق الحضاري. تحويل الشتيمة إلى وسيلة إقناع. وتآكل الهيبة الرمزية للمؤسسات والأشخاص. اللغة ليست مجرد أداة؛ إنها وعاء القيم. فإذا ابتُذلت اللغة، ابتُذل الوعي. فضلا عن ثقافة “الترند” واقتصاد الانتباه وتأثيره ومكافأة الصادم والمثير على حساب العميق والمفيد. واختزال القضايا الكبرى في مقاطع قصيرة منزوعة السياق. وصناعة نجومية سريعة بلا معيار كفاءة حقيقي. هذا المناخ يعيد تشكيل الوعي العام وفق معيار الانتشار لا الجودة. وهناك الاستقطاب الإعلامي والسياسي وتأثيره بتقسيم المجتمع إلى “معنا أو ضدنا”. وتراجع الثقة بالمعلومة، وازدهار الشائعات. وانحسار المساحة الوسطية العاقلة. والاستقطاب يُغذّي الابتذال لأنه يفضّل الإثارة على التوازن.
سادساً: ابتذال الشهادات العليا في بعض المجتمعات العربية
هذا من أخطر وجوه الابتذال المعاصر ، فقد تحوّلت الدرجة الأكاديمية في بيئاتنا إلى لقبٍ اجتماعي أكثر منها كفاءة معرفية. يُقاس الحضور بلقب “دكتور” أو “بروفيسور” حتى خارج سياقه العلمي، وتُستخدم الشهادة أحياناً وجاهةً اجتماعية أو أداة نفوذ إداري وسياسي. تتفاقم الظاهرة في المجتمعات التي تضعف فيها معايير البحث العلمي، أو تنتشر فيها الجامعات التجارية، أو يُكافأ الولاء أكثر من الكفاءة. هنا تنفصل الشهادة عن البحث الرصين، ويُختزل التعليم العالي في ورقة معلّقة على الجدار. ويزداد هذا الابتذال عادةً في بيئات تعاني من بطالة مرتفعة بين الخريجين، أو تضخم في أعداد الجامعات دون ضبط نوعي، أو ضعف في منظومة تقييم الأداء الأكاديمي.
سابعاً : مجتمعات ما زالت تحتفظ بوجاهة العلم
لا يوجد مجتمع معصوم من الابتذال في عصر العولمة الرقمية، لكن بعض الدول نجحت في تطويقه بحيث لا يتحوّل إلى معيار عام. في اليابان، رغم وجود ثقافة شعبية صاخبة وصناعة ترفيه ضخمة، ما تزال قيم الانضباط واحترام المجال العام وهيبة المؤسسة تمنع الانزلاق الشامل، ويظل الابتذال هامشياً. وفي دول اسكندنافيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، تعزز قوة القانون، والشفافية المؤسسية، والتعليم النقدي المبكر من مقاومة الشعبوية والخطاب البذيء، فيظهر الابتذال أحياناً في الإعلام لكنه لا يهيمن على الذائقة العامة. ماليزيا تمثل نموذجاً انتقالياً؛ فهي تربط التعليم العالي بالتنمية والابتكار،ما يحد من تأثير الابتذال المؤسسي. تركيا، رغم حيويتها الثقافية والصناعية، تواجه استقطاباً سياسياً وإعلامياً، فيظل الابتذال موجوداً لكنه مقاوَم بفنون وفكر رصين. أما إسرائيل، فتتمتع بمؤسسات قوية واقتصاد معرفي متقدم يحافظ على الانضباط المؤسسي، لكنها ليست بمنأى عن الاستقطاب السياسي والخطاب الشعبوي. والاستهتار ليس بقيمة شعوب اخرى ولكن حتى بيهود الفلاشا القاسم المشترك لكل هذه المجتمعات ليس الكمال، بل وجود نظام مساءلة يحمي قيمة الشهادة الأكاديمية ويحافظ على الهيبة المؤسسية. هنا ، علينا ان نسأل : لماذا هذه الفوارق بين دول عربية وأخرى .. دول استقرت ودول اضطربت وانتم ادرى بالاسباب دون تفصيل مني !
الخلاصة
هذه الظواهر مجتمعة لا تُنتج فقط خطاباً هابطاً، بل تُعيد تشكيل معايير الحكم الأخلاقي والجمالي في المجتمع. الخطر الحقيقي ليس في وجود الابتذال، بل في تطبيعه حتى يبدو عادياً أو حتمياً.
ومع ذلك، فالمشهد ليس قدراً مغلقاً؛ فكل ظاهرة سلبية تقابلها إمكانات مضادة: وعي نقدي، تعليم أفضل، إعلام مسؤول، ونخب ثقافية ترفض الانحدار. السؤال الحاسم ليس: لماذا يبتذل المجتمع؟ بل: من يملك الشجاعة ليعيد رفع السقف؟ ان الفارق الجوهري ليس في غياب الابتذال، بل في من يتحكم في السقف العام .. في بعض المجتمعات، تضبط المؤسسات والقانون والتعليم سقف الذوق العام، فيبقى الابتذال هامشياً. وفي مجتمعات أخرى، تضعف المؤسسات، فيرتفع الهامش ليصبح مركزاً، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة. الابتذال اليوم ظاهرة كونية، لكن شدته وانتشاره يعكسان قوة البنية المؤسسية وصلابة الثقافة المدنية أكثر مما يعكسان طبيعة الشعب ذاته.





