مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

حين تقتل “الأيديولوجيات ” الدول والمجتمعات✍ا.د/سيار الجميل

الانقسام فكك البُنى الداخلية في المشرق العربي

تحوّلات الواقع المعاصر بين قطبين متنافرين يتصارعان على تحديد مصيرنا !

رسم تخطيطي لرجل يرتدي بدلة رسمية، يظهر بابتسامة خفيفة مع خلفية بسيطة.

ما يجري في المشرق العربي اليوم ليس أزمة عابرة، ولا مجرّد اختلال سياسي يمكن ترميمه بصفقة أو تسوية. إنه انهيار من الداخل، تفكك بطيء لكنه عنيف، حيث تتحوّل الأيديولوجيا- حين تتدّثر بالدين والطائفة- إلى آلة صمّاء تلتهم الدولة والمجتمع معًا. هنا لا يدور الصراع حول المصالح فقط، بل حول احتكار الحقيقة: من يعرّفها؟ من يفرضها ؟ ومن يحوّلها إلى سلاحٍ بيد جماعة ضد أخرى؟ إننا أمام لحظة تُعاد فيها كتابة التاريخ لا لفهمه، بل لاستخدامه كذخيرة في حروب الحاضر.

التاريخ يقدّم إنذارًا صارخًا. أوروبا لم تخرج من عصورها الدموية إلا بعد أن احترقت في حروب دينية ومذهبية مدمّرة، كانت حرب الثلاثين عامًا ذروتها. هناك، لم يكن القتل انحرافًا عن السياسة، بل كان السياسة نفسها في صورتها الأكثر عريًا. واليوم، يُعاد إنتاج هذا النموذج في العالم العربي، ولكن بصورة أكثر تفككًا وخطورة، حيث لا توجد دولة قوية تضبط العنف، بل عناصر شاذة رخوة تتغذى عليه ، وهي ترتبط بقوى اقليمية معروفة اجازت لنفسها التدخل السافر في شؤوننا بفعل وجود جيوب عميقة لها . و” العقائد الدينية والمذهبية ” ان تحّولت الى ايديولوجيات سياسية ، فانها تفنى المجتمع .

الطائفية في هذا السياق ليست مجرد انقسام اجتماعي ، بل منظومة سيطرة كاملة. إنها لا تقمع فقط، بل تُنتج الكراهية ذاتها. تصوغ عقول الأفراد، وقد تربوا على مواريث وطقوس وتقاليد غرست في جوارحهم وتحدّد لهم من يحبون ومن يكرهون، من يخافون ومن يقدّسون. إنها تسرق من الإنسان حقه في التفكير، وتعيد تشكيله كأداة ضمن قطيع أعمى. وهكذا يتحول المواطن إلى مجرد صدى، وتغدو الكراهية موقفًا أخلاقيًا، والعنف واجبًا مبررًا. ومع هيمنة هذا المنطق، ينهار الفضاء العام تمامًا. لا نقاش، لا عقل، لا حجة- فقط هويات تتصارع. لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟ بل: من أنت؟ ومن أي معسكر تتكلم؟ اللغة نفسها تُختطف، تتحول إلى سلاح تعبئة، إلى خنادق لفظية تفصل بين البشر. وهنا يبدأ المجتمع بالتحلل: لا مواطنين، بل طوائف؛ لا حوار، بل اصطفاف.

في هذه اللحظة، يُسحق الإنسان. يُختزل إلى بطاقة تعريف طائفية، وتُمحى إنسانيته المركبة. يصبح مجرد “ملف” في نظام تصنيف قاسٍ، ويغدو قتله أو إقصاؤه أمرًا عاديًا، بل مشروعًا. هذه ليست مجرد أزمة، بل انحدار أخلاقي شامل، حيث يتحول العنف من استثناء إلى قاعدة.

العراق ولبنان ليسا استثناءين، بل مثالين فاضحين. في العراق، جرى تدمير فكرة الدولة لصالح توازنات طائفية هشة، فصار الكيان كله قائمًا على شقوق قابلة للانفجار في أي لحظة. وفي لبنان، تحولت المحاصصة إلى نظام شلل دائم، لا ينتج سوى الأزمات. في كلا البلدين، لم تعد الطائفية مشكلة- بل أصبحت النظام نفسه. أما الحديث عن تقسيم العراق، فهو في كثير من الأحيان تبسيط مخلّ. نعم، الانقسام موجود، لكنه ليس قابلاً للترسيم بسهولة. وبالرغم من التحضير له ، فان التداخلات العميقة تجعل التقسيم مكلفًا وربما كارثيًا. لكن الكارثة الحقيقية ليست في التقسيم الرسمي، بل في ذلك التفكك الزاحف: دولة واحدة على الورق، دويلات متعدّدة على الأرض، وصراع مفتوح بلا نهاية والناس تصفق لمن هو واقف وتنحره متى انكبح ووقع أرضاً !

وفي خلفية هذا المشهد، تقف شبكات “الدولة العميقة” كقوى ظلّ تتحكم بمفاصل الواقع. هذه الشبكات ليست أدوات عابرة، بل منظومات متجذرة في الاقتصاد والمجتمع والسلاح. وهي قادرة على إعادة إنتاج نفسها، حتى لو تغيّرت موازين القوى الإقليمية. من يراهن على انهيارها السريع، يراهن على وهم. وإذا ما تعرضت القوى الداعمة لها لاهتزازات كبرى، فإنها لن تختفي، بل ستتحول إلى فاعلين أكثر خطورة: تعيد التموضع، أو تستقل، أو تدخل في صراعات مفتوحة على النفوذ. في كل الأحوال، سيبقى العنف حاضرًا، لا كاحتمال، بل كخيار جاهز.

وفي قلب هذا الخراب، تبرز حقيقة أخرى لا تقلّ قسوة لدى : شيخوخة الأيديولوجيا الصهيونية. فهذا المشروع، الذي قام على سرديات الخلاص والتفوق والأمن المطلق والاسطورة ، بدأ يفقد قدرته على إقناع ذاته قبل أن يقنع الآخرين. يتآكل من دواخله، ينزلق نحو تطرف متزايد وغطرسة حتى الجنون، ويستبدل الشرعية الأخلاقية بالقوة الغاشمة العارية. إن ما يبدو استعراضًا للقوة ليس إلا قلقًا عميقًا من أفول المعنى. إنها “أيديولوجيا” تدخل مرحلة الشيخوخة، لكنها – ككل الأيديولوجيات المحتضرة- تصبح أكثر عنفًا، لا أقل. وهذا لا يهدّد خصومها فقط، بل يهدّد الإقليم بأسره، لأنه يضيف إلى أزماته بنية مأزومة لا تعرف إلا التصعيد اذ سيأتي انسحاق لبنان بعد انسحاق غزة من خلال صراع ايديولوجيتين هدفهما التوّسع على حساب المشرق العربي .

من هنا، فإن أيّ حديث عن الخروج من هذه الدوامة دون تفكيك جذري لبنية العنف هو مجرد وهم مريح. لا يمكن بناء دولة فوق أنقاض الكراهية وتصدير الايديولوجيات ، ولا يمكن إنتاج استقرار من رحم الطائفية ، فكل طرف لا يطيق الطرف الآخر . المطلوب ليس إصلاحًا، بل إعادة تأسيس كاملة: دولة حقيقية، اقتصاد منتج، وهوية وطنية تتجاوز الانتماءات القاتلة.

في النهاية، ليست المشكلة في تنوّع المشرق، بل في تحويل هذا التنوّع إلى ساحة حرب دائمة. الطائفية ليست قدرًا، لكنها تتحوّل- بفعل الخوف والذاكرة المجروحة والعجز السياسي والجهالة والعقد السايكلوجية المريضة -إلى مصير مفروض. وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:

هل نملك الشجاعة لكسر هذه الحلقة الجهنمية، أم أننا سنواصل السقوط حتى يتحوّل الانقسام من واقع سياسي إلى قدر نهائي لا رجعة فيه؟ وهل يعتقد الانسان السوي انّ المجتمع السياسي العربي منقسم في واقعه الى قسمين اثنين أحدهما يكره الآخر كراهية بغيضة ، ويتفاقم ذلك بفعل هذا التشبّث العقائدي بنشر المذهب سياسياً وبالقوة والتوسّع من خلاله . انني أنظر الى العالم نظرة عميقة وأجيل النظر لأرى دولاً ومجتمعات قد تجاوزت الزمن وهي تسخر من مجتمعاتنا التي تبدو وكأنها خرجت توّاً من بطون العصور الوسطى !

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading