مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات تأريخية

مائة سنة من التداعيات على الغاء الخلافة العثمانية-الدولة العثمانية : دولة سلطنة وليست دولة خلافة اسلامية !سيّار الجميل

4

منذ مائة عام (1924) وبالتحديد في يوم 3 آذار / مارس 1924 صدر القرار بالغاء الخلافة العثمانية ( وليست الاسلامية ) منهيا معها ومع الغاء السلطنة عام 1923 الحكم العثماني وبدء حياة الجمهورية التركية بزعامة مصطفى كمال أتاتورك ، الأمر الذي جعل بعض المجتمعات العثمانية، وخصوصا العربية تعيش حالة انفصام وكأنّ الدولة العثمانية كانت فعلاً دولة خلافة اسلامية ، علماً بأن مشروع الخلافة نفسه كان حديثا لم يتجاوز عمره الثلاثين عاما مذ أعلنه السلطان عبد الحميد الثاني 1876- 1909م واختلف العرب والاتراك حول مشروعيته.. ومما زاد الامر حيرة جماعية وقلقا فكريا واضطراباً نفسياً متمادياً لدى ملايين الناس ، وكأن الدولة التي لفظت أنفاسها قد تخّلت عن ذاتها ولم تكتسب ذاتاً جديدة، وتزامن ذلك مع شيوع “تقطيع أوصال المنطقة العربية وجعلها ” كيانات ” عربية جديدة ” في مجال رعاية استعمارية قيّدت حركتها، فبدأت تناضل من أجل تحقيق أمانيها القومية ، ولكن انبرت جماعات تعلن عن تمسكها بمشروع الخلافة الاسلامية بدءاً بما أعلنه حسن البنا عام 1928 وانتهاء بما قام به أبو بكر البغدادي من تأسيس دولة خلافته في الموصل 2014 والتي بقيت لمدة ثلاث سنوات عجاف .. فهل ثمّة شرعية تاريخية لهذا ” المشروع ” في تاريخنا الحديث ؟

مجتمعاتنا العربية سليلة ميراث سياسي متنوع ومنقسم على نفسه ، ولكن “الخلافة ” كانت رمزاً بالنسبة للمسلمين، ولكن اختفى رمز الخلافة منذ العام 1517 على يد السلطان سليم الأول 1512- 1520 بعد أن قضي على مؤسسة الخلافة عام 1258م / 656 ه. وعلى آخر الخلفاء العباسيين الذين كانوا يعيشون في ظل المماليك بالقاهرة ، وبقي السلطان العثماني هو المتفّرد بالسلطة الدنيوية بوجود شيخ الاسلام ( مفتي الدولة ) الذي تمتّع بسلطة دينية واسعة . وكان من اشهر شيوخ الاسلام على العهد العثماني هو أبو السعود على عهد السلطان سليمان القانوني 1520- 1566، ولكن السلطان عبد الحميد الثاني 1876- 1909 م أحيا مشروع الخلافة باسم الخليفة العثماني في نهاية القرن التاسع عشر ، فكان مشروعا سياسيا بامتياز وخلق احياؤه ردود فعل واسعة النطاق ، وخصوصاً في مجتمعاتنا العربية ، فهناك من أنكره عليه وانتقده مثل عبد الرحمن الكواكبي ، وهناك من صفّق له أمثال محمد رشيد رضا ، وهناك من عادى هذا المشروع وخصوصاً من التنويريين العلمانيين واتهم عبد الحميد الثاني بشتى الاتهامات .. ويتوّضح ان ذلك الجيل المستنير كان تائهاً في واقعه وغير مستقر التفكير، فالتقلّبات التي وجدناها عند الخاصة والعامة تفّسر بكونها حالة تردّد بين القديم والجديد ! وعندما الغيت الخلافة المستحدثة من قبل اتاتورك عام 1924 ، هناك من وجد ذلك نهاية للعالم ، وهناك من صفّق لذلك ، وهناك من أراد ان يجعل من نفسه خليفة للمسلمين وطرح أسمه بديلاً في دعوات ظهرت في مصر والحجاز واليمن .. الخ . وجراء ردود الفعل الصاخبة ، نشر المؤرخ اللبناني أسد رستم مقالا ممتازا عام 1925 في مجلة الكلّية التي تصدرها الجامعة الاميركية ببيروت عالج فيه توقف الخلافة منذ العام 1517، وان دولة العثمانيين كانت دولة سلطنة وليست دولة خلافة ! وعالجت الموضوع منذ العام 1984 أيضا وبالادلة والقرائن في بعض مؤلفاتي المنشورة منذ الثمانينيات وخصوصا في كتابي ” العثمانيون وتكوين العرب الحديث ” ( نشر 1989 ) ..ولكن لم تزل الغالبية العظمى من العرب والاتراك وشعوب ثقافات اخرى تعتبر الدولة العثمانية دولة خلافة !

كم بذلت الجهود من قبل المؤرخين العرب على امتداد نصف قرن مضى لدراسة العالم العربي في المجال العثماني ، ولكن هيمنة الافكار السياسية سواء القومية أو الدينية لم تزل مسيطرة على الذهنية العربية اليوم ، فالامة العربية لم تكن جسدا واحدا حتى تتقطّع أوصالها مع العام 1924، فقد كانت تتألف من مجموعة من السلطنات والمشيخات والولايات والاقاليم والمتصرفيات التي تحكمها زعامات وادارات ويمارس سطوته عليها : بكوات وباشوات وخديوات وشرافات ودايات وبايات وشياخات وأئمة وزعامات .. الخ والاستقلالات عن الاستعمار والتي تبلورت لم تكن مجرد شكليات ، بل ساهم في صنعها رجال من اقوى المجاهدين حرباً وأذكى المفاوضين سلماً الذين عرفوا بقوة الثقافة السياسية والاستجابة للتحديات ، اذ لا ننسى تونس وليبيا ( الموحدة) وسوريا ولبنان والعراق ومصر والمغرب والجزائر واليمن .. انني اعتقد انها لم تكن استقلالات مفبركة بل استقلالات مقيدّة كما هو حال كلّ الدول التي استقلت بعد أزمنة الاستعمار وبقيت في اطار الحماية او التبعية لحاجتها الماسة الى الرعاية. أما القوانين والدساتير كونها من خارج بنيتها السوسيولوجية والثقافية والتاريخية.. فهذا ما جرى حتى في الدولة العثمانية نفسها على امتداد القرن التاسع عشر منذ عهد الاصلاحات ثم التنظيمات والحركة الدستورية وصولا الى عهد عبد الحميد الثاني واسوة بكل الدول والمجتمعات التي ارادت جعل قوانينها مدنية وسلطاتها جديدة وان يكون هناك فصل بين السلطات واستعارة النظم العامة لتحديث الحياة وادخال سبل الحياة الحديثة الى مجتمعات متوقفة عن النمو .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading