مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

صراعات الدواخل : أكذوبة التعايشات – سيّار الجميل

ثلاثة رجال يجلسون حول طاولة في معرض الكتب العربية في ميسيساغا، يتحدثون ويظهرون مهتمين بالمناقشة.

1- مقدمة : فهم مشكلات مجتمعاتنا ليس جلداً للذات ولا تنكيلا بالارادة

في سياق مشاركتي الأخيرة في معرض مسيساغا للكتاب العربي في كندا، اذ لبيت دعوة كريمة بعقد جلسة حوار ظهيرة يوم 28 آذار / مارس 2026 أدارها الروائي المبدع صلاح صلاح، في باحة البيت الفلسطيني بمدينة مسيساغا وجمعت جمهوراً من المثقفين والمهتمين بالشأن العربي. وقد شارك في الحوار على المنصة الصديق الروائي كريم شعلان . أدار صلاح نقاشاً ثرياً تناول قضايا محورية مثل الهوية ، والانتماء، والمنفى ، والذاكرة، وصراع المفاهيم في الوعي العربي المعاصر، وقد قمت بتحليل التحديات التاريخية او تلك التي ستواجه استمرار الثقافة العربية لدى الأجيال المهجرية القادمة. كما أتيحت لي الفرصة للإجابة عن أسئلة الجمهور، مسلطاً الضوء على الجوانب العميقة والخفية لهذه القضايا، بعيداً عن الطرح السطحي أو المجرد. لقد وجدت البعض يبحث عن حلول سياسية مباشرة للمأزق العربي الراهن، لكنني أرى أن جذور المشكلة أعمق بكثير. فالأزمات التي يعانيها عالمنا العربي لا تبدأ من السياسة فحسب، بل تنبع من انقسامات اجتماعية وثقافية متجذرة في بنية مجتمعاتنا. من هنا جاءت أهمية تشخيص هذه العلل الداخلية أولاً، قبل التفكير في أي حلول سياسية، لأن سياسات العرب لن تنصلح ما لم تُصحح البنى الاجتماعية والثقافية التي تنتجها.

من هذا المنطلق، يأتي هذا المقال محاولة لتفكيك ظاهرة الانقسامات ، بوصفها عوائق بنيوية أمام أجيالنا في المستقبل ، وقوى خفية تعيد إنتاج أزماتنا بصور متعددة، ظاهراً وباطناً. الانقسامات في مجتمعاتنا ليست مجرد ظواهر عابرة، بل هي بنى عميقة الجذور أسهمت عبر أزمنة مضت في إعاقة أي مشروع حقيقي في التقّدم. فالمجتمعات المنقسمة على ذاتها، تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج وعي جمعي متماسك، وتتحول طاقاتها من البناء إلى الاستنزاف في صراعات داخلية لا تنتهي.

2- أكذوبة التعايشات : نحن ليست لدينا مجتمعات منسجمة

في عمق مجتمعاتنا خصوصاً ، كثيرًا ما تُسوّق فكرة التعايش والوحدة الاجتماعية ، وتكثر التمجيدات بعظمة سليلي الحضارات ، بينما الواقع يكشف عن مشهد مختلف تمامًا. فالتعايش غالبًا ما يكون سطحياً واهياً للتشدّق فقط وهو مجرد قشرة تخفي انقسامات وشروخات حقيقية تتأصل في الماضي وتستند إلى أحقاد متوارثة كما أوضحت السنوات الماضية . وهي لم تنشأ صدفة، بل انتجتها الانحيازات المذهبية والفروقات الطبقية والتمايزات الثقافية وشوفينية الاعراق في منطقتنا ..فهيمنت الطائفية والمذهبيات على المجتمعات، فغيبّت كل من الهوية الوطنية والحضرية ومفهوم الانتماء للأوطان، وفككت النسيج الاجتماعي، ناهيكم عن الدعوات الأثنية والعرقية والايديولوجيات وكلها أدخلت الكراهية في النفوس منذ أزمنة طويلة حتى الاطفال، فتوارثت الأحقاد من جيل إلى جيل. هذه الانقسامات ليست مجرد خلافات سياسية عادية، بل صراعات على الهوية والقيم والمستقبل. اذ تتحكم هذه الانقسامات في القدرة على اكتساب الوعي والادراك والمعرفة، فتُفرغ المجتمع من إمكاناته في التماسك والتقدم. هناك مجتمعات عربية منسجمة اجتماعياً ومتعايشة برغم خلافاتها السياسية كما هو حال المجتمع الفلسطيني بسبب تحدياته الكبيرة.

ان الكراهية والأحقاد المتوارثة ليست مشاعر عابرة، بل إرث ثقافي واجتماعي يثقل حياة الأجيال، ويحول المجتمع إلى ساحة صراع مستمرة. فالأحقاد تمنع التجديد وتكرس الصراع الرمزي، لتصبح المجتمعات أسيرة ماضيها أكثر من كونها فاعلة في حاضرها ومستقبلها. المستقبل لا يُبنى على أيدي المتعصبين أو الغلاة أو المنافقين أو رجال التابوهات، ولا على جهلة يلبسون ثوب المعرفة، بل على وعي نقدي، وحوار عقلاني، وقدرة المجتمع على تجاوز تراكمات الماضي .. تسمعون وترون هذه الأيام حجم التشظي وحجم التشّفي وحجم صب الشتائم وحجم الهياج وحجم الانحيازات وحجم العواطف وحجم الاتهامات وحجم السذاجة . ان أي منصف يدهش ويشمئز فعلا من البعض الذي اكل من خيرات بلدان الخليج العربي ليتشفى اليوم بها وهي تضرب بالصواريخ الايرانية !

3- مجتمعاتنا : اصطفافات متعارضة وليست موحدة

تتجلى هذه الأيام خطورة الانقسامات بوضوح في المواقف العربية المتباينة إزاء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث لم يتبلور موقف عربي موحّد متكامل يعكس مصالح استراتيجية جامعة، بل انقسمت الرؤى بين اصطفافات متعارضة، بعضها تحكمه حسابات الخوف، وبعضها الآخر تحركه اعتبارات أيديولوجية أو طائفية أو مصلحية ضيقة. وهذا التشتت لا يعكس خللاً سياسياً، بل يكشف عن بنية سيكولوجية مضطربة ومتشظية، تتسم بازدواجية المعايير، وتردد في تحديد الأولويات، وغلو في التعاطف وسيكولوجية لا اخلاقية مثقلة بروح الكراهية تتأرجح بين الانفعال والارتياب، وتفتقر إلى الثقة المتبادلة، ما يجعلها أكثر قابلية للاصطفاف والانقسام . بل راح البعض يصّرح بافضلية ايران على العرب ، وراح الآخر يحرق اهله وبلاده من أجل ايران .. في حين يتعامل البعض الاخر جواسيس لاسرائيل!

4- أسس التقّدم لا تتوافق مع انغلاق العقل وجمود التفكير

يتمثّل أخطر آثار الانقسامات بتقويض فكرة “المواطنة”. ففي غياب هوية وطنية جامعة، تتراجع الدولة لصالح الهويات الفرعية، ويُعاد تشكيل المجال العام على أسس الولاء والانتماء الضيق. وبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً ضامناً للحقوق والحريات، تغدو ساحة صراع جماعات وعصابات تسعى للهيمنة. ان هذه الانقسامات تعرقل مسار العقل التنويري القائم أساساً على النقد، والتمدّن، والانفتاح على الآخر. لكن في بيئة مشحونة بالاستقطاب، فيُنظر إلى النقد كخيانة، وإلى الاختلاف كتهديد والمعارضة اجرام . هكذا، يقتل البشر ويخنق التفكير ويصمت التعبير وتموت القيم وتذبل المعرفة ويسبّح ليل نهار بالموروث المتواتر والخزعبلات والأساطير دون مساءلة باتخاذه بعدا سياسيا .. وتُعمّق الانقسامات من قبل نخب سلطوية أو قوى خارجية، فمجتمع منقسم يسهل التحكم به، وتوجيهه،وإشغاله بصراعات داخلية تبعده عن الإصلاح . إن بناء المستقبل لن تتحقق عبر القفز لتغطية هذه الانقسامات أو إنكارها، بل عبر تفكيكها وفهم جذورها، ثم إعادة بناء المجال الاجتماعي على أسس المواطنة، والعدالة، والتنوع الخلاق. فالمستقبل لا يُبنى بأيدي جماعات منغلقة ومتناحرة، بل بعقول منفتحة تؤمن بأن الحاضر أكبر من الماضي .

5-الانقسامات لا تبني مستقبلنا

إن استمرار هذه السيكولوجية المنقسمة لا يهدد بناء موقف سياسي عربي موحّد فقط ، بل يقوّض أي أفق لمستقبل زاهر، لأن أمةً تعجز عن توحيد وعيها، ستظل عاجزة عن توحيد إرادتها، وأي مشروع للمستقبل ليس سوى انعكاسٍ لتمزق الحاضر، لا تجاوزاً له. إن واقعنا المنقسم ليس مجرد عبء تاريخي يمكن تجاوزه ، بل هو حجر الزاوية في كل أزمة نعيشها اليوم. فالمجتمع الذي يقاتل نفسه بنفسه وهو مضطرب الهوية بالانتماءات الضيقة سيصطدم لا ولا يمكنه ان ينتج سياسات رشيدة . ومهما حاولنا البحث عن حلول سياسية خارجية أو إصلاحات سطحية ترقيعية، فإننا نبقى ندور في حلقة مفرغة، طالما لم نتجاوز أولاً انقساماتنا الداخلية، وطالما ظل الخوف من الآخر والتعصب للطائفة أو العشيرة أو المذهب هو القوة الدافعة لسلوكنا الجماعي فلا مستقبل لنا .

6-ختاما: متى يتحقق التغيير المنشود ؟

إن التغيير المنشود لن يأتي من ماض بعيد ، ولا في ظل انقسام عقيم ، ولا من محتل بغيض ، بل يتحقق مع ثورة في الوعي والقطيعة والنقد ومواجهة الذات والواقع بشجاعة ، وجعل العقل سيد التفكير ، وخلق التعايش والفهم المشترك والالتزامٌ الجماعي تجاه الإنسان وقيمه واخلاقه ومثله . فان بناء المستقبل يبدأ من الداخل، وسيختفي الانقسام الداخلي وزرع الفتن والكراهية واشعال الحروب ، وهي عوائق لكل بناء وتقدم. وعليه ، ينبغي تجاوز التشظي واستعادة الأمل المنشود.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading