معنى الشعر وندرة الشعراء: مع طرائف من حقيبة ذكرياتي – ا.د. سيّار الجميل
أحرص بين حين وآخر أن أحضر ندوات وجلسات متنوّعة من أجل فهم تفكير المثقفين اليوم وكيف يحاضر البعض من المختصين ويزعجني الغث ويمتعني السمين في هذا الزمن المتراخي ، وقد شاركت مؤخراً في واحد من الملتقيات التي تخصّ الشعر والشعراء مستمعاً لما يقوله المحاضر أو ما يقوله المتحدثون من بعده . وفي محاضرة مثل هذه ، مرّت بذاكرتي عدّة طرائف وأحداث وأسماء ومواقف في أزمنة شتى من حياتي، كما تذكّرت شعراء لهم قيمتهم في حياتنا وطرقت سمعي لأوّل مرة أسماء شعراء لم أسمع بهم من الجيل الجديد .. واستفزتني عبارات وقراءات لا يصحّ أن يقولها مختص بالعربية والادب العربي ! وقلت لنفسي : كيف سيكون مصير النقد الأدبي العربي في القرن الحادي والعشرين يا ترى ؟ ان كان هذا الناقد وذاك المختص لا يعرف المعاني والدلالات ، بل ويزعجني جدّاً بعض المختصين في اللغة والأدب يحملون الاستاذية( المزيفة ) وهم لا يجيدون قراءة بيت شعري واحد قراءة سليمة ، بل وهالني أن أسمع واحداً منهم يلفظ ( البلبل والورق ) فيقرأ الورق ( بفتح الواو والراء) ويحسبها ورقاً من دون أن يعلم أن الوِرق ( بكسر الواو وتسكين الراء) هي جمع ورقاء !! وان كان الآخر لا يدرك التمييز بين صنوف الادب العربي.. أو يضيع مع اولئك في لجّة الموجات الصاخبة لشويعرين جدد يعدّون أنفسهم بشعراء وهم ليسوا كذلك أبداً ، فالشاعر ان لم يمتلك سليقة الشعر والعاطفة والخيال ، وليست له موهبة الابداع وقد ربى ملكته منذ الصغر على حفظ الشعر فليس بشاعر ، وان لم يتمكن من اللغة وقد صقلته تجاربها ، ويجيد الاحساس بالاوزان والموسيقى فهو لا شاعر ولا حتى شويعر .. ولقد كثر اليوم أمثال هؤلاء سواء في مجال المطبوعات أو في عالمٍ افتراضي غير مرئي، أو تهريجي في مهرجانات بائسة . لا ننتظر من كلّ شاعر أن يتفلسف ليقدّم لنا تعريفاً للشعر وهو يحكي سايكلوجيته المضطربة، فالشعر ” لمح تكفي اشارته ” كما قال البحتري ، فلا حاجة ان يتفلسف شعراء اليوم ليسيئوا الى ديوان العرب ! فالمعنى في قلب الناقد الحقيقي!
لا يمكن أن نعتبر الجميع شعراء على الساحة اليوم ، فالشعراء الاصلاء هم عملة نادرة عند العرب في القرن الحادي والعشرين علماً بأنّ العرب أمّة الشعراء على مدّ الازمان ، ولا يمكن القول أن هذا الكم الكبير من الشعراء لم يجدوا في الشعر الوسيلة والفضيلة فتحوّلوا الى كتابة الرواية ، فالشعر ليس مهنة للتكسّب ، وقد مضى عصر الهبات والمكرمات . وعن زمن عمالقة الشعر في العراق في القرن الماضي .. التفت اليّ سعدي يوسف قبل سنوات قائلاً : الشاعر العراقي الوحيد في العراق هو السياب ولا غير ! وأذكر أنّ البردوني الشاعر اليمني الضرير بزّ الجميع في مهرجان ابي تمام الأول عام 1971 لأنه هزّ الوجدان هزّا عنيفاً ، ووقف نجيب البهبيتي له ! وأذكر أن الجواهري عندما أنهى قصيدته في ذكرى أبي العلاء عام 1944 ” قف بالمعّرة وأمسح خدها التربا ” ، وقف له طه حسين !
وأنا أكتب هذا المقال ، تذكرت ما مرّ بي من أحداث طريفة ، أخترت اثنين لاسوقهما اليوم من حقيبة ذكرياتي نظراً لطرافتهما ونبل مقاصدهما ، وخصوصاً ، عندما تجد أستاذاً قديراً يمتلك ناصية اللغة والنقد والشعر والأدب معاً ..
الاولى .. كنّا طلبة في الاعدادية الشرقية بالموصل عام 1968 ، وكان يدرّسنا تاريخ الأدب العربي الاستاذ حازم العباس – رحمه الله – وهو شاعر رائع الالقاء وللرجل سايكلوجية شاعر، يطلب منا حفظ قصيدة امرؤ القيس أو لبيد على ظهر قلب ، وفي اليوم الثاني يدخل الصف ليستمع الينا شفوياً ، فيبدأ الطالب الاول بالقاء البيت الاول ثم يكمل بقية الطلبة أبيات القصيدة ولما جاء التسلسل عند أحد الطلبة ولم يكن قد حفظ القصيدة كعادته ، وكان الاستاذ منهمكاً ، فردّد الطالب وهو يتمّثل الجدّية كلمات من أغنية انت عمري لام كلثوم يا اغلى من ايامي يا احلى من احلامي وجلس .. كان الطلبة واجمين وبعضهم يضحك سرّاً ، مرّت ثوان هادئة وفجأة انتبه الاستاذ العباس من غفلته وقال : نعم ، ماذا قلت يا مظفر ؟ أعد البيت الشعري فتلعثم الطالب وأخذ يتوّسل ، فاذا بالاستاذ يطلب منه أن يسمعه يوم غد كلّ القصيدة على ظهر قلب !
الثانية : كنا طلبة في الصف الثالث بكلية الآداب ، جامعة الموصل عام 1972 ، وكان يدّرسنا تاريخ الدويلات الاسلامية الدكتور عماد الدين خليل وهو أستاذ ومؤرخ قدير فضلاً عن أدبه وقوة عبارته وشعره . أتيح لنا الظرف يوماً أن نقيم وأياه مطارحة شعرية ، وكان هناك عشرة طلاب لهم ملكتهم الادبية وذائقتهم الشعرية ، فبدأ النزال كي يحصي الاستاذ من يحصّل على قدر أكبر من النقاط ، واستمرت المطارحة بعد أن حمي الوطيس بين الطلبة ، وكان يزاحمني أحد الزملاء الاعزاء وقت ذاك ، فتوّقف الجميع فجأة عند حرف الغين ، فأنقذت الموقف ببيت يقول : غيّرت عهدك في الهوى فتغيّرا ملك الفؤاد قلبي وقلبك ما درا ، فتبسّم الاستاذ قليلاً واستمر النزال ثم توقّف عند حرف اللام .. فسارعت لأقول : لا تلمني في هواها أنا لا أهوى سواها .. وهنا علّق الدكتور عماد الدين تعليقاً جميلاً لا أنساه بخصوص ما أحفظ من الغزليات !! أطال الله في عمره ووهبه الصحة والعافية .. هكذا كنّا ولا تسل كيف كنّا في زمن مشحون بالعلم والادب قبل أن تنحرف دفّة العراق نحو المجهول .






