الملك فيصل الأول .. زعيم عربي ظلمه العرب لماذا توارثوا الكراهية ضده ؟ أ.د. سيّار الجميل

أولاً : عندما تموت الموضوعية في قراءة التاريخ
لمناسبة تأسيس دولة العراق المعاصر ، لابد أن اقف قليلا عند الملك المؤسس فيصل الأول 1883- 1933 م والذي يجمع عليه المؤرخون الجادون والعقلانيون كونه الرجل الذي فاقت ايجابياته على سلبياته ، وهو الزعيم العربي الوحيد الذي طرح مشروعات نهضوية كما عانى كثيرا في حكمه وجابه تحديات كبيرة وكان لابد أن يتعامل مع الاقوياء في العالم لصالح العرب ، وخصوصا في حكمه لسوريا او حكمه للعراق . وقد وقفت من خلال الوثائق التي استخدمتها في كتابي ” الملك فيصل الأول 1883- 1933 : أدواره التاريخية ومشروعاته النهضوية ” على معلومات ومواقف تخصّ الرجل .. يعتبرها البعض مثالبَ ارتكبها، في حين يعتبرها البعض مجرّد مناورات استخدمها فيصل للتخلص منها وقد وصفته بأنه الزعيم العربي الوحيد الذي دخل قاعة فرساي في مؤتمر الصلح 1919 ليقف وحده أمام التنين باطرافه الضاربة ليخرج فيصل ويتخّلص بذكاء منقطع النظير من مؤامرة وايزمان بجعل الكرة داخل ملعب الأخير بما ألزم وايزمان من شروط كتبها بخط يده .. وهكذا ، فعل مع الفرنسيين الذين اسقطوا عرشه في سوريا عام 1920 بعد تجربة زاخرة في حكومته الفيصلية 1918- 1920 وكما خاب ظنه ببعض السوريين الذين ناصبوه العداء ..سيخيب أمله في بعض العراقيين الذين كانوا وما زالوا لا يعرفون ماذا يريدون ..
ثانيا: الهوس العاطفي في كره زعيم وتقديس آخر !
صحيح انه اعتمد على البريطانيين منذ قيادته العسكرية في الثورة العربية عام 1916- 1918 ، واعتمد عليهم في العراق الذين احتلوه 1914- 1918، ولكن كان يعتمد على كلّ العراقيين في حصول العراق على استقلاله، فضلاً عن بنائهِ دولة بمؤسساتها عاشت حتى يومنا هذا مع اختلاف الأنظمة السياسية التي حكمتها. ويجمع العراقيون حتى يومنا هذا بكلّ أطيافهم واتجاهاتهم السياسية على حكمة فيصل الاول وجهوده في بناء العراق المعاصر برغم بعض الأخطاء ، ولا أعتقد أن أيّ زعيم عربي مهما بلغت قوة حكمه أو سمو حكمته سيرحل بلا أخطاء ارتكبها .. ولكن المشكلة تكمن في الرؤية الكيدية والكراهية المتوارثة، وخصوصاً عند المؤدلجين الذين لا يعرفون اّلا المطلقات ولا يفكّرون أبداً في نسبية الأشياء .. وتجدهم يطلقون الأحكام بلا أدلّة أو مستندات ويضخمون الصغائر ويتنكرون للحقائق . وأجد بعض المثقفين والاكاديميين الذين تربّوا على اعلاميات كاذبة وشعارات عدائية وخطب فارغة في مناخات سياسية وحزبية مشحونة بالكراهية والأحقاد وهم ينالون ليس من فيصل الأول حسب، بل من زعماء اتصفوا بالواقعية السياسية لا بالشعارات الكاذبة او الادعاءات التي روّجها زعماء عرب مجانين ابان القرن العشرين وقادوا شعوبهم الى كوارث ستعاني من تداعياتها الأجيال ..انني لا أقول ذلك اعجاباً بهذا دون ذاك، ولكن أجد أنّ من الموضوعية انصاف زعماء ظلمتهم شعوبهم وانادي بايقاف الهوس لدى البعض سواء في كره هذا وتقديس ذاك . ومع كل هذا وذاك .. دعونا نتساءل:
ثالثاً : تساؤلات مشروعه:
لماذا يكرهون الملك فيصل الاول ؟ ولماذا يتهّمون تاريخه ؟
هل كانت ايجابياته قد تغلّبت على أخطائه ؟ ألم يساهم في تحقيق ما عجز غيره على تحقيقه ؟
أسئلة عميقة تستحق التأمل في رأي السوريين والعراقيين بالملك فيصل الأول ؟ هل كان فيصل موحّدا للعراقيين أم ساهم في تفرقتهم ؟ هل كان مسؤولاً عن مشاكل العراقيين أم أنها كانت مستفحلة قبل عهده ؟ هل نجح في توثيق العلاقة مع جيرانه كلهم أم اشعل فتيل الفتنة ضدّ تركيا أو ايران أو السعودية أو حتى سوريا؟ هل اعتكف في ملكهِ وجعل العراق حديقة للبريطانيين أم ساهم في بناء العراق باعتمادهِ على كلّ العراقيين؟ لماذا اعتمد على بعض الكفاءات العربية لبناء العراق ؟ أكان ذلك مثلبة أو مصلحة ؟ هل كان منفتحاً على كلّ ابناء العراق وأطيافه أم كان منغلقاً ؟ هل كان متواضعاً أم متجبّرا؟ هل قام بتجسير الفجوة بينه وبين المثقفين أم اضطهدهم وقمعهم وهجرهّم ؟ ألم يساهم في الدفاع عن عراقية ولاية الموصل؟ واذا عتب البعض عليه انه ملك دستوري ، لكنه تدّخل في الشؤون كلّها وكان يصنع قراراته لوحده .. فالمرحلة تلك لم تكن مؤهلة للديمقراطية مطلقاً، لكنه كان يحترم الرأي الآخر، وله عدد من المستشارين فضلاً عن موازنته الذكية بين المنتدبين البريطانيين وبين الساسة العراقيين المعارضين ، ومن يقرأ صحف العراق على عهده سيكتشف قيمة الرجل. وتعدّ العشرينيات من أخصب الفترات التي عاشها العراق سواء في تبادل الآراء وكفاءة المسؤولين وبناء المؤسسات .
رابعاً : فيصل الأول زعيم مثير للجدل
فيصل الأول زعيم مثير للجدل، واذا كان قد تعّلم الكثير في حياته القصيرة، فقد أعجب به معاصروه في مصر والمغرب وفلسطين، اذ أدهشتهم تجربته في العراق فتنادوا باسمه، وبكوا في الشوارع العربية عند مماته، لكنّ أجيال القرن العشرين تنّكرت له بل وحملتّه أوزاراً لا دخل له فيها، بل ويغضّون الطرف عن جرائم ارتكبها غيره من الزعماء العرب في عهود سوداء ابان القرن العشرين وحتى يومنا هذا! وغالبًا ما يرتبط ذلك بالظروف السياسية والمواقف الأيديولوجية، وحتى الروايات المتناقضة التي تتبناها بعض أطراف تتناقل الدعايات المضادة من جيل الى آخر .
خامساً : لماذا يكرهه خصومه بعد رحيله ؟
1/ الارتباط بالانتداب البريطاني: توليه الحكم في العراق جاء بدعم من بريطانيا، مما جعل البعض ينظر إليه كأداة استعمارية، رغم محاولاته لتأسيس دولة مستقلة ذات سيادة. ولكن ؟ هل كان العراقيون بقادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم ، أو على الأقل أن يحقّقوا استقلالهم ؟
2/ فشل تجربة الحكم في سوريا: حكمه القصير في سوريا انتهى بهزيمة أمام الفرنسيين في معركة ميسلون، مما اعتبره البعض ضعفًا في القيادة أو قلة الحنكة العسكرية. وبلا تبرير لمثل هذا الخطأ، هل كان باستطاعته مواجهة فرنسا، وقد أثبتت التجربة أنّ الهزيمة هي الثمن كما حدث وليس باستطاعة فيصل الوقوف امام خطط دولية، اذ كان العالم كلّه بأيدي التنين !
3/ الانفتاح على العصر ونهج التأسيس السريع: بمحاولات فيصل إدخال إصلاحات إدارية وتعليمية في العراق، لكن بعض القوى التقليدية رأت فيها تهديدًا لمصالحها أو لتقاليد المجتمع.
4/ التحالفات السياسية المعقدة: علاقاته مع البريطانيين والصهاينة (مثل اتفاقه مع حاييم وايزمان) أثارت جدلاً واسعًا، واعتبرها البعض تنازلات غير مبررة. من دون معرفة ظرفه العصيب ومناورته بأن وضع شروطاً تعجيزية بخطّ يده حالت دون تمرير الصهاينة للاتفاقية غير المبرمة .
5/ انه يتحّمل مشاكل العراق العرقية والسياسية والاجتماعية .. فجعلوه مسؤولا عن القضية الكردية وعن حقوق الآثوريين وغيرها في حين انه غير مسؤول عن ذلك تاريخيا ولا حتى سياسياً!
سادساً : ايجابيات فيصل:
في المقابل، كان من إيجابياته :
1/ تأسيس الدولة العراقية الحديثة: ووضع اللبنات الأولى لمؤسسات الدولة، مثل الوزارات والبرلمان، وسعى لتوحيد الأطياف العراقية المختلفة في كيان واحد .
2/ رؤية قومية عربية: وبعضهم يعتبرها سبّة كونهم يعتبرون حلم اي ائتلاف عربي سيهدد وجودهم، ولكن فيصل انطلق من عروبة انسانية وليست شوفينية وطرح مشروعه الفيدرالي للوقوف امام تحديات أكبر ولكن دون أن يلقى من يؤيده في مشروعه .
3/ فيصل دبلوماسي بارع كسب سمعته دولية مذ مثّل العرب في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، وكان له حضور دولي قوي أمام كبار زعماء العالم وجذب لباسه العربي انتباه العالم .
4/ يجمع الناس بأنه خدم العراق خدمة كبيرة ولا يمكن مقارنته بمن أتى من زعماء بعده حتى اليوم .ولكن ثمة قلة من العراقيين يعتبرونه ملكا طارئاً على العراق اذ اتى من الحجاز، ولكن تثبت مرحلته من خلال المستندات ان العراقيين قد طلبوه بانفسهم ملكا عليه .
5/ هناك زعماء يهتمون بالدولة وهناك غيرهم يهتم بالمجتمع، ولكن فيصل الأول جمع الأثنين معا ، فقد حرص على بناء مؤسسات دولة وبنفس الوقت حرص على المجتمع وعلى تعليمه وعلى تطويره في جميع الميادين. عاش ومات متواضعا وقد أحبّ العراقيين وخدمهم وأعلى من شأنهم.
سابعاً : لماذا يُكرهون تاريخه أحيانًا؟
لقد التقيت بعدد كبير من الاساتذة والمثقفين الكبار سواء كانوا عراقيين ام عرب ، فوجدت بعضهم لا يطيق ذكر فيصل الأول ، وعندما أسأله : لماذا ؟ يتوّضح لي أن كراهيته له قد استمدها من كراهيته لاسرته الهاشمية، ويقوم بالتنكيل بها ويتهم تواريخها ثم يؤكد على تحالف الشريف الحسين بن علي وأولاده مع الانكليز ضد العثمانيين من دون ان يعترف بأن حكم الاتحاديين حليف المانيا قد أساء كثيرا للعرب وغيرهم ، فاذا كان ذلك الغير قد ثار، فلماذا لا يثور العرب ؟ واذا كان الغير قد تحالف مع الروس أو مع فرنسا، فلماذا لا يتحالف العرب مع الانكليز؟ان التيارات السياسية والراديكالية والقومية والاسلاموية التي جاءت من بعد فيصل الأول وقفت كلها ضده، وأساءت الى تاريخه والى اسرته، اذ تغّير تقييم الناس له كشخصية تاريخية مع الزمن، تبعًا للظروف والمصالح والمؤدلجات .
ثامناً :
وأخيراً ، أقول : فيصل الأول لم يكن ملاكًا ولا شيطانًا. كان رجلًا واقعياً وزعيما ذكيّاً في زمن مضطرب، انتصر في منجزات عدة وفشل في أخرى .. حاول أن يصنع شيئًا كبيرًا وسط عواصف مضادة وصراعات داخلية. وربما لو أُعطي وقتًا أطول، لكان التاريخ قد أنصفه أكثر. هذه رسالة أرسلها الى أحد أولئك الذين يكرهون فيصل الأول ويشّوهون تاريخه للأسف الشديد بلا وازع من ضمير واخلاق ..





