الموصل بين المؤرخين المحترفين وبين المحللين السياسيين – من يقوم بتزييف التاريخ ؟سيّار الجميل

1/ إشكالية الموضوع
أرسل لي أحد الأصدقاء رابطاً على اليوتيب ، وطلبَ مني الردّ على ما قاله فيه أحد المحلّلين العراقيين الجدد. وكان عنوان حديثه : “كيف أصبحت الموصل عراقية ؟ ” وقد أثار هذا ” العنوان استغرابي ، ورحت أستمع اليه فأضاع من وقتي ساعة من الزمن ، اذ ازعجتني جدا جهالة المتحدث وعدم اطلاعه على جزئيات التاريخ ومصادر معلوماته المتعبة واطلاقه للأحكام جزافا ، ونيله من المؤرخين العراقيين اذ جعل من نفسه فهيما بالموضوع ، وقال بأنهم يشوهون تاريخهم ويزيفون الحقائق من دون اي وازع من تقدير لجهودهم منذ اكثر من قرن من الزمن بقدمائهم ومجدديهم !
2/ أخطاء لا تغتفر !!
كان منطلق هذا المحلل السياسي بائساً بتركيزه على زيارة ساطع الحصري الى النجف بصدد إبقاء الموصل عراقية دون ذكر جهود عراقيين آخرين . وذكر بأن لم يكن هناك اهتمام بالموصل من قبل العراقيين حتى ان ذهبت الى تركيا ! من دون ان يرجع الى الصحف العراقية وقت ذاك ليرى ان أغلب العراقيين قد وقفوا مع عراقية الموصل التي طالبت الجمهورية التركية بها وقد اسقط الحاضر على الماضي ، بل وقرن الماضي بمجريات داعش ونفي ان تكون الموصل جزءاً من العراق التاريخي اذ قال بأن العراق هو ارض السواد وأكد انه بين البصرة والكوفة بمعنى ان الموصل غير عراقية حسب فهمه كما قال بأن العراق التاريخي لا يشمل الموصل فهي جزء من الشام وجزء من حلب والدولة الحمدانية وهو لا يدرك ان هذه الدولة كانت تعيش في ظل العباسيين وغيرها من الدويلات .. وقال: ان الموصل كانت حاضرة الولاية وليست دهوك لأن دهوك تشكلت في عهد البعثيين !!! لم اصدق ان يصدر مثل هذا الكلام على لسان استاذ جامعي عراقي يحمل دكتوراه ، وهو لا يدرك ان دهوك وقت ذاك كانت ناحية تابعة لقضاء العمادية الذي كان تابعا للواء الموصل الذي كان تابعا لمركز الولاية !! وتتضخم أخطاء الرجل امام العالم عندما يذكر سكة حديد بين حيفا وبغداد !! ويتخيل نفسه على صواب عندما يقول بأن اذا صار هناك تصويت حول مشكلة الموصل فان الأغلبية تصّوت لصالح ضم الموصل الى تركيا ! هكذا، ببساطة تذهب جهود المؤرخين العراقيين والأجانب الذين درسوا هذه “المشكلة “دراسات وثائقية وخرجوا بنتائج ان الاغلبية كانت مع عراقية الموصل ..ليقرا اطروحة المؤرخ فاضل حسين وغيره من المؤرخين الممتازين. ليبحث عن دور الحزب الوطني وحزب الاستقلال وجمعية الدفاع الوطني في الموصل .. ليقرأ بيانات المثقفين وخطب علماء الدين وواجهات المحلات والخانات واللافتات في الشوارع والحارات ..ليس من الصواب يا عزيزي ان تقول بأن العراقيين كانوا تابعين لتركيا وايران ! ولا تقل ان العراقيين بلا وطنية ، فالامور نسبية في كل زمان ومكان ! وان كانت انتماءات البعض من العراقيين غير وطنية ، فليس معنى ذلك ان الكلّ غير وطنيين ..ولا تعّمم هذه المطلقات التي لا يعرفها رجل العلم ولا المؤرخ الثبت ولماذا تدعي بأنك وحدك تكتب التاريخ الحقيقي وانت لست مختصا وكل الاخرين من ذوي الاختصاص يكتبون التاريخ المزيف !
ونفى عن العراقيين الوطنية قبل مائة سنة اذ يدّعي بأنها كانت غائبة وقد جهل حماسة التلاميذ واناشيدهم في مدارسهم باسم الوطن واعتزاز الناس بعلمهم في كل مدن العراق.. حصر الوطنية بالضباط الشريفيين وقلة من المثقفين ، وان الوطنية تصاعدت في الثلاثينيات من دون اية خبرة تاريخية بالعشرينيات على عهد فيصل الأول والتطور السياسي في حين تصاعد المد القومي في الثلاثينيات على عهد غازي .. وينتقد العراقيين لعدم انتباههم الى سياق الأشياء اذ لم يكن هناك حس بالوطنية العراقية وان الطائرات البريطانية حسمت الموضوع أي مشكلة الموصل ! أيّ قصف حدث بالطائرات ؟ الا ان كانت الأمور قد اختلطت عليك فتخيلت ما حدث من القاء طائرة بريطانية قنبلة في رأس الجادة بالموصل عام 1941 ! وهل يعقل ربط مشكلة الموصل قبل مائة عام ببطش داعش اليوم ؟
3/ الموصل التاريخية .. عراقية
القول إن الموصل ليست عراقية تاريخيًا غير صحيح علميًا. الموصل جزء من بلاد الرافدين منذ العصور القديمة، وكانت مرتبطة إداريًا وسياسيًا ببغداد في أغلب الفترات الإسلامية والعثمانية. قضية الموصل لم تكن نزاعًا تاريخيًا بل نزاعًا سياسيًا بعد سقوط الدولة العثمانية بسبب مصالح تركيا، وقد حسمته عصبة الأمم سنة 1925 بابقاء الموصل عراقية استنادًا إلى الجغرافيا والاقتصاد والتركيبة السكانية. كما لم توجد حركة موصلية شعبية تطالب بالانضمام إلى تركيا، بل شارك وجهاء الموصل في تأسيس الدولة العراقية. لذلك فادعاء أن الموصل ليست عراقية هو طرح سياسي معاصر قاصر واسقاط للحاضر ولا سند تاريخي له.
أتمنى تفهّم انزعاجي تمامًا، من أناس لا يعرفون التاريخ وليسوا من المختصين في شؤونه ويطلقون لسانهم بإلقاء التهم وإصدار الأحكام جزافاً ، وهذا النوع من الادعاءات يحتاج ردًا علميًا قاسيًا ومحرِجًا فكريًا، لا شتيمة فارغة. وكنت أتمنى ان يتكلم هؤلاء الجدد بلغة علمية ولا يتكلمون وكأنهم يسترسلون في جلسات المقاهي بلغة جلفية ولديهم مقاصدهم بطبيعة الحال وكل كلامهم يعبّر عن معاني يريدون نشرها على حساب المعرفة بلا أمانة وبلا توثيق ويغرقون بالأخطاء من دون أن يحاسبهم أحد.. انّ ما يقدمه هذا النموذج أو ذاك بنبرة تخفي ما يريدون ايصاله الى الناس كلهم تكشف ضعفهم وهزال علمهم وهبوط يصل الى المستوى الأدنى. يعلن – بثقة لا يحسد عليها –” أن الموصل ليست عراقية تاريخيًا، وأن أهلها لم يرغبوا بالانضمام إلى العراق بعد مطالبة تركيا بها” ( كذا) . وهذا الكلام لا يحتاج ردًا عاطفيًا بقدر ما يحتاج تشريحًا علميًا، لأنه مثال صارخ على كيفية تمكن الجهل بالتاريخ وهو يتقمص هيئة “تحليل أكاديمي” في زمن ضاع فيه احترام الكلمة وقلّ فيه الحياء . .

4/ العراق : ظاهرة جيو تاريخية من رأسه بالموصل حتى جنوبه في البصرة
إن أول ما يكشف هشاشة هذا الطرح أنه يفترض أن العراق ظاهرة سياسية عابرة بلا جذور، ويتجاهل – أو يجهل – أن الموصل تقع في قلب بلاد الرافدين، لا في هامشها. فنينوى، التي قامت على أنقاضها الموصل، كانت عاصمة الإمبراطورية الآشورية، أي إحدى أعظم دول وادي الرافدين، أي في صميم العراق الحضاري قبل آلاف السنين من اختراع الدولة القومية الحديثة.
فهل كانت نينوى “غير عراقية” حين كانت عاصمة إمبراطورية رافدينية؟
أم أن التاريخ – حسب هذا المنطق السطحي – يبدأ عندما يظهر الخلاف التركي البريطاني، وينتهي عندما تتكلم القومية الحديثة؟ وفي العصور الإسلامية، لم تكن الموصل يومًا مدينة طارئة على العراق أو ملحقة به قسرًا. بل كانت جزءًا من بنيته السياسية والإدارية: في العصر العباسي كانت الموصل مرتبطة إداريًا ببغداد في أغلب الفترات. والأهم مما يبدو أن أبا جعفر المنصور نفسه، مؤسس الدولة العباسية، تولّى حكم الموصل قبل أن يصبح خليفة للمسلمين، أي أن الموصل كانت ضمن قلب الدولة التي عاصمتها بغداد قبل أن تتشكل الخلافة العباسية رسميًا. وفي العصور الزنكية والأيوبية ، كانت الموصل جزءًا من المجال السياسي العراقي-الجزري المرتبط ببغداد، لا بالأناضول. أما في العهد العثماني، فقد كانت ولاية الموصل إحدى ولايات العراق الثلاث (بغداد – البصرة – الموصل)، ولم تكن ولاية أناضولية، ولم تُدار بوصفها جزءًا من تركيا التاريخية المزعومة. وعليه، فإن السؤال البديهي الذي يهرب منه هذا الطرح هو: في أي مرحلة تاريخية تحديدًا كانت الموصل خارج العراق حضاريًا وسياسيًا؟ هل كان ذلك في العصور الكلاسيكية أم الوسيطة أم العثمانية ؟ أم أن “العراق” يصبح عراقًا فقط عندما يعترف به الخطاب القومي التركي أو الأكاديمي المتأثر به؟ أو يريده اباطرة ايران ملحقا بهم او حديقة غربية توصلهم للمتوسط ؟
5/ حقيقة التاريخ كما يدركها المؤرخون لا كما ينفيها الآخرون
هل تريدون اخراج الموصل من العراق فقط في مخيلة من يخلط السياسة الراهنة بالجغرافيا التاريخية؟ لا توجد حركة سياسية موصلية واسعة موثقة طالبت بالانضمام إلى تركيا. بل العكس هو الذي حدث اذ كانت في الموصل أحزابها السياسية وقواها الفاعلة وكلها دافعت عن عراقية الموصل. وأتمنى على الباحثين الجدد قراءة الصحف والمنشورات القديمة ومظاهر الرفض الشعبي العارم ومواقف اهل الصناعات والمهنيين ونضال النخبة الموصلية التي كانت واسعة وتتشكل من مثقفين افندية، وتجار جلبية، وعلماء دين من مسلمين ومسيحيين وموظفين إداريين ومعلمين وغيرهم كانت مرتبطة ببغداد إداريًا واقتصاديًا. وثمة فئة بسيطة من بقايا قديمة لها مصالحها ارادت البقاء مع الاتراك .
أما ما يسمى بـ “مشكلة الموصل”، ليست دليلًا على أن الموصل ليست عراقية، بل دليل فاضح على محاولة تركيا الحديثة اقتطاع جزء من العراق لأسباب نفطية وأمنية، لا لأسباب تاريخية أو سكانية. ولو كانت الموصل تركية تاريخيًا حقًا، لما احتاجت تركيا إلى رفع القضية إلى عصبة الأمم، ولما احتاجت إلى سنوات من الجدل الدبلوماسي، ولا إلى حملات دعائية لتجميل مطالبتها بها. لقد قررت عصبة الأمم سنة 1925 ضم الموصل إلى العراق: لا بدافع العاطفة، ولا حبًا بالعراق، بل بناءً على الجغرافيا الطبيعية المرتبطة بحوض دجلة، والروابط الاقتصادية مع بغداد والبصرة، والتركيبة السكانية غير التركية أصلًا، والتاريخ الإداري المرتبط بالعراق. وهذا قرار موثق، لا رأيًا شخصيًا، ولا منشورًا عابرًا. ومن المؤكد ان ذلك كان بدعم بريطاني قوي .
أما الادعاء بأن “أهل الموصل لم يرغبوا بالانضمام إلى العراق”، فهو ادعاء باطل بلا أصل اذ لا يفهم صاحبه الموصل وذهنية أبنائها وقوة مثقفيها وقت ذاك . لم يُجرَ استفتاء شعبي كي يُعرف رأي الناس. ولم تظهر حركة سياسية موصلية واسعة تطالب بالانضمام إلى تركيا. بل كانت كل فئات المجتمع (علماء، تجار، إداريين ومثقفين ومدرسين وحرفيين وغيرهم ) مرتبطة ببغداد إداريًا واقتصاديًا. وشارك أبناء الموصل في تأسيس الدولة العراقية ومؤسساتها منذ 1921. فمن أين جاء هذا “الرفض الشعبي للوطنية العراقية ”؟ من الأرشيف؟ لا. من الوثائق؟ لا. من الدراسات السكانية؟ لا. إذن من أين؟ من فراغ معرفي يُراد له أن يبدو موقفًا علميًا. سامحك الله .
سكانيًا، كانت الموصل مدينة متعددة الأعراق والأديان، لكن أغلبيتها عربية، ولم تكن تركية ثقافيًا ولا لغويًا، ولم تكن جزءًا من الأناضول حضاريًا، وكانت الولايات العراقية الثلاث قد تبلورت جغرافيتها التاريخية منذ مطلع القرن الثامن عشر بل كانت الموصل مدينة عراقية في بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وفي علاقتها ببغداد وسائر مدن الرافدين. وان علاقتها حيوية مع بغداد فمن يقرأ كتاب “بيوتات بغداد” بدقة ، سيجد ان عشرات العوائل والبيوتات البغدادية هي موصلية الأصل منذ أكثر من 300 سنة .
ثمة مشكلة أخطر تبدو في خطاب المحلل السياسي : إنه لا يميز بين نزاع سياسي حديث وبين هوية تاريخية عميقة. فنزاع عشرينيات القرن العشرين لا يغيّر تاريخ آلاف السنين، كما أن النزاع على القدس لا يجعلها بلا هوية، ولا النزاع على الألزاس يخرجها من سياقها الحضاري. هذا الخطاب ليس قراءة تاريخية، بل موقف سياسي متنكر بزي أكاديمي، قائم على التجاهل والتشويه لا على البحث والتنقيب ، وعلى التكرار لا على الوثيقة، وعلى الخطابة لا على المنهج.
6/ خلاصة الموقف
تأتي الخلاصة بلغة لا تحتمل التأويل: الموصل جزء من بلاد الرافدين منذ أقدم العصور، ومرتبطة ببغداد سياسيًا وإداريًا واجتماعياً في معظم تاريخها الإسلامي، وحكمها أبو جعفر المنصور قبل أن يصبح خليفة، وسقطت الموصل بيد المغول عام 1260م بعد سنتين من سقوط بغداد .. وضُمّت إلى العراق بقرار دولي بعد نزاع سياسي، ولم تكن يومًا ولاية أناضولية تركية. ولا جزءا من ولاية شامية ومن يدّعي غير ذلك لا يعيد كتابة الدعاية بلغة جامعية ركيكة ، بل يعبد قراءة التاريخ وفهمه . ويبقى السؤال الأخير الموجّه لهذا “المحلل السياسي ”: هل تُكتب الجغرافيا التاريخية بالوثيقة والأرشيف؟ أم تُكتب على مقاس الهوى السياسي والمزاج الشخصي بلغة الحكواتي ؟ ان الموصل لا تحتاج الى شهادة وطنية من أحد، فتاريخها المعاصر يشهد لها مجابهتها واستجابتها لتحديات خطيرة فضلا عن أدوار ابنائها في بناء العراق الحديث . وتبقى كلمة أخيرة : أن الموصل ليست بحاجة الى من يجاملها او من يخاصمها ، بل انها بحاجة الى من يعترف بمكانتها التاريخية .. أما أطروحة التنظير حول هويتها الوطنية وانتمائها الحضاري ، فهي تحتاج فعلًا الى من يدرك قيمتها الحضارية في التاريخ . لنتق الله في ما نقوله او نكتبه ، فثمة اجيال جديدة ستصدق بكل هذه الاراء القطعية فنجني عليها وعلى كل تاريخنا ..





