الكراهية بين الشعوب والأمم في تاريخ البشرية -سيّار الجميل
مجتمعاتنا اليوم بين الماضي الصعب والمصير الغامض
أولا : هل تحب شعوب العالم بعضها الاخر ؟
تعتمد محبةالشعوب لبعضها الآخر على عدة عوامل أهمها التاريخ المشترك موازيا أو مقاطعا ، وصراع المصالح وتحديده طبيعة العلاقات والمستويات السياسية والثقافية . ربما يعتقد البعض بأن كلّ شعوب العالم تسودها المحبة بلا استثناء، ولكن الحقيقة ان البشرية كلما تقدّمت حضاريا سادها العقل في التعايش أو كما كان يسميه الراديكاليون بـ “التضامن داخل المنظومة الاشتراكية “، ولكنهم يكّنون كراهية عمياء للعالم الحر. وهذا الأخير يميز نفسه باحتقاره العالم الثالث الذي يتصارع مع نفسه. اليوم انتجت ثورة الاتصالات عالما جديدا من الصداقات بين الناس من خلفيات متباينة عن بعد ولعب الإنترنت والفضائيات ووسائل التواصل دورًا كبيرًا في تقريب الشعوب المتحضرة ، وبالمقابل، لعب دوره في توليد احقاد وكراهيات في مجتمعات مغلقة التفكير مع زيادة توترات وصراعات بين بعض الشعوب، والتي قد تكون نتيجة تاريخ معقد أو سياسات حكومية تؤجج الانقسامات في النهاية، ترمومتر المحبة بين الشعوب ليس ثابتا، بل يتأثر بالظروف والجهود المبذولة لتعزيز التسامح والتفاهم.
ثانياً : المواريث الصعبة جعلت سلالات الشعوب تكره بعضها بعضا ؟
كانت الشعوب المجاورة لبعضها في حالة عداء وكره دائمين. بسبب المواريث التاريخية والمصالح المتضاربة او التعصبات الدينية والطائفية والعنصرية والاستعمارية .. وبنفس الوقت غدت معظم الدول المتحضرة اليوم تسودها المحبة والاحترام . ان مواريث الماضي كما يعلمنا التاريخ البشري أن الكراهية متبادلة بقوة مثلا بين اليابان والصين وبين الصين والهند وبين الالمان والفرنسيين وبين الفرس والعرب وبين اليونان والاتراك وبين الروس والجييك وبين الصرب والبوسنيين ..الخ في بعض الأحيان، تنشأ خلافات بين الشعوب المجاورة بسبب النزاعات الحدودية، ومظالم الحروب السابقة، مع التنافس الاقتصادي والتوترات السياسية، مما يولّد الشعور الجمعي بالعداء أو عدم الثقة تجاه جيرانهم. ومع ذلك، غالبًا ما يكون هذا العداء مؤقتًا أو مرتبطًا بمواقف سياسية أكثر من كونه مشاعر دائمة بين الشعوب نفسها. ولكن عندما تتاح الفرص للأفراد من بلدان متجاورة ، فنجد أنهم قادرون على بناء صداقات وعلاقات رائعة، وهذا ما يجعل العالم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى.
ثالثاً : من أجل تحقيق العدالة وتبادل المصالح وتنمية العلاقات
في كثير من الحالات، تراجعت العداوة والكراهية بين الشعوب التي سادتها الحروب في العصور الوسطى والعصر الحديث، ولكن هذا لا يعني أن النقمة اختفت تمامًا. فالتاريخ مليء بالصراعات التي انتهت بتوقيع اتفاقيات سلام أو تعاون، ولكن ما عكسته منتجات الماضي العقيم وتناحر الاضداد الحمقى خلقت أحقاداً عميقة كامنة في الذاكرة والمشاعر لدى شعوب آسيا خصوصاً في حين تخطّت الشعوب الاوربية المحن التي مرّت بها واتحّدت أوروبا الغربية بعد أن عاشت متصارعة ابان العصور الوسطى والعصر الحديث حتى الحربين العظميين ، فقد خاضت دول مثل فرنسا وإنكلترا وألمانيا حروبًا طويلة، لكن اليوم نجدها متحالفة ضمن الاتحاد الأوروبي ولديها علاقات قوية. نجد اليابان وأميركا بعد العداء العميق خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت الدولتان حليفين قويين متعاونين .. وهكذا بالنسبة الى ألمانيا وفرنسا تحولتا الى أقوى شريكين داخل الاتحاد الأوروبي وهكذا دول الاسيان . ومع ذلك، هناك حالات لا تزال فيها آثار العداء التاريخي قائمة، حيث تؤثر النزاعات القديمة على العلاقات الحديثة. ان ذاكرة الشعوب تحمل مشاعر عدم الثقة أو الاستياء بسبب الاستعمار أو الحروب السابقة، واعتقد ان هذه المشاعر غالبًا ما تتلاشى مع مرور الأجيال وتعزيز التفاهم والحوار بين الثقافات. بالتالي، يمكن القول إن العداوة القديمة بين الشعوب خفّت بشكل كبير، لكن في بعض المناطق لا تزال التوترات قائمة، وغالبًا ما تلعب التربويات والسياسة والإعلام دورًا في إبقاء بعض النزاعات حية.
رابعاً : شعوب الشرق الاوسط .. لماذا يكره بعضها الاخر لعوامل تاريخية؟
الكراهية أو التوترات بين شعوب الشرق الأوسط ليست ظاهرة ثابتة أو شاملة، لكنها موجودة بدرجات متفاوتة بسبب عدة عوامل متداخلة، منها دينية واجتماعية وتاريخية وسياسية. ومن المفارقات التي نجدها في شعوب الشرق الاوسط انها تكره بعضها بعضا ، ولكنها تعشق الغرباء وتبجل الخواجات. وبسبب العوامل التاريخية ، شهدت المنطقة مخاضاً من الحروب والصراعات عبر التاريخ، مثل الاحتلالات والاستعمارات الكولينياليةوالامبريالية،والانقلابات العسكرية والحروب الأهلية والنزوعات القومية والعنصرية والنزاعات الحدودية المزمنة والصهيونية وتأسيس اسرائيل وضياع فلسطين وتأججت الكراهية لما فعلته الصهيونية واسرائيل المتوحشة طوال القرن العشرين وحتى اليوم من توترات ومؤامرات واختراقات وحروب مستمرة في الضد مما جعل الشعوب الحرة تكرهها وتمقت سياساتها . ناهيكم عن إرث الحروب الأهلية والصراعات القومية، وتصدير الاسلام السياسي الايراني مما قاد الى اشتعال الحرب العراقية الإيرانية والحروب في لبنان وسوريا والجزائر واليمن والعراق والسودان، مما خلق انقسامات عميقة ستؤثر على الاجيال القادمة .
وبرغم أن السلام والمحبة هما جوهر الأديان كلها ، ولكن قوى وأنظمة سياسية استخدمت الدين كوسيلة ارهابية لتعّمق الانقسامات. فضلا عن صراع المذاهب الدينية القديمة التي لم تزل تحيا حتى اليوم ، قاد الى تهتكات اجتماعية وتأجيج الجماعات المتطرفة وتوظيفها للخلافات ونشر الفتن في بعض المجتمعات المنّوعة، ويتم تنشئة ابناء مجتمع معين على العداء والاحقاد بناءً على منطلقات فاشية أو طائفية، مما يعزز الصور النمطية السلبية. ويلعب الإعلام دورًا في تأجيج العداء والكراهية بين الشعوب بالتركيز على الخلافات بدلاً من احضار القواسم المشتركة. مع هزال التفكير وانعدام الوعي وضعف الحوار والتبادل ، مما يؤدي إلى سوء فهم متبادل.
خامساً :وأخيرا : هل ستدوم الكراهية نحو المستقبل في الشرق الأوسط ؟
ان سياسات بعض السلطات والأنظمة السياسية المؤدلجة توظّف الخلافات القومية والطائفية لتحقيق مكاسب سياسية، سواء عن طريق التفرقة أو التحريض وتتذرع بالمقاومة . وتستغلها التدخلات الخارجية (وخصوصا: الغربية والإقليمية) لتشعل الانقسامات عبر دعم فئات ضد أخرى وتخلق الكراهية لتعقبها الصراعات على النفوذ الإقليمي بين بعض الدول فزادت من حالة العداء بين الشعوب. وبرغم هذه التوترات، هناك العديد من الشعوب التي تربطها علاقات ودية وتاريخ مشترك من التعايش والود والتواصل ومع متواليات الزمن، ومع تعزيز الوعي الثقافي والانفتاح والتحضّر واستعمال العقل ، يمكن أن تتراجع هذه الكراهية في الشرق الأوسط ، خاصة عند الأجيال الجديدة ان تحقق الحد الأدنى من وحدة الكلمة والعدالة والحريات والتقدم . ان العرب بالذات مدعوون لبناء قوة فاعلة واحدة لها كلمة موحدة امام العالم من اجل المستقبل .






