العراق، رائد التحديث قبل النمور الآسيوية في العالم الثالث:ما حققه العراق في خمس سنوات 1953- 1958لم يحققه أي بلد من قبله حسب الوثائق الدولية! سيار الجميل

مقدمة
أتمنى مخلصاً من خصوم العراق الملكي ، وخصوصا خصوم عهد فيصل الثاني 1953- 1958، الهدوء والتأمل قليلاً ،وقول كلمة حق واحدة ،وضمير حي في تاريخ بلدهم ضمن منهج التراكم التاريخي وكيف دّمرت مكانته بعد ان غدا بلداً لامعاً في العالم بتجربته التنموية ومكانته واستقراره ونمو اقتصاده وبالرغم من أخطاء نعترف بها ، ولكن بعيداً عن الشعارات والاتهامات والدعايات الخاطئة والعواطف الايديولوجية .. ومن المستغرب له أن المعارضة السياسية عهد ذاك قد سعت لتدمير العراق من أجل السلطة وليس من أجل بناء مستقبل العراق .. وبقوا طوال حياتهم من ألّد أعداء تلك المرحلة سواء كانوا من الراديكاليين أو القوميين الناصريين والبعثيين وانتهاء بالاسلاميين . تجربة العراق على عهد فيصل الثاني مثيرة للدهشة قي العالم في حين غدت تجارب من بعده مثيرة للقرف والاستياء والدمار ومن دون مبرّرات ساذجة ومسّوغات عاطفية. ذلك أن أخطاء العهد الملكي لا توازي بحجم الخطايا التي ارتكبت في الجمهوريات وهذا ما ستمّيزه الأجيال .
حين نعيد قراءة تاريخ التنمية في آسيا وكل العالم خلال القرن العشرين قراءةً مقارنةً متحرّرة من السرديات السياسية الدعائية، تتكشّف أمامنا مفارقة لافتة: فالدول التي تُقدَّم اليوم بوصفها “نماذج ناجحة” في التحديث- مثل سنغافورة، وماليزيا، وكوريا الجنوبية، وتايوان- لم تكن بالضرورة الأسبق زمنياً في إطلاق مشاريع التنمية الشاملة. بل إن قراءة دقيقة لتجربة العراق على عهد فيصل الثاني (1953–1958)، تكشف عن مشروع مبكر وطموح كان يمكن- لو استمر- أن يعيد رسم خريطة “العالم الثالث” بأسره. وتقول وثيقة IMF, Investment Policies in Iraq, 1950–87 ان العراق بدأ مسيرته الكبرى في التنمية عام 1951 ، وكان أسبق من غيره في العالم الثالث. وتقول وثيقة — Ines Tolic, Iraq Housing Program “أن العراق كان يقود أحد أضخم مشاريع الإسكان والتحديث في الشرق الأوسط آنذاك على عهد فيصل الثاني”.
أولاً: الإطار العام للمقارنة
شهد القرن العشرون ثلاث موجات رئيسية من مشاريع التحديث في آسيا والعالم :
1. موجة الدول الاولى لما بعد الاستعمار المبكر (1940–1960): حيث بدأت دول حديثة الاستقلال في بناء مؤسسات الدولة. ويعد العراق أول بلد نال استقلاله ودخل عضوا في عصبة الآمم وسبق غيره . وبدأ انطلاقته في التحديث مع نجاحه في مناصفة الارباح مع شركات النفط بداية الخمسينيات . وتشير الوثائق الدولية الى ان العراق والهند والمكسيك من أوائل البادئين في مشاريع التنمية في العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية.
2. موجة الدولة التنموية(1960–1980): كما في كوريا الجنوبيةوتايوان. والنمور الأسيوية.
3. موجة الطفرة النفطية (1970–1990): كما في الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة العراق بوصفها حالة مبكرة تقع زمنياً في قلب الموجة الأولى، لكنها تمتلك من حيث التخطيط ما يقترب من نماذج الموجة الثانية الأكثر نضجاً.
ثانياً: العراق الملكي ومشروع “مجلس الإعمار”
تأسس مجلس الآعمار في العراق منذ منتصف الخمسينيات ، وهو مؤسسة تخطيطية متقدمة بمقاييس زمانها، اعتمدت على تخصيص نسبة كبيرة تقدر بـ 70% من عائدات النفط للاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية، والتعليم، والصناعة، والري. لقد كان هذا المجلس يمثل محاولة واعية لبناء “دولة تنموية أولى” قبل أن يُصاغ هذا المفهوم نظرياً في الأدبيات الاقتصادية. ومن أبرز ملامح التجربة: التخطيط المركزي طويل الأمد بدل الإنفاق الاستهلاكي والاستعانة بالخبرات الدولية مع الحفاظ على القرار الوطني. ومشاريع استراتيجية في السدود، والطرق، والتعليم العالي والاسكان والصحة . وربط التنمية الاقتصادية بالإصلاح الإداري والقضائي. ويشير المؤرخ بيتر مانسفيلد إلى أن العراق كان يمتلك فرصة تاريخية فريدة، ليكون دولة حديثة ومنتجة وحضارية عند نهاية القرن العشرين وأنه “لو استمرت خططه لسبق تجارب دول العالم الثالث” ولوصل الى مرتبة السويد ، وهو حكم لا يمكن تجاهله في أي دراسة مقارنة جادة.
ثالثاً: الانقطاع التاريخي: انقلاب 1958
لم يكن التحدي في العراق نقص الرؤية، بل انقطاع الاستمرارية. فقد أدى انقلاب ثورة 14 تموز 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم إلى تفكيك البنية المؤسسية لمجلس الإعمار. وتحويل الموارد نحو سياسات شعبوية قصيرة الأمد. وإدخال البلاد في دوامة من الصراعات الدموية والانقلابات وعدم الاستقرار. وهنا تكمن المفارقة: بينما كانت دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان تعاني من بدايات مضطربة لكنها حافظت على استمرارية مؤسساتها، فقد امتلك العراق انطلاقة قوية قبلهما ، لكنه فقد الاستمرارية- وهي الشرط الحاسم في نجاح أي مشروع تنموي مثقل بالمشروعات الكبرى-.
رابعاً: مقارنة مع التجارب الآسيوية الناجحة
1. كوريا الجنوبية وتايوان بدأتا مشاريع التحديث الحقيقية فيهما في الستينيات، أي بعد العراق. لكنهما تميزتا بـ: الاستقرار السياسي النسبي (ولو تحت أنظمة سلطوية). والاستثمار المكثف في التعليم والصناعة والتدرج في بناء الاقتصاد التصديري.
2. سنغافورة وماليزيا : انطلقتا بقوة في الستينيات والسبعينيات: واعتمدت سنغافورة على موقعها الجغرافي والإدارة الصارمة. وركزت ماليزيا على التوازن بين التنمية والهوية الاجتماعية.
3. تركيا : شهدت تركيا موجات متعددة من التحديث منذ عهد أتاتورك، لكنها لم تحقق طفرتها الصناعية الكبرى إلا في العقود اللاحقة.
4. الكويت والإمارات وقطر والسعودية : اعتمدت على الثروة النفطية . بدأت الكويت مبكراً نسبياً مع بدء استقلالها منذ الستينيات ، وحققت الإمارات قفزتها بعد السبعينيات. وبعدها قطر، لكن كلها تختلف عن العراق في أن التنمية جاءت لاحقاً وبسياق ريعي، لا عبر تخطيط مؤسسي مبكر.
خامساً: لماذا غُيّب الدور العراقي؟
يمكن تفسير “تغييب” الريادة العراقية بعدة عوامل: السرديات السياسية حيث صوّر خصوم النظام الملكي من العراقيين أنفسهم تلك المرحلة باعتبارها “تابعة”أو “رجعية”.و “حليفة للغرب” ثم الانقطاعات التاريخية التي جعلت الإنجازات غير مكتملة، فبدت أقل تأثيراً. وهيمنة نماذج النجاح اللاحقة التي أعادت كتابة التاريخ من منظور النتائج لا البدايات. واساءات الانقلابيين وغمط حقوق وتشويه سمعة الوطنيين الحقيقيين مع ضعف التوثيق الأكاديمي المقارن. ولا يمكن فهم تعثّر التجربة التنموية العراقية في الخمسينيات بمعزل عن السياق الإقليمي المشحون آنذاك بخطاب الكراهية ، حيث وُوجه العراق الملكي- بوصفه دولة تسعى إلى بناء نموذج تنموي مستقر قائم على التخطيط والمؤسسات- بحملات سياسية مسعورة وإعلامية حادة ولا اخلاقية قادتها قوى عربية ذات توجهات راديكالية وثورية ونزعات طوباوية وشخصية فقد نظر نظام جمال عبد الناصر في مصر إلى العراق بوصفه امتداداً لمعسكر محافظ ومنافس له كونه مشروع مذهل ، فوجد عبد الناصر تفوق بغداد منافساً له ، فاشتدّ الصراع الدعائي بين الطرفين، وتحوّل إلى تعبئة جماهيرية ضد النظام العراقي. كما لعبت التيارات البعثية، خصوصاً في سوريا ولبنان، دوراً في تأجيج الخطاب الثوري المناهض للعراق، فضلاً عن تيارات وحركات راديكالية في المنطقة رأت في التجربة العراقية “نموذجاً مضاداً” لمشاريعها الأيديولوجية. وفي ظل هذا المناخ الساخن، تداخل الضغط الخارجي مع الاحتقان الداخلي، مما ساهم في إضعاف شرعية النظام وتقويض استقراره، وصولاً إلى انهياره. وهكذا، لم يكن سقوط التجربة التنموية العراقية نتاج عوامل داخلية فقط، بل جاء أيضاً في سياق صراع إقليمي محتدم، لم يكن يسمح بسهولة بنشوء نموذج تنموي عربي مستقل خارج الاستقطابات الأيديولوجية السائدة آنذاك.
سادساً: قراءة نقدية متوازنة وظلم العراقيون تاريخهم بأنفسهم
القول بأن العراق كان “الأول” لا يعني أنه كان “الأفضل” أو “الأكمل”، لكنه كان بلا شك: من أوائل الدول التي صاغت مشروعاً تنموياً مؤسسياً متكاملاً. ومن القلائل الذين حاولوا تحويل الريع النفطي إلى استثمار طويل الأمد. نموذجاً مبكراً للدولة التي تسعى إلى التحديث عبر التخطيط لا العشوائيةعلما بأن العراق لم يكن عضوا في الكومنولث البريطاني كما هو حال دول اخرى . غير أن نجاح أي تجربة لا يُقاس بالبداية وحدها، بل بالاستمرارية- وهنا تفوقت التجارب الآسيوية الأخرى. لقد ظلم العراقيون العراق بأنفسهم هذا المنجز الريادي الرائع الذي تقّدم على غيره ، ووصفوه بالصفات السيئة واسموه بسذاجة ” مجلس الاستعمار” واتهموه بشتى التهم وظلموه حقا وغيبوا ذكره عن الاجيال . ومن المفارقات التي تستحق التوقّف عندها أن قسماً غير قليل من مشاريع وخطط مجلس الإعمار التي وُضعت في العهد الملكي، لم يُكتب لها التنفيذ آنذاك بسبب الانقطاع السياسي عام 1958، لكنها عادت للظهور لاحقاً في ظل الأنظمة الجمهورية العسكرية، حيث جرى تنفيذ بعضها- كالسدود، وشبكات الري، وتوسيع البنية التحتية، ومشاريع السكن والتعليم والصناعة- والمستشفيات ضمن برامج نُسبت بالكامل إلى تلك الأنظمة. غير أن القراءة الوثائقية المتأنية تكشف أن هذه المشاريع لم تكن وليدة تصورات جديدة، بل امتداداً مباشراً لتخطيط سابق صاغه رجال الدولة في العهد الملكي، وفي مقدمتهم نوري السعيد، الذي كان العقل السياسي والإداري الداعم لفلسفة التخطيط طويل الأمد وتوجيه عائدات النفط نحو الاستثمار الإنتاجي. وهكذا، فإن نسبة تلك الإنجازات إلى الحكام اللاحقين دون الإشارة إلى جذورها الأصلية تمثل- في ميزان البحث التاريخي- نوعاً من سرقة المشاريع الكبرى والإجحاف المعرفي، إذ يُغفل الدور التأسيسي الذي سبق التنفيذ، ويختزل التاريخ في لحظة التطبيق لا في لحظة الرؤية والتخطيط.
خاتمة: بين الريادة الضائعة والدروس المستفادة
إن إعادة الاعتبار للتجربة العراقية لا تهدف إلى تمجيد الماضي، بل إلى تصحيح ميزان القراءة التاريخية والرؤية الصادقة . فالتاريخ المقارن لا ينبغي أن يُكتب بمنطق “من نجح فقط”، بل بمنطق “من بدأ وكيف ولماذا تعثر”. ولماذا حاربوه ؟ ولماذا أسقطوه ثم سقطوا تباعا نن بعده ؟ ان اتعاب سنوات طوال احترقت في ساعة فجر دموي نفذ السقوط ضابطان وخطط له زعماء معارضة سياسية وتدخلات اقليمية. لقد كان العراق، في لحظة تاريخية قصيرة، أقرب إلى أن يكون نموذجاً رائداً في العالم الثالث. لكن السياسة- لا الاقتصاد- هي التي قطعت هذا المسار. وبينما واصلت دول أخرى السير، بقي العراق مثالاً على أن البدايات الواعدة قد تضيع إذا لم تحمها مؤسسات مستقرة. وفي نهاية المطاف ، ضاع العراق . وآخر ما يمكنني اختتام مقالتي أن تجربة العراق أفشلها العراقيون أنفسهم ، ومن الغريب جدا أن من عارضها سياسيون كبار من المدنيين ورجال مال واقتصاد وتنمية يدركون ما كانت عليه أهداف مجلس الاعمار الحقيقية، ولكنهم غالطوا أنفسهم جميعاً وأتفقوا مع ضباط عسكريين لقلب النظام الذي خدموه وكانوا جزءاً منه للتمكن من السلطة وانهاء التجربة العراقية الرائدة .. ليبدأ العراق دورة تاريخية مغايرة أودت به بتراكم تاريخي الى أن يكون أسوأ البلدان اليوم. وهذا، في جوهره، هو الدرس الأكبر الذي تقدمه المقارنة: ليست المشكلة في أن تبدأ متأخراً، بل في أن لا تستمر. وليس المشكلة في حدث يقدسّه البعض ، ولكن ماذا تراكمت بعده من تواريخ عهود صعبة ومضادة سحقت العراق !
المصادر الدولية :
Britannica – Development Board (Iraq).
IMF – Investment Policies in Iraq, 1950–87.
United Nations – World Economic Survey (1955) .UN Economic Developments – Iraq.
Ramzi El Houry, IRAQ 1050-8, AUB Thesis (2009).
Too Little Too Late? Iraq Development Board.
British National Archives – The Development of Iraq (1955).
British National Archives – The Development of Iraq.
Ines Tolic – Iraq Housing Program and Global Modernity.
اضغط على النجوم واعتمد تقييمك فوراً.






تم التقييم بالنجوم بنجاح.