تفكيك مفاهيم: ستحيا مجتمعاتنا حياة جديدة ان تحررّت من الايديولوجيات ! ا.د سيار الجميل – كندا

سيّار الجميل
أولا : لم تبق الأيديولوجيات سائدة الّا عند الأغبياء
قلتُ قبل أيام في نهاية محاضرة قدمّتها في اجتماع هيئة دراسات المستقبل لمناسبة استقبال العام 2025 : سينتهي بعد عام الربع الأول من القرن الحادي والعشرين ، ولا يمكن لمجتمعات الشرق الأوسط التخلص من مشاكلها وتناقضاتها الا يتوقفها عن أطواقها الايديولوجية وسيتوقف تراجعها نحو الوراء وانحدارها بسرعة هائلة نحو القيعان عندما تتحّرر من أيديولوجيات مستوردة وماضوية كانت ولم تزل وراء عفونة العقل ، وجمود التفكير ، وافتراس مشروعات التقدّم في حين نالت مجتمعات أخرى خطوات واسعة في التقّدم وتسارع النمو التاريخي .. عندما سئلت قبل عشرين عاما مع بدء عام 2005 عن البداية الحقيقية لانطلاق مجتمعاتنا .. أجبت : توقّعاتي تقول بأنها ستكون عام 2039- 2040 ، فلم يتّقبل البعض ما قلته واستطرد قائلاً : انك متشائم جداً ، فنحن سنحقّق قفزة ديمقراطية كبرى في العراق وستلحق بنا الدول العربية ( كذا) ! أجبته ساخراً .. دع الأيام تمضي وسنرى هل تصدق رؤيتك التي تشبه أحلام العصافير !
ثانيا : تفكبك مفهوم ” الايديولوجيا “
هنا أتوقف قليلاً في محاولة لتفكيك بعض” المفاهيم” التي باتت عقول من يحملها متصلّبة كالحجر . باختصار : أتمنى مخلصاً أن تزول هذا العام 2025 أية ايديولوجيا قاتلة .. فينبغي على مجتمعاتنا أن تحيا بلا ايديولوجيات . إن الحقوق والحريات، تحددان تقدّم أي مجتمع، وإن النظام والقانون يحدّدان مكانة أية دولة، وإن البيئة والثقافة، عاملان يحددان تقدّم أيّ نخبة، وإن الذهنية والسلوك يحدّدان شخصية أيّ إنسان! تعلّمت هذا منذ زمن طويل، ولكن دولنا ومجتمعاتنا فى جميع أوطاننا هى أضعف بكثير مما رسمناه فى مخيلتنا لها من أوهام العظمة والتباهي والمجد كما تعلمناها فى أناشيدنا المدرسية الكاذبة ! لعلّ من أقسى السيناريوهات التى علمونا إياها فى المدارس منذ عشرات السنين: محاربة العادات والتقاليد البالية. ومن غدر الزمن أن تغدو اليوم تلك العادات والتقاليد أصيلة يفخر الناس بها وبممارستها وتتشبّث الحكومات فى حمايتها بقوانين تحت ذرائع الأصالة والتراث.. ومن تحت شقوق هذا الباب هبّت علينا كلّ القيم السقيمة وابتلينا بكلّ ما جعلنا نتأخر فى سلم الأولويات.
ثالثاً: الايديولوجيات سياسية بحتة عقيمة لا علاقة لها بشرف الاوطان !
أدعوكم لنفكّر معاً وان أحببتم ان نحاور بعضنا الآخر في هذا ” الموضوع ” دون الخروج عنه ..
وتعريف “الايديولوجية” يختزل بكلمتين اثنتين فقط، فهي : العقيدة السياسية ” وقد اعتمدتها الاحزاب والتيارات وهي تتعلّق بشخصية معينة وفكرة ما لتغدو ” ايديولوجية ” والأيديولوجيات كلّها بدأت أفكارها بعيد الثورة الفرنسية حتى اليوم . والايديولوجيات لا علاقة لها لا بالاوطان ولا بالتقدّم حتى تصل الى حدّ التقديس .. لقد أستخدمت بعض الايديولوجيات لخداع الشعوب للوصول الى السلطة مهما بلغت الأثمان من قبل التلفيقيين باسم التوفيقيين واذا اقتنع بها وآمن بها فهو يقدّمها على كل ما يؤمن به .. انّ كثيراً من مستوردي الايديولوجيات الى مجتمعاتنا العربية لم يأخذوا بالحسبان بيئات أوطانهم وثقافات مجتمعاتهم ، وثمّة من تأثر بالنازية والفاشية فراح يصنع له ايديولوجية معينة ، ونجح في تسويقها ولكنه فشل في تطبيقها .. وهناك من كان طالباً يافعاً في معاهد بريطانيا وفرنسا والمانيا ليعجب بالفابية أو يشغف بالاشتراكية أو يستهويه كارل ماركس أو هتلر أو موسليني أو ماوتسي تونغ او لينين وغيرهم جاءوا بافكارٍ سياسية ليؤسسوا حركات واحزاب سياسية ويصبغونها بالوطنية أو القومية أو التقدمية أو الاشتراكية ويطلقون عليها التسميّات نفسها فأقصى اليسار رفض التراث كله وأراد اشاعة التقدّمية في مجتمع متخلّف ، وآخر استورد أفكاره من اوروبا ومزج فكره برسالة الاسلام ، فلعب لعبته في مجتمع لا يعرف التوازن ، وآخر لبس قميص الديمقراطية وبقي يردّدها وهو ليس باستطاعته الرد على من يخالفه في مجتمع متناقض لا يعرف معنى الديمقراطية! واستعار بعضهم مصطلح الاشتراكية ليوهموا الناس باجراءاتهم التي عبثوا من خلالها بمجتمعهم واخترعت “الاشتراكية العربية” من دون أن تمرّ مجتمعاتنا العربية بالمراحل التعاونية ولا الطوباوية ولا الساسيمونية ..
رابعاً: من أيديولوجيات معلبّة الى أيديولوجيات مصنعّة الى أيديولوجيات مقدّسة
كلّ هذا جرى بعد الحرب العالمية الثانية أيام الحرب الباردة التي عكستها قوى وأحزاب باتت تصارع واحدتها الأخرى . وعندما أصفها بالأيديولوجيات المستوردة كونها انتقلت معلبّة من اوروبا الينا .. بل وجعلوها عربية خالصة واسلامية ناصعة ! فهذا يرفع شعار الوحدة وسياسته تمزّق الاوطان ، وجعلوا رسول الاسلام اشتراكيا ! الرئيس عبد الناصر استنبط ايديولوجية ” الشعب العامل” وحّول بلده الثري فقيراً مقنّناً الأكل على الناس.. وصدام حسين يخرج علينا بايديولوجية أسماها “نظرية العمل” وهي مستلبة .. ومعمّر القذافي يخرج علينا بأيديولوجية خضراء تافهة ، وهي خلطة قومية دينية سماها بعالمية ! وغيرها ايديولوجيات آنية مرتجلة أطلقها غيرهم وكلّها ايديولوجيات سلطوية عنيفة دمّرت الواقع وجعلته رهين الفجائع ، فقد أكلت الالاف المؤلفّة من الضحايا وكانت الناس تصفق لها ! واليوم ماتت بعد أن أطبقت عليها الايديولوجيات الدينية الماضوية بتوظيف الاسلام السياسي أي جعل الدين مجرد لعبة سياسية ، فهذه أيديولوجية اخوانية والاخرى تحريرية وهناك سلفية ودعوية ثم تفوقت الايديولوجية الخمينية على بقية الايديولوجيات الماضوية كي نجد بعد العام 1979 مزرعة أيديولوجيات دينية بدءاً بالتكفيرية مرورا بالخامنئية ووصولا الى الداعشية .. الخ كلها ايديولوجيات جعلت العقيدة الدينية عقيدة سياسية ، وعاثت باسمها فساداً في الارض ، ولم تزل تداعياتها كبيرة .. انّ المشكلة الأساسية ليس فيها فقط، بل في المؤمنين بهذه أو تلك ، فكلّ فصيل له ايديولوجية يدافع عنها ، ولم يزل يعمل لارجاعها الى السلطة .. ان الأيديولوجيات ماتت برمتها ، ولكن لم تزل تحظى بعدد من المؤيدين لها علماً بأنّ القديم لا يمكن ارجاعه الى قدمهِ.. فلا يمكن بعد اليوم اعادة ايديولوجية ميشيل عفلق ولا ايديولوجية عبد الناصر ولا القذافي كما لا يمكن اعادة ايديولوجية انطون سعادة ولا ايديولوجية بورقيبة ولا ايديولوجية بن بيلا .. الخ الايديولوجية الوحيدة التي بقيت حية ترزق بعد مائة سنة وحتى اليوم هي الكمالية في تركيا التي لم تزل تحيا بها تركيا المعاصرة وكان وراء تأسيسها مصطفى كمال اتاتورك قبيل الحرب العالمية الثانية . سألتني احدى طالباتي يوما : هل الايديولوجيات العربية صادقة وهل ستبقى ؟ أجبتها : الايديولوجيات تموت بسرعة في هذا الزمن .. ان بناء مؤسسة نافعة او بناء معمل ينتج أو بناء جامعة علمية .. فان كلها تبقى طويلا في خدمة المجتمع . أما الايديولوجيات فانها ترحل مبكرة مع المتغيرات السياسية .
خامساً : هل نتعّلم من العالم ؟
لم تكن لزعماء ناجحين في العالم ايديولوجياتهم السياسية كي يعبثوا بمجتمعاتهم ، بل كان العكس هو الذي حصل سواء عند نهرو وانديرا غاندي في الهند ، أو في تجربة لي كوان يو في سنغافورة ، أو عند حركة مهاتير محمد في مملكة ماليزيا أو مثال نيلسون مانديلا في جنوبي افريقيا وغيرهم وأخر ما أقول : انّ العالم كلّه في الشرق والغرب قد تخّلى عن هوس الايديولوجيات بعد موتها برحيل عناصرها في حين لم يزل عالمنا في الشرق الاوسط وحتى اليوم تتحكّم فيه المؤدلجات السياسية على حساب بناء الأوطان. فمتى ما تحرّرت بلداننا من الأيديولوجيات فقد أبصرت طريق المستقبل .





