أسطورة الثورة الفرنسية 14 تموز / يوليو 1789 م✍️ أ.د. سيّار الجميل

نخبٌ فرنسية من أجيالٍ مختلفةٍ تتخلّى عنها وعن رمزها المقصلة !
مقدمة
الثورة الفرنسية من أهم الثورات في التاريخ ، وقد أثّرت في اوروبا والعالم تأثيرا كبيرا ، ولكنها لم تحقق كلّ ما نادت به من أهداف الا بعد أزمنة طوال .. واذا كانت تلك الثورة قد دامت قرابة خمس سنوات بين 1789- 1793/ 1794 م برغم توحشها ودمويتها لم تقفل باعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت عام 1793، بل استمرت تداعياته لتحقق أهدافها في الحرية والعدالة والمساواة ضد القيم التي سادت منذ العصور الوسطى والمتمثلة بالحكم المطلق والاقطاع والكنيسة فهي لم تكن مجرد انقلاب عسكري دموي وهياج شعبي عمره قرابة ساعتين من قيامه وبالرغم من بقاء ذكرى الثورة الفرنسية عيداً وطنياً فرنسياً نظراً لأهمية الحدث ، وكونها واحدة من الثورات العملاقة في التاريخ . ولكن ؟
أولا : الوعي التاريخي الفرنسي
هناك العديد من المفكرين والفلاسفةوالمؤرخين الفرنسيين الذين انتقدوا قيام الثورة الفرنسية، خاصة ومجرياتها من حيث عنفها ودمويتها، واعتبروها مرحلة مأساوية في تاريخ فرنسا رغم شعاراتها النبيلة. ومن أبرز الانتقادات التي نشرت عنها بقلم جوزيف دي ميستر Joseph de Maistre 1753- 1821م الذي اعتبر الثورة الفرنسية “من عمل الشياطين”، وهاجمها بشدة في كتاباته، واصفًا إياها بأنها كارثة أخلاقية وروحية. وهناك هيبوليت تاين Hippolyte Taine 1828- 1893م رغم أنه روى أحداث الثورة بدقة، إلا أنه انتقدها باعتبارها عودة إلى الهمجية، واعتبر أن الشعب الفرنسي حين تحرر من الزواجر الاجتماعية عاد إلى الفوضى. وأيضا إميل أوليفييه Émile Ollivier 1825- 1913م رأى أن الثورة كانت حتمية تاريخية، لكنها حملت معها الكثير من العنف الذي لم يكن مبررًا دائمًا. أما مسيو فرانسوا فكتور ألفونس أولار Aulard 1849- 1928م رغم دفاعه عن الثورة، فقد كتب ردًا غاضبًا على كتاب تاين، لكنه لم ينكر وجود مظالم ودموية في أحداثها.
وبقيت مواقف الفرنسيين متباينة اذ ان بعض المؤرخين يرون الثورة حدثًا مجيدًا غيّر وجه أوروبا. ولكن بعضهم الآخر يراها حادثة مشؤومة أدت إلى سفك دماء الأبرياء، مثل إعدام الملك لويس السادس عشر وماري أنطوانيت، ومجازر المقصلة التي طالت آلاف الابرياء ، ولكن لم يغّير الفرنسيون علم بلادهم .
ثانياً : هل كانت الثورة ضرورية ؟
وقد طرح سؤال على المثقفين الفرنسيين : هل كانت الثورة ضرورية؟ هذا سؤال طرحه بعض الفلاسفة والمؤرخين ومنهم : إريك فوغلين Eric Voegelin 1901–1985 ورايموند آرون Raymond Aron 1905–1983 على جملة واسعة من المثقفين فالبعض يرى أنها كانت ضرورية لكسر النظام الملكي المطلق، والبعض الآخر يرى أن العنف المفرط شوه أهدافها، خاصة في فترة “حكم الإرهاب” بقيادة روبسبير. وهناك عدد من المؤرخين المعاصرين الذين ينتقدون الثورة الفرنسية، خاصة من حيث عنفها وتأثيراتها السلبية على المجتمع الفرنسي في ذلك الوقت وعلى مدى مائة سنة مرت من بعدها .ومن ابرزهم : فرانسوا فوريه François Furet 1927- 1997م أحد أبرز المؤرخين الفرنسيين في القرن العشرين، انتقد النظرة التقليدية للثورة واعتبر أن العنف الذي صاحبها، خصوصًا في فترة “حكم الإرهاب”، شوه أهدافها. ورأى أن الثورة لم تكن مجرد صراع طبقي، بل كانت أيضًا صراعًا أيديولوجيًا أدى إلى استبداد جديد. أما سيمون شاما Simon Schama ( ولد 1945م) المؤرخ البريطاني، في كتابه Citizens: A Chronicle of the French Revolution، ركّز على الجانب الدموي للثورة، واعتبر أن العنف لم يكن عرضيًا بل كان جزءًا جوهريًا من الثورة نفسها ، وقد انتبه الفرنسيون الى ما اهدرته الثورة وتداعياتها من دمائهم في عهد الادارة وحروب نابليون وصولا الى الحربين العظميين في القرن العشرين . اما ويليام دويل William Doyle ( ولد 1942م) وهو مؤرخ إنجليزي متخصص في التاريخ الفرنسي، يرى أن الثورة كانت نتيجة أزمة سياسية واجتماعية، لكنها أدت إلى اضطرابات وفوضى أكثر مما جلبت من إصلاحات ، وان فرنسا كانت في سبيلها الى التقدم في حالتها الطبيعية من دون هدر الدماء ، وأن المقصلة أكلت كل الثوار واحدا بعد الآخر ..
ثالثاً : السؤال الآن ويوجّه الى العراقيين بوجه خاص : لماذا ينتقدونها؟
ينتقدونها بفعل الوعي التاريخي فمن يتملكه ذلك الوعي يخرج عن مأزوميته السياسية ، وكل التاريخ معّرض للنقد وتوضيح ما ارتكب من جنايات باسم ” الثورة ” ، وأن الثورة الفرنسية أدت إلى إعدام آلاف الأشخاص دون محاكمة عادلة. ولأنها خلقت مناخًا من الخوف والرقابة، خاصة في عهد روبسبير. ولأنها استبدلت الاستبداد الملكي باستبداد ثوري وهي التي قادت الى الاستبداد الامبراطوري ودخول فرنسا سلسلة حروب ، مما جعل البعض يراها مجرد تغيير في السلطة لا في المبادئ. ولأنها عكس ما يقوله كلّ من يؤيدها : انها لم تكن انعكاسا تنويريا لفكر مونتسكيو وفولتير ورواد التنوير ، بل كانت مضادة لروح القوانين ولحريات الانسان في داخل فرنسا أو خارجها، فالثورة حررت فرنسا من الباستيل ولكنها ادخلت فرنسا في سجن مخيف من جوانب العنف، والفوضى، أو النتائج المتناقضة التي خلفتها.
رابعاُ : نقد المؤرخين لاسطورة الثورة
بالرغم من أن المؤرخ ألبير سوبول Albert Soboul 1914- 1982م يُعد من المدافعين عن الثورة، فقد أشار إلى أن العنف الثوري كان مفرطًا في بعض المراحل، خصوصًا خلال “عهد الإرهاب”، لكنه برر ذلك بظروف الحرب والتهديدات الداخلية. أما الفيلسوف إريك هوبزباوم 1917-2012 Eric Hisbowem فهو مؤرخ ماركسي بريطاني، رأى أن الثورة كانت ضرورية تاريخيًا كونها جرفت الناس اليها دون خطة مرسومة ، لكنه لم يغفل عن الإشارة إلى أن بعض مظاهرها كانت قاسية وغير إنسانية ولابد من الاعتذار الرسمي للتاريخ . وقد كتب جان كلود مارتين Jean-Claude Martin ( ولد 1947م) مركزاً على الجانب الاجتماعي، واعتبر أن الثورة لم تحقق العدالة الاجتماعية كما وعدت، بل خلقت طبقة جديدة من البرجوازيين المستفيدين في مجتمع من الطفيليين الجدد . أما بيير شوفالييه Pierre Chevallie فقد انتقد ما اعتبره “أسطورة الثورة”، واعتبر أن كثيرًا من سردياتها تم تزيينها لاحقًا لتبرير العنف السياسي. ان الاجيال الفرنسية الجديدة ترى أن الثورة أفرزت استبدادًا جديدًا بدلًا من الملكية المطلقة. وغدت المقصلة رمزًا للرعب بدلًا من العدالة. وأن الحرية والمساواة لم تشمل الجميع، خصوصًا النساء والفقراء. وأن الخطاب الثوري كان مثاليًا، لكن التطبيق كان دمويًا ومتناقضًا.
خامساً : كيف أثرت هذه الانتقادات على فهمنا الحالي للثورة؟
الانتقادات المعاصرة للثورة الفرنسية، خصوصًا تلك التي ركزت على العنف، التناقضات، والاستبداد الثوري، ساهمت بشكل كبير في إعادة تشكيل فهمنا الحديث لها، بعيدًا عن الصورة المثالية التي رُسمت لها في القرنين السابقين . فهل غيّرت الانتقادات نظرتنا للثورة؟ ان كسر الأسطورة البطولية لم تعد الثورة تُرى فقط كملحمة من أجل الحرية، بل كحدث معقّد مليء بالتناقضات، حيث امتزجت المبادئ النبيلة بالعنف الدموي. وقد أعيد النظر في تقييم “حكم الإرهاب”: انتقادات مؤرخين مثل فرانسوا فوريه وسيمون شاما سلطت الضوء على أن المقصلة لم تكن مجرد أداة عدالة، بل رمزًا للرعب السياسي. وان نقد الأيديولوجيا الثورية: أصبح يُنظر إلى الثورة على أنها ليست فقط تحررًا من الملكية، بل أيضًا تأسيسًا لنظام أيديولوجي جديد قد يكون استبداديًا بحد ذاته. كما تمّ إبراز الضحايا المنسيين وتمّ تسليط الضوء على الفئات التي لم تستفد من الثورة، مثل النساء، والمهمشين والفقراء والمعارضين السياسيين الذين أُعدموا أو نُفوا. ويعتبر انتاج الثورة الفرنسية قليلا في التاريخ المقارن لحجم ما حدث في الثورة البلشفية عام 1917.
سادساً : هل هناك مطالبات باعتذار تاريخي ؟
بين الحين والآخر، تظهر دعوات من بعض المثقفين والمؤرخين الفرنسيين تطالب الدولة بالاعتذار، لكن هذه المطالب لم تلقَ استجابة رسمية كيلا يحدث تناقض بين عيد فرنسا الوطني ووجدانها التاريخي الذي يتحكم العقل به اليوم . فرنسا الحديثة تفضل المصالحة التاريخية عبر التعليم والنقاش العام، وليس عبر الاعتذارات الرسمية عن أحداث الثورة. لقد صُوّرت ماري أنطوانيت في الأدب والفن، على غير ما صوّرت في السياسة والثورة وكيف تغيّر الرأي العام الفرنسي تجاهها عبر القرون.
وأخيراً ، أقول بأنّ العالم اليوم يتجدّد من خلال اعادة النظر في التاريخ بعيداً عن التمجيد واستعراض البطولات.. والانسان يتغّير والرؤية تتسّع، والمرء يمايز من خلال التفكير بين الصواب والخطأ ، فلا العناد يفيد ولا الغلو يصلح ، واذا كان الفرنسيون اليوم يكرهون المقصلة كونها رمزاً ل 14 تموز عندهم ، فان الأجيال القادمة من العراقيين ستكره الحبال كونها رمزا ل 14 تموز عندهم .. وكما يتقبّل الفرنسيون نقدا مريرا ل 14 تموز عندهم ويتقبلوه برحابة صدر ـ فان العراقيين في المستقبل ستتسّع صدورهم ليتقّبلوا النقد المرير ل 14 تموز عندهم بالرغم من الفوارق الكبيرة بين الثورتين وتباين حجم الركام التاريخي الذي نتج عن كليهما في تقدّم هذه وتأخر ذاك .
للموضوع صلة .. راقبوا الحلقة القادمة وسنتواصل مع نقد الفرنسيين للثورة الفرنسية في الفكر والادب والرواية والسينما والمسرح والفنون الأخرى





