جنايات المرئيات العربية وشبكات التواصل العنكبوتية – ا.د. سيار الجميل

كنتُ قد نشرت مقالاً مطوّلاً في مجلة روز اليوسف المصريّة العدد 4272 بتاريخ 24 أبريل/ نيسان 2010 بعنوان “جناية الاعلام المرئي العربي على الذاكرة التاريخية “محللاً جملة من المخاطر التي ستعبث بمجتمعاتنا وثقافتنا وذاكرتنا التاريخية وانقساماتها المذهبية ، ولما تفاقمت الاخطاء اليوم بعد قرابة 15 عاماً ، أعيد نشر بعض المخاطر على مشرحتي النقدية ..
مخاطر الإعلاميات المرئية والافتراضية
ثمّة ملاحظات نقدية عن الإعلام المرئي العربي المعاصر ممثلا بالقنوات الفضائية وشبكات التواصل العنكبوتيةالتي يفترض أن تكون افتراضية.. وما خلقته في مجتمعاتنا من الإثارة والضجيج وفبركة الموضوعات واللهو أو الاستعراضات والادعاءات ونشر الاخطاء والاكاذيب أو المكررّات الساذجة .. الخ ، بل تعدّ اليوم مفسدة أساسية في تربية الأجيال وفشلها في تصويب الأخطاء، ومراقبة الأداء، ونشر الرأي العام، وقد تتابع الأحداث وتنقلها ، ولكن اغلب انشطتها سياسية ودينية تؤدي ادوارا انقسامية تنعكس على المجتمع .. وقد تفاقم دور شبكات التواصل عبر برامجه المتنوعة وهو يتشعّب بما له وما عليه في عالم الانترنت الذي بات الناس لا ينفصلون عنه ليل نهار وما يخلقه من هول التباينات.وقوة التأثيرات بادمان الملايين عليه ! إنّ التعبير الإعلامي المرئي والافتراضي عن سياسات وأجندة معينة بات مفضوحاً للجميع، ولقد أباحت أغلب هذه الوسائل نشر ما يروق لها وما لا يتفق معها وتخضع للامزجة والعلاقات واغراض أيديولوجية أو عاطفية أو مذهبية وطائفية بإثارتها المواقف واستدرارها المشاعر وتأليبها الرأي العام على حساب الحقائق الواقعية! كما هو حال الصحافة المعاصرة التي تفتقد الاستقلالية والحيادية، إلا ما ندر!
حرب مرئية واقعية وافتراضية شرسة ضد الحياة المستنيرة
لقد اكتسبت بعض القنوات الاعلامية والافتراضية شهرتها بما تثيره ادوارها من تشهير وإثارة وسخرية وتعليقات صارخة مستفزة للأعصاب والعواطف. إن ضغوطات عدّة تمارس من أجل إخفاء معلومات، وإن رشاوى تدفع من أجل تزييف أو فبركة صور ومعلومات أخرى وتلميع شخصيات . إن ما يعدّ من اتفاقات واختيارات وتحضيرات واتصالات وراء الكواليس.. تنبؤنا عن تشويه مقصود للحقائق التي يتصوّرها الناس واقعية وثمّة احترابات خفيّة وعلنية بين القنوات من أجل ان يحقق كل طرف غرضه بعيداً عن كلّ شفافية ومصداقية! لقد ابتليت المجتمعات عندنا في الشرق الاوسط كله بـ (مافيات) تجمعها مصالح مشتركة وأجندة بليدة ، لتبّث برامجها التعيسة ليل نهار ليتلقاها الناس ، كما لو كانت حقائق وثوابت .. وما هي إلا دعايات وشعارات وأكاذيب وتلفيقات لا أساس لها من الصحة .. بل وان الأخطر عندما تروّج مفاهيم وأفكار باسم الدين مرة أو الطائفة مرة أو باسم أحزاب وجماعات لا علاقة لها أبدا بمنطق الأشياء .
إن ثمة برامج وملتقيات سياسية ودينية وثقافية يقدمها اعلاميون ومعممّون وأشباه مثقفين يستخف بعضهم بعقلية المشاهد والمتلّقي، فيقدّم ما لديه بكلّ سذاجة وفجاجة، مع هول الأخطاء اللغوية والجغرافية والطبوغرافية وحتى في الثقافة العامة.. وبالرغم من أن بعض الضيوف لهم تحليلات جديرة بالتقدير. ولكن ثمة من يطلق عليهم بمحللين وخبراء ومفكرين، وهم لا علاقة لهم بالموضوع أبدا، بل لأن بعض تلك الأسماء تمتلك شهرة مناصبها السابقة، أو شخصيات هرمة كانت لها أدوارها قبل خمسين سنة وهى اليوم خارج التاريخ ولا تكف أن تبنى لها أحلاما في الهواء! لكن من أسوأ ما يشهده هذا الزمن ما يتقوّل به المعممّون من رجال دين وما يقدمونه من اوصاف ولعنات وشتائم ودورهم في بث الانقسامات واثارة الفتنة والكراهية .. ولا احد يردعهم ! وهم يقومون بتضليل الناس التي تسمع تفاهاتهم وتعليقاتهم الفجة ومعلوماتهم الخاطئة، ولغتهم البذيئة واوهامهم وخزعبلاتهم واكاذيبهم.
السؤال الآن: هل ثمة علاجات حقيقية لهذه الخطايا المرئية والمسموعة ؟
يعد الفيسبوك واليوتيب وبقية مفاصل الشبكة العنكبوتية من ارقى ما توّصلت له البشرية ، ولابد ان يوّظف توظيفا عمليا واخلاقيا وتربويا وبنائيا فضلا عن اغناء ارشيفه المكتنز بالمعلومات والنصوص والمواريث والمرئيات . وعليه لابد من تجديد منظومة المرئيات العربية، فالتغيير لابد أن يحصل في كلّ مرافقها.. وتبديل أنماطها من حالاتها البائسة التي ملّها الناس إلى أنماط جديدة من الموضوعات، فليست الحياة كلها تعليقات (وتحليلات) من اسموهم بخبراء استراتيجيين مزيفين يسمع الناس تفاهاتهم ، فقد باتت مجتمعاتنا بحاجة إلى إصلاحات جذرية وموضوعات وتحليلات معمقة يقوم بها مختصون أذكياء! كما أن الجيل الجديد لا يعرف من مرئيات اليوم إلا الانغلاق والسذاجة أو الفجاجة واللهو والتشوّهات والاستعراضات الصارخة.. والمماحكات الدينية الطائفية ومكرراتها! لابدّ من برامج موسوعية عليا تطور من عقليته وتشحذ طاقاته وتصقل إبداعاته بدل نزق برامج وحوارات سخيفة تأكل الزمن وتضعف الحياة وتشغل التفكير وتميت الأعصاب وتشّوه الأذواق.. إن الاجندات المسؤولة عن المرئيات ملزمة أخلاقياً بأن تطوّر رؤيتها وتفكيرها وأساليبها وأخلاقياتها في التعامل مع مجتمعاتنا وأجيالها القادمة مع مهام تربوية من اجل الاهتمام بالمستقبل والكفّ عن تشويه المعلومة والتاريخ والذات والاخر مع احترام الرموز والمبدعين ومقاضاة كل من يسبّ ويشتم ويقوم بالتجريح .
وأخيرا : لا ننكر أبداً أن ما حدث في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين في الإعلاميات المرئية، إذ يعد ثورة حقيقية في المعلومات والرأي والأفكار والأخبار من خلال تطوّر الميديا الحديثة وشبكة المعلومات الدولية، وأصبح العالم صغيرا، بل انكمشت مجتمعاتنا نفسها بعضها على الأخر، وكل يوم يمضى تتّكشف كلّ مخفياتها ومسكوتاتها وأسرارها التي اختزنتها لأزمان طويلة! وكان ينبغي على مرئياتنا وشبكات التواصل أن تكون أكثر حرفيةوذكاء وأداء في معالجة واقعنا الذي لم يعد يحتمي بالمستورات ويكشف أكثر عن كلّ أسراره الجميلة والبشعة! لقد غدت ثورة المعلومات والاتصالات والمرئيات أهم وسيلة لفضح مخفيّات مجتمعاتنا برمّتها، وكشف كلّ المستورات.. وبدا الناس يتعّرفون لأول مرة على كنه مجتمعاتهم وما تتضمّنه شرائحها وبيئاتها وجهوياتها من عادات وتقاليد وطقوس غير مشتركة .. بل إن الواقع كله بدا منفضحاً ومتعرّياً بكلّ ما فيه من أدران ومشكلات ورزايا.





