أين الخلل البنيوي في المجتمع العراقي المعاصر ؟سيّار الجميل

مقدمة : تشخيص الخلل البنيوي
ما أطرحه سؤالٌ تشخيصيّ جاد من أجل الإجابة عليه بأمانة .. وليس اطلاق مجّرد أحكام انفعالية ، وهذا مهّم جدًا ذكره . ولكن الأهم يكمن في معالجته إن أردنا دراسة الخلل الكامن في المجتمع العراقي من خلال ما نسمعه ونشهده كل يوم من الأمثلة والنماذج والمشاهد ان انساق هذه ” البنية” غير متسقّة ولا منسجمة .. صحيح ، فيها قدر كبير من الجماليات والايجابيات ، ولكن في المقابل ، فهي مصابة بأكثر من خلل وفوضى وارتباكات وتناقضات معقدة ومثالب وتقلبات وعناصر متباينة لها منتجاتها الصعبة . لكن بادئ ذي بدء ، علينا أن نفصل بين الأعراض والأسباب البنيوية.. أحاول أن أقدّم لكم إطارًا تحليليًا واضحًا غير مشبّع بالمجاملات والمفاخرات .
أولا : ما الذي نراه اليوم؟ (الأعراض) من خلال مفاهيم ومنطلقات علمية ؟
ما يظهر في الإعلام ووسائل التواصل من: لغة سوقية وفجّة مع تباهٍ بالفساد أو العنف أو “التحايل” مع سرد حياة قائمة على القهر أو الجريمة أو الانحراف دون وعي نقدي وغياب الشعور بالعار الاجتماعي .. هذه ليست صفات فطرية، بل نتاج بيئة توطّنت فيها الأمراض المزمنة طويلة الأمد.
يلخّص إميل دوركهايم Émile Durkheim– الأنومي (Anomie) المفهوم السوسيولوجي عنده بحالة فقدان المعايير والقواعد. اذ يغدو المجتمع لا يعرف ما هو الصواب أو الخطأ. وهذا ما ينطبق على العراق حقيقة ، فلا قانون يُحتَرم ، ولا عرف جامع ، ولا تاريخ موحد ، ولا دولة أخلاقية تتحكم ، وتنتشر الفوضى الأخلاقية والكلام بلا ضوابط مع انكسار العيب .. أما ميشيل فوكو Michel Foucault– ، وخصوصا في فلسفته ” تفكك الخطاب والسلطة” فقد رسّخ بعض المفاهيم: ذلك ان الخطاب = سلطة ، فمن يملك الكلام يملك تشكيل الواقع .. وهذا ما وجدناه في العراق عند انتقال الخطاب من: الدولة → الشارع ومن المؤسسة → المنصة . وانعدام الضبط . وقد أنتج ذلك كله : كلامًا فوضويًا واعترافات بلا وعي وتمجيد القبح وغياب الادب والاحترام على حساب العقاب وقوة الجهالة تأكل المعرفة . أما هانا آرندت Hannah Arendt – في فلسفة تفاهة الشر لها عدة مفاهيم : فالشر لا يُرتكب دائمًا بدافع الشر، بل بالاعتياد. حين يصبح الفساد “عاديًا”. وهذا ينطبق تماما على العراق: فثمة أشخاص يتحدثون عن القهر أو الإيذاء أو الفساد بلا إحساس لأن الضمير تخدّر تاريخيًا ، أو اعتاد على السباب والشتائم لأن تربّى على صبّ اللعنات في المعابد .. الخ
اما زيغمونت باومان Zygmunt Bauman– في كتابه الحداثة السائلة Liquid Modernity فيطلق مفهومه الذكي انهيار الثوابت وسيولة القيم والهوية وابتذال المعاني وتجزئة الهوية .. كما نراها واضحة جلية في المجتمع العراقي اذ لا هوية مستقرة ، ولا معنى طويل الأمد .. واللحظة هي كل شيء → صراخ، بذاءة، استعراض وابتذال وتنطّع ونرجسية ..
ثانياً : أين الخلل البنيوي في المجتمع العراقي؟ ( المضمون)
1. تحطيم الدولة قبل تحطيم المجتمع
العراق لم يمرّ فقط بحكم جائر، بل عاش أزمنة مشبّعة بقضايا أمنية وقمعية وكسر ظهور الاتجاهات السياسية المختلفة مع سلسلة أزمات اقتصادية وحروب متتالية وحصار مهين وانتهاكات اجتماعية وسقوط الدولة كمؤسسة أخلاقية وقانونية ..وحين تسقط الدولة بأيدي أناس من الشراذم والطفيليين والرعاع ثم الملالي والتافهين ، ويصبح بعض الساقطين شيوخاً ومسؤولين وذوي رتب عليا وكبيرة : يسقط القانون ، وتسقط القدوة ، وتسقط القيم والاخلاق ، ويصبح “الأقوى” هو النموذج ، ويصبح الأفضل والأذكى هو الأدنى في مجتمع معقّد جداً لا يحترم نفسه .. والمجتمع الصعب لا ينهار فجأة، بل يُستنزف استنزافاً طويلاً .
2. ثقافة البقاء بدل ثقافة القيم على مدى عقود من الزمن :
النجاة أهم من النزاهة، ويغدو الطعام أهم من الكرامة، والسكوت أهم من الصدق ، والخوف آمن من الشجاعة في بلد غابت عنه العدالة وفجع المجتمع بالتمايزات والطائفية من أخطرها .. فتتشكّل عقلية: “افعل ما يلزم لتعيش، لا ما ينبغي لتكون إنسانًا”. هذه العقلية تنتج خطابًا فظًا؛ لأنّ اللّغة انعكاس للداخل ، فيخرج اليوم علينا هذا وذاك بلا حياء ولا خجل ليعترفوا بالاثام البشعة التي كانوا هم أنفسهم جزءاً منها .
3. تفكيك الطبقة الوسطى
هذه الطبقة الوسطى هي التي كانت حاملة الذوق العام وحارسة اللغة وتضمّ كلّ القوى الفاعلة والمثقّفة والوظيفية في الدولة والمجتمع .. وبها يعتدّ ، وعليها يعتمد كونها ميزان الأخلاق اليومية وكل المنتج الابداعي .. وفي العراق: أفقرت هذه الطبقة وهُجّرت وأُقصيت وحوربت تحت تصنيف غبي هو “البورجوازية “، فبقي المشهد العام بيد: المهمَّش الغاضب أو المنتفع الوقح أو أولاد الشوارع من الشواذ ومن سقط المتاع ومن الشقاة والمجرمين والقتلة، ولم تتحقق الاشتراكية، اذ بقي العراق يعجّ بالفقراء والمحرومين على امتداد أزمنته السياسية.
4. ترييف المدينة وتطييف الهوية :
ليس المقصود الريف كإهانة، بل: نقل منظومات قيم مغلقة ، وبعضها بدائية إلى فضاء مدني دون تهيئة واعية ولا مثقفة .. فتبلور استبدال الهوية الوطنية بهويات ضيقة (طائفة، عشيرة، جماعة) وبدت النتيجة تطفو على السطح : خطاب عدواني او استعدائي، او تفاخر عشائري وفخر بالقوة لا بالقانون بنشر اعراف بدائية مثل الفصل في دواخل المدن ، واستخدام لغة بذيئة لا لغة حوار، واصوات أجشّة، ومخارج حروف عوجاء، وألفاظٍ غير مألوفة، وكلمات بذيئة، واوصاف خارجة عن سياق الادب، ولغة جسد منحرفة .. وجرى ذلك عندما غدت المؤسسات بأيدي هؤلاء ! ويصاب الانسان السوي بالقرف من امّعة طار صيته على الشاشات مؤخّراً كونه شيخ من الشيوخ ، وأنه لم يحفظ العهد ، ووشيَ بمن احتمى به بعد 24 يوماً اذ كان ربيبهم وخادمهم ( و …….. ) على مدى عقود من السنين ، وهو من أصل مجهول لا مشيخة لعائلته وهو من النازحين.. وجلس يتبجّح بتفاهاته وجهالته لساعات طوال عن سيرته وسيئاته مما أشعرني بالخجل كونه من المتطفلين على مدينة متمدّنة ، وقد حسب عليها ظلماً وعدواناً ، ولم يكن هو وكلّ عشيرته لا في العير ولا في النفير لولا النظام السابق، وممّا أضحكني جداله مع المذيع الذي منحه قيمة أكبر من حجمه بكثير وهو يصطنع وطنية مزيفّة : “ان بغداد لم تسقط أبداً عام 2003 ” !!
5. انكسار مفهوم العيب في المجتمعات المتماسكة:
القانون يردع ، والعيب يكمّل الردع .. لكن في العراق: القانون غائب والعيب كُسر بفعل الفوضى والإعلام الرديء ، فصار التبجّح بالسوء “جرأة”. والفساد ” شجاعة ” و ” الاستحواذ على مال الدولة ” حلال ! ولا تفيد مع ذلك اية لغة ، فالجاني يمتلك أدوات القباحة وكان يكثر وصفه عراقياً مثل هذا النموذج بـ “الرقيع “. لقد غدا الأمر مباحاً، فمثلاً يتمّ تأويل ما يقوله كاردينالاً عراقياً معروفاً في العالم ، ويطعن به ويساء اليه في بلده الذي يتفاخر البعض بأنه يسير في طريق الديمقراطية والحريّات ! مجتمع تزداد فيه البذاءة، والصلافة، والسفاهة والتنطّع في الخطاب العام وتمثيل الأدوار في أقنعة الوطنية المزيفة.
6. موت المنافسة الشريفة ونضوج الكراهية وتعفّن العلاقات اللاانسانية.
اهترأت العلاقات الانسانية وقيم المجتمع الأصيلة بما فيها دفن صداقات بين مثقفين كانوا مخلصين لبعضهم الآخر قبل خمسين سنة ، ولكن فقد بعضهم أخلاقه بين الناس وامتلأ بالعقد النفسية بحيث أخذ يطعن بصديقه أو يسيئ سمعة زميله القديم بفعل الغيرة والاحقاد وبشكلٍ منقطع النظير. وقد عمّقت الخلافات هذا المجتمع نفسه، وقد يحرص الآصفياء الالتقاء بالخبثاء كي يرمقونهم بعيون زائغة فقط ، لما لذلك من معنى كبير ، فيهرب هؤلاء من أمامهم !! ان تفكك العلاقات الاجتماعية وتفاقم الافتراقات من عيوب المجتمع.
ثالثاً : لماذا يتكلم هؤلاء اليوم بلا حياء؟
لأن: المنصّات كافأت الصدمة لا الحكمة ، ولا توجد مرجعية أخلاقية جامعة ، ولئن الجراح لم تُعالَج فقط، لكنها تُركت لتتعفّن وتفسد .. فان المخطئين بحق مجتمعهم واهلهم واجيالهم نتاج عفونة في محيط تأكله العفونة مع توالي السنين، وطريقتهم التي تزداد سوءا ولا يمكنها العيش الّا بالادعاءات والأكاذيب والتزويرات واستعراض البطولات والتنّمر والتقلّبات في المواقف بين الأنظمة السياسية وشراء الذمم وبيع المناصب واستحواذ طبقة معينة على الحكم وترديد أسطوانة ” يعيش ويسقط ” !
رابعاً: كيف تدرس الخلل من خلالهم؟ مع خلاصة مكثفة
هنا أنصح الباحثين والمثقفين العراقيين والعرب عموما بالتجّرد من العواطف في فهم الحالات الصعبة لمجتمعاتنا ، وأنصح بالنظر إليهم باعتبارها: وثائق اجتماعية مدانة لا نماذج أخلاقية يحتذى بها انعكاسًا لـ: قسوة الحكم ، وفشل التعليم ، والانغلاق السياسي ، وفوضى المجتمع، وغياب العدالة، وتشويه الذاكرة الجماعية والتعصبات الطائفية ..واسأل عند سماعهم على الشاشات : ما الذي جعل هذه اللغة البشعة ممكنة؟ ما الذي كُسر سلوكيات الإنسان قبل أن تُكسر كلماته؟ من صمت طويلًا حتى لم يعد يعرف كيف يتكلم إلا بالصراخ او بالسباب او بالأوصاف البذيئة ؟
خامساً: خلاصة موقف
الخلل في المجتمع العراقي ليس في:”أخلاق الناس” عموماً ، كما عرفتها البشرية قاطبة ، فشمائلهم كبيرة، وابداعاتهم رائعة، وفضائلهم معروفة.. بل في الامراض البيئية والاجتماعية التاريخية المزمنة التي لا علاج لها الا حكم القانون، والتربية الاخلاقية ، والانظمة المدنية بعيدا عن الاعراف العشائرية أو المرجعيات الدينية : فالمنظومة التي كافأت الأسوأ وقمعت الأفضل على امتداد زمن طويل بلا عدالة أو قانون ، وبلا تمايزات اجتماعية ، وبلا معاني حضارية، وبلا تربويات أخلاقية .. وقد نجد كوارث شبيهة في أجزاء اخرى من مجتمعاتنا العربية، ولكن بدرجات متفاوتة .. وما تسمعه اليوم هو أثر الزلزال، لا الزلزال نفسه. ومن المؤكد ، أن يطالبني البعض بالعلاج أو بأساليب خروج المجتمع من ورطته وركام مشاكله .. وهذا البعض لا يدري كم كان الهدم سهلاً ويسيراً وطويلاً، ولكن إعادة البناء صعبة جداً وبحاجة الى أجيال تتوارث الاخلاقيات والسلوكيات المتمدنة .
انتظروا الحلقة القادمة .. تتمة لها ” المقال” .





