مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

من الاستوديو إلى اليوتيوب: حين لا تموت الأكاذيب لأن ما يُقال مرة على الهواء… يُعاد حتى يُصدَّق ✍سيار الجميل

رجل أعمال يتحدث أثناء اجتماع، يرتدي بدلة رسمية وقميص مع ربطة عنق، مع وجود أكواب وزجاجات ماء على الطاولة.

1- نحن أمام “جمهورية الأنا المتحدة”،

في زمنٍ لا تموت فيه الحكايات…بل تُعاد حتى تُصدَّق، لم يعد الخطر في من يبالغ… بل في من يُعيد تشغيل المبالغة كل يوم. هذه ليست جُملاً عابرة، بل شظايا من واقعٍ يُبثّ على الشاشات، ثم يُعاد تدويره على اليوتيوب… حتى يتحول الوهم إلى ذاكرة. هذه سلسلة من أقسى ما كُتب عن “جمهورية الأنا” . في زمنٍ صار فيه التاريخ مادةً طيّعة، يُعجنها من شاء كيف شاء، لم يعد بعض الكُتّاب يكتفون بكتابة التاريخ… بل تجاوزوا ذلك إلى احتلاله، والسكن فيه، وإعادة توزيعه على مقاس ذواتهم، حتى غدا العالم – في رواياتهم – مجرد هامش طويل يشرح سيرة “أنا”.

2- في بلادٍ تعبت من كتابة تاريخها،

تبرّع هؤلاء – مشكورين بطريقتهم الخاصة – بحلّ جذري، اختصروا التاريخ كلّه في ضمير واحد… هو “أنا”. أنا” التي حضرت كلّ الاجتماعات، أنا” التي جلست في كل الصالونات “أنا” التي دخلت وخرجت وربّتت وربّتوا عليها، حتى لم يعد واضحًا: هل نحن أمام شاهد على العصر… أم أمام العصر نفسه متجسّدًا في شخص؟ في رواياته، لا توجد شخصية كبيرة إلا ومرّت عبره… وكأن التاريخ كان يستأذنه قبل أن يقع ! إذا استمعت إليه مرة، ظننت أنه شاهد على العصر. وإذا استمعت إليه مرتين، خُيّل إليك أنه صانع العصر. أما إذا استمعت إليه ثلاث مرات، فلا بد أن تسأل نفسك بجدية: كيف نجا العالم كل هذه السنوات دون أن يُدار رسميًا من خلال هذا الرجل وحده؟ والحكمة التي خرجت بها : ” لقد اختصر هو وأمثاله التاريخ كلّه في ضمير واحد… هو أنا.” ” إنه لا يروي الحدث… بل يبتلع الحدث ويعيد إخراجه على هيئة أنا”.

3- فنّ الاهانة

في رواياته وحكاياته، لا توجد شخصية كبيرة إلا ومرّت عبره ، وصادقته وصادقها وأكل معها في المطاعم وشرب معها في الحانات . هذا زاره. وذاك استشاره. وثالثٌ استأذنه. ورابعٌ لم يتخذ قرارًا إلا بعد أن ربت على كتفه. ووزير أكبر وزارة دفاع في العالم أدخله مبنى وزارته الشهيرة في العالم ليطلعه على الخطط والخرائط ! حتى الملوك – الذين يُفترض أنهم لا يربتون على أكتاف أحد – كانوا، في عالمه الخاص، يمارسون هذه الهواية معه تحديدًا… بل يتجاوز الأمر حدود البروتوكول إلى مشاهد أقرب إلى الأساطير: يقف الملك بنفسه، يقطع لحم جملٍ مشوي، يُفلّسه بيديه، ويضعه في طبق ضيفه “الاستثنائي”! مشهد يكاد يُكتب له فصلٌ في كتب الطقوس الملكية… لولا أنّ الراوي نفسه يعترف – بكلّ هذه العظمة – أنه لم يذق اللقمة، لا زهدًا… بل خشية أن يستفرغ!

وإذا انتقلنا إلى عالم السياسة، وجدناه قد كتب الخطب، وصاغ الاستراتيجيات، ووضع الخطط، وصاغ “فلسفة الثورة” ويهين سيّده أكثر من مرة ، بل وربما أعاد ترتيب خرائط الدول من باب “المشورة الودية”، لكنه – ويا لسوء الحظ – لم يضع اسمه عليها، لأن الآخرين، كعادتهم، سرقوا المجد وتركوا له عبء التواضع! الأطرف أن هذا “الأنا” ليس محليّ الإقامة، بل كائن عابر للحدود يضع الخطط هنا، وينصح هناك، ويتلقى الاتصالات من هنا وهناك، وعندما مات الملك فاروق اتصلت به أبنته بعد ان شرّحوا جثته ووافق عبد الناصر على دفنه وهذا كذب فاضح ! وانا وأنا . ان المشكلة ليست في من يقول أنا… بل في من يحتاج أن يصدقها.

4- الكاتب الكون

كأن العواصم كلّها كانت تدير شؤونها عبر مقسم واحد… اسمه “أنا”. إنه نموذج “الكاتب-الكون”، حيث لا يدور شيء خارج مجاله الجاذبي، فهو الصديق الأقرب، والمستشار الأوثق، والعقل المدبر، والضمير اليقظ، وفي أوقات الفراغ… شاهد متواضع على ما صنعته يداه من تزوير التاريخ . لكن المفارقة ليست في هذا التضخم السردي – فالمبالغة قديمة – بل في ذلك الإصرار البارد على تقديم كلّ هذا بوصفه “حقيقة”، لا حكاية وقبل سنوات نبّهه العديد من العلماء والمؤرخين الى سوء فعلته وأخطائه وخطاياه ، ولكنه بقي يمارسها حتى رحيله . تجده يمثّل نبرة الواثق، وهدوء العارف، وابتسامة من يعرف أنه لن يُسأل… وعدم اكتراث بترديد الكذبة باشكال متنوعة . وكأن شيئا لم يكن وإن سُئل، اختفى من المشهد فجأة، كما تختفي الحكاية حين يداهمها الدليل. والحكمة التي خرجت بها : أنك إذا استمعت إليه ثلاث مرات، ستتساءل: كيف نجا العالم دون أن يديره هذا الرجل وحده؟ و” “العواصم كلها كانت تدير شؤونها عبر مقسم واحد… اسمه أنا.” ويقّدم نفسه كاستاذ لملوك وشاهات وامراء ورؤساء وزعماء وشخصيات عظمى .. اذ لا يكتفي بصداقتهم بل بالتفوّق عليهم!

5- المعرفة والعقل في سجن رقم (1)

لقد فَنَّد كثير من الباحثين هذه الروايات، ووقفوا عند تناقضاتها، وأشاروا إلى مبالغاتها، وكشفوا ما فيها من تلفيق يصل أحيانًا إلى حد إعادة اختراع الوقائع. لكن صوت البحث الرصين يظل خافتًا أمام الضجيج الساحر لحكاية تضع الراوي في مركز الكون. والمشكلة الحقيقية ليست في من يقول “أنا”… بل في من يحتاج أن يصدق هذه “الأنا”. يتلقفها، يعيد نشرها، يدافع عنها، وكأنها تعويض نفسي عن واقع لا يمنحه أبطالًا حقيقيين، فيستعير بطلًا جاهزًا… مكتمل الغرور. هنا يتحول الأمر من مجرد سرد متضخم بالتلفيقات إلى خلل في الذاكرة العامة: حيث لا يعود التاريخ ما حدث، بل ما قيل لنا إنه حدث، على لسان رجلٍ، لو أخذناه على محمل الجد، لوجب علينا أن نعيد تعريف التاريخ نفسه… لا بوصفه سجلًّا للأحداث، بل سيرةً ذاتية مطوّلة لشخص واحد. هنا لا يعود التاريخ ما حدث… بل ما قيل لنا إنه حدث.”

6- إنه لا يكذب فقط… بل يصنع لنفسه أسطورة ويعيش داخلها.”

إنه ليس كاذبًا بالمعنى البسيط – فذلك تبسيط مخل – بل صانع أسطورة شخصية، يكتب نفسه داخل كل حدث، حتى يصبح الحدث ذريعة لوجوده، لا العكس. ولو كان في الأمر شيء من الصدق، لكان العالم مدينًا له باعتذار جماعي: كيف سمحنا لأنفسنا أن نعيش كل هذه العقود دون أن ندرك أن الرجل كان – وحده – غرفة العمليات، ومركز القرار، وكاتب النص، ومخرج العرض، وبطل الحكاية؟ لكن الحقيقة أبسط… وأقسى. حيث يبدأ التاريخ من عنده، ويمرّ به، وينتهي إليه. ولا حاجة لنا أن نسبّ هذا النموذج، فهو لا يحتاج إلى خصوم؛ يكفيه أن يواصل الحديث. فكلما قال “أنا”… تكفّل الواقع، بصمته الثقيل، بأن يردّ عليه.

7- الشاشات لم تعد تنقل الوعي… بل تمنح الهذيان شرعية

لكن، لعلّ الإنصاف يقتضي أن نكفّ لحظة عن لوم “أنا”… وأن نلتفت إلى المسرح الذي يقف عليه. إلى تلك الشاشات التي لم تعد تنقل الوعي، بل تصنعه على عجل، وتفتح هواءها لكل من يجيد النفخ في ذاته، لا في الحقيقة. هناك، تحت أضواءٍ باردة، تتحول المبالغة إلى “شهادة”، والاستعراض إلى “تحليل”، والهذيان إلى “رأي يُحترم”.مذيع يهزّ رأسه بإعجاب، ومخرج يقرّب الكاميرا أكثر كلما ارتفع منسوب “الأنا”، وشريط عاجل يمرّ أسفل الشاشة، وكأننا أمام كشفٍ تاريخي لا يُقدّر بثمن! هكذا، لا يُصنع الزيف فقط ،بل يُمنح شرعية. وهكذا، لا يعود “أنا” حالة فردية، بل صناعة كاملة: استوديو يبدأ الحكاية ومنصات تعيد تدويرها… وخوارزميات تدفعها إلى ملايين الشاشات، حتى تغدو الأكذوبة – مع كثرة الإعادة – ذاكرة بديلة. أيّ بؤسٍ هذا، حين تتحول الشاشات – التي يُفترض أن تكون مرآة للعقل- إلى مكبّ مفتوح لأساطير شخصية تُروى بلا خجل، وتُستقبل بلا سؤال؟ وأيّ ذاكرةٍ هذه التي تُصاغ على هذا النحو، حيث يُقدَّم الراوي باعتباره التاريخ، ويُقصى التاريخ لأنه لا يصفّق؟ ان شاشات هذا الزمن لا تسقط الحقيقة ، بل تقدّمها مشوّهة للأجيال القادمة ، فكم سيكون حاضرنا عبئاً على مستقبلنا ياترى ؟

8- وأخيرا : المهزلة مستمرة على مسرح العبث

في النهاية… ليست المشكلة في رجلٍ يقول “أنا”، بل في مؤسسات تقول له: تفضّل… قلها أكثر. قلها حتى تملأ الهواء. قلها حتى تختنق الحقيقة. قلها حتى يصدقك من لم يعد لديه وقت ليفكّر. وعندها فقط… لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: من الذي رواه أولاً؟ وهنا… تسقط الحقيقة، لا بضربةٍ واحدة، بل بتصفيقٍ طويل.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading