زائرٌ مهم من العصور الوسطى يضلّ طريقه نحونا في زمننا !سيّار الجميل

1- حالة متخيلة
تأملت حالة انسان عربي مسلم مهم قادم الينا اليوم ، وهو من العصور الوسطى أي أنه عاش قبل ألف عام ، وهو يمشي بهيئته القديمة مشدوهاً في شارع مدينة كوسموبوليتانية متطورة . بدا أمام الناس بذهوله؟ ما الذي يمكنه أن يقوله؟ما سايكلوجيته وهو يقابل الناس بالبستهم ومعاصرتهم وعلومهم وثقافتهم ؟ ما الذي سينتابه وهو أمام التلفزيون او يرى طائرة عملاقة A 380 تقلع نحو السماء ؟ تجده متعجباً وهو في سوبر ماركت عصري ؟ كان بمنتهى الدهشة وهو يرى الناس تكّلم نفسها مع أجهزة الموبايل ؟ اطرق رأسه فجأة وهو يسمع الآذان مدويّا من جامع قريب ؟ الخ انطباعاته ووجومه بعد مرور 1000 سنة بينه وبين هذا اليوم . تأملته أحاكيه بمخيالية فلسفية لهذه الحياة التي تغيّرت بين زمنين في الفكر المقارن ، ولكن بينهما أزمنة لكل واحد منها مناخه وطقوسه وثقافته وأساليبه في الحياة، وهي مادة معرفية مثيرة للشغف والتفكير في الانسان والزمن.
2- زائر مهم من العصور الوسطى
في صباحٍ لا يشبه أي صباح، خرج من شقٍّ في الزمن رجلٌ مهم جدا عاش قبل ألف عام، كأن التاريخ لفظه فجأةً إلى رصيف مدينة عربية كوسموبوليتانية تعجّ بالالوان ولوائح زجاجية والفاترينات والضوء والسرعة. ثيابه من صوفٍ خشن، لونها بين الغبار والذاكرة، وعمامته ملفوفة كما لو أنها ما تزال تحمل رائحة طرقٍ ترابية وقوافل بعيدة. لحيته غير مهذّبة بمعايير اليوم، وعيناه… عيناه ليستا فقط متسعتين، بل زائغتين كأنهما تحملان صدمة ألف عامٍ دفعة واحدة.
وقف أول الأمر عند حافة الطريق. لا يفهم كيف تمشي العربات بلا خيول، ولا لماذا تلتهم المسافة بهذا العنف. يقترب، يتراجع، يرفع يده كما لو أنه يستأذن العربة الحديدية أن تمرّ. الناس من حوله ينظرون إليه بفضولٍ عابر: بعضهم يبتسم، بعضهم يظنه ممثلاً أو مجذوبًا، وآخرون لا يلاحظونه أصلًا وهذا أكثر ما سيؤلمه لاحقًا: أن يكون غير مرئي في عالمٍ لا يتوقف.
3- دهشته الأولى: السرعة
في عالمه، كانت المسافة زمنًا، وكان الزمن صبرًا. هنا، الزمن آلة. كل شيء يجري: السيارات، الإعلانات، الوجوه، وحتى الكلمات. يسمع لغةً هي لغته، لكن نبرتها سريعة، مقطّعة، مشحونة بمفرداتٍ لا يعرفها. يشعر أن اللغة نفسها أصابها ما أصاب المكان: تعجّلت، اختصرت، وتخلّت عن الوقار الذي كان يمنحها وزنها.
4- أمام الواجهات الزجاجية
يتوقف أمام متجر، يرى صورًا لنساءٍ ورجالٍ بملابس لا تشبه ما يعرفه. يحدّق في الزجاج، فيرى نفسه منعكسًا: رجل من زمنٍ آخر داخل إطارٍ من ضوء. يتلمّس القماش على جسده، كأنما يسأل: من منّا الحقيقي؟ أنا أم هذه الصور؟ وهل تغيّر الجسد أم تغيّرت العيون التي تنظر إليه؟
5- حين يرى الموبايل
يمرّ بجانبه شاب يحدّث جهازًا صغيرًا، يضحك، يغضب، يصمت. يقترب الرجل بحذر، يتأمل المستطيل اللامع. في عالمه، الصوت يحتاج مسافةً وزمنًا، والرسالة تحتاج رسولًا. هنا، الصوت يسكن في قطعةٍ من زجاج. قد يظنه سحرًا، ثم يتراجع عن التفسير السحري سريعًا: في داخله يقينٌ قديم بأن العالم منظم بقوانين، لكنه لا يعرف هذه القوانين الجديدة. سيقول ربما: “لقد أسروا الصوت، كما كنا نأسر الطيور.” ثم يسأل نفسه: من الذي أُسر حقًا؟ الصوت أم الإنسان؟
6- في السوبر ماركت
يدخل، فتستقبله برودةٌ غريبة، وضوءٌ لا يشيخ. رفوف لا تنتهي: فواكه من مواسم متعددة في لحظةٍ واحدة، خبزٌ بأشكالٍ لم يرها، لحومٌ محفوظة كأنها لا تخاف الفساد. يمدّ يده بتردد، يلمس علبةً، يقرأ كلماتٍ لا يفهم بعضها. يتذكر سوق مدينته: ضجيج الباعة، المساومة، رائحة التوابل، ووجوه يعرفها. هنا، السوق صامت تقريبًا، منظّم، بلا مفاوضة. الثمن مكتوب، لا يُناقش. سيشعر بأن العلاقات البشرية اختُزلت في أرقام، وأن الثقة-التي كانت تُبنى بالكلام والسمعة- استبدلت بآلةٍ تقرأ رموزًا وتصدر صفيرًا.
7- أمام التلفاز
يجلس في بيتٍ استضافه أصحابه بدافع الفضول والرحمة. يرون دهشته، فيفتحون جهازًا مسطحًا على الحائط. فجأةً، يتحول الجدار إلى نافذةٍ على عوالم: حروب، وأفراح، ووجوه، ولغات يطرب لأم كلثوم ويتابع أخبار الحرب الدائرة . يتراجع خطوةً، ثم يتقدم. في عالمه، الصورة ثابتة، مرسومة، تحتاج وقتًا لتُخلق. هنا، الصورة تجري كالماء. قد يقول: “إنهم يضعون العالم في لوح.” لكن دهشته لن تكون تقنية فقط؛ سيحسّ أن هذا السيل من الصور يسرق من الإنسان صبر التأمل، ويمنحه بدلًا منه فيضًا من الانطباعات السريعة . وفجأة ينتفض صارخاً : أنتم تكذبون كثيراً ، وقد جعلتم من تجليّات الدين بضاعة سياسية في سوق النخاسة !
8- حين يرى طائرة عملاقة تقلع نحو السماء
يرفع رأسه، كما كان يفعل دائمًا عند سماع صوتٍ غير مألوف. يرى جسدًا معدنيًا يشقّ السماء. الطيران كان في زمنه حلمًا أو أسطورة. الآن هو أمر عادي. يضع يده على صدره، بين الخوف والإعجاب. سيقول ربما: “لقد نافسوا الطير.” لكنه سيضيف في سرّه: “وهل صار القلب أخفّ حين صار الجسد أطير؟” سيسأل عن الثمن: ما الذي خسره الإنسان ليكسب هذه القدرة؟
9- الآذان يوقظه ويؤكد له بأن الروح باقية .
ثم، فجأةً، يرتفع صوت الآذان من جامعٍ قريب. هنا يحدث شيء مختلف. ينخفض رأسه، لا من الخجل، بل من الاعتراف. هذا الصوت يعرفه. هذا الإيقاع لم يتغير. في بحر التحولات، يجد جزيرةً ثابتة. سيشعر بأن الزمن ليس خطًا مستقيمًا فحسب، بل طبقات؛ بعضها يعلو فوق بعض، وبعضها يبقى في العمق، لا يمسه التبدل. ربما تدمع عيناه. ليس حنينًا فقط، بل دهشة من بقاء شيءٍ كما هو، في عالمٍ تغيّر كل شيء فيه.
10- سايكولوجيته: بين الذهول والدفاع
في دواخله، تتصارع آليتان: الذهول: كل ما يراه يكسر توقعاته عن العالم. الدفاع: يحاول أن يعيد ترتيب ما يراه ضمن مفاهيمه القديمة: السحر، القدرة الإلهية، الحيل، أو “صنعة” لم يعرفها سيحاول أن يفسّر الجديد بلغته القديمة، ثم سيكتشف حدود هذه اللغة. هنا يبدأ التحول الحقيقي، ليس في الأشياء، بل في قدرته على توسيع مفاهيمه. قد يقاوم، قد يرفض، وقد يحنّ إلى بساطةٍ كانت تمنحه معنى واضحًا. لكنه أيضًا قد يُفتن: بالطب، بالمعرفة، بقدرة الإنسان على حفظ الصوت والصورة، بتقريب البعيد.
11- ماذا سيقول لنا؟
لن يقول جملةً واحدة، بل أسئلة: كيف تحملون كل هذا دون أن تنكسروا؟ كيف تعيشون بلا وقتٍ كافٍ للتفكير؟ هل صارت الأشياء أوضح أم أن كثرتها جعلتها أكثر غموضًا؟ أنتم أقوى منّا اليوم ، فهل أنتم أقوى في السيطرة على أنفسكم؟ وأنتم بنو قومي، أريد أن أحاكمكم وأحاسبكم عما فعلتموه طوال زمنكم الخامل ! لا تهمني كل تشيؤاتكم ومسرداتكم ، فما زلتم تعيشون في هوامش الزمن .أين هي قيمكم ؟ أين منجزاتكم ؟ أين أخلاقكم ؟ أين هي المعاني السامية للانسان ؟ ما هذه الأقنعة التي تلبسونها ؟ لا تهمني موجوداتكم بل يهمني دوركم في هذا العالم .
12- وماذا سنرى نحن فيه؟
سنراه مرآةً. سنضحك من دهشته، ثم ننتبه أن كثيرًا مما نظنه “طبيعيًا” ليس كذلك، بل هو اعتياد. حضوره يعرّي بديهياتنا: لماذا نثق بالآلة أكثر من الإنسان أحيانًا؟ لماذا نسرع حتى نفقد المعنى؟ لماذا نملك وسائل الاتصال ولا نملك دائمًا القدرة على الإصغاء؟ في نهاية يومه الأول، سيجلس بصمت. المدينة لا تنام، لكنه يحتاج أن يفهم ويدرك حافات المعاني. سيكتشف أن الفجوة ليست ألف سنة فقط، بل فجوة في تصوّر الإنسان لذاته. بين عالمٍ كان فيه الإنسان جزءًا من نظامٍ كوني بطيء، وعالمٍ صار فيه قادرًا على إعادة تشكيل هذا النظام بسرعةٍ مذهلة. وربما، قبل أن يغمض عينيه، سيهمس: “لقد تغيّر كل شيء… إلا سؤال الإنسان عن معنى أن يكون إنسانًا.” فالانسان بلا تراكم هو ضائع لا يدرك ما العبرة ؟
13- ماذا قال هذا الزائر القروسطي ؟
قال : لم اعرف مدينتي نهائيا ولم أتعرف على أحفادي ولم أجد أهلي واصدقائي ومعارفي ولا حتى قبري .. كنت في زمن صعب جدا تألمت منه ودهشتني تشيؤاته ولكن خذلني قومي الذين تبدلوا تماما وفقدوا قيمهم وحولوا دينهم بتجلياته الى مستنقع سياسي .. وفي مواجهة المستحدثات، شعرت بعد ألف عام أنني أُلقى في عالمٍ يُدار بقدراتٍ تتجاوز الخيال القديم: صوتٌ يُحبس في صندوقٍ صغير (الراديو) ثم يُطلق ليملأ الفراغ، صورةٌ تُسرق من اللحظة وتُحفظ (الكاميرا) كأن الزمن صار قابلاً للتخزين، صوتٌ يتضخّم عبر الميكروفون حتى يغدو الإنسان أكبر من صوته الطبيعي، وسفنٌ لا تُقاس بالريح بل بالمحركات، وفنادق ومطاعم تقدّم العالم في طبقٍ واحد، ثم القفزة التي لا تُصدّق: إنسان يطأ القمر، واكتشاف عوالم جديدة لم تكن في خرائطه. سيبدو له أن الأشياء لم تعد أدواتٍ فقط، بل صارت قوى تعيد تشكيل الإنسان نفسه؛ فالعالم لم يعد يُعاش كما هو، بل كما تُعيد صياغته هذه الوسائط. دهشته لن تكون من كثرة الأشياء، بل من أن “الشيء” صار يصنع الإنسان بقدر ما يصنعه الإنسان.
14- ماذا تفيدنا هذه التخيلات وكيف تغنينا هذه الفلسفة ؟ انها من التفكر والتدبر ؟
في مواجهة المستحدثات، سيشعر القادم من ألف عام أنه أُلقي في عالمٍ يُدار بقدراتٍ تتجاوز الخيال القديم، ان دهشته لن تكون من كثرة الأشياء، وعظمة التراكم المعرفي، سيقف أمامه كجبلٍ لا تُرى قمته. سيُدرك أنّ كلّ جيلٍ يعيش على طبقاتٍ من معرفةٍ لم يصنعها وحده، وأن الإنسان، بلا هذا التراكم، كمن يبدأ كلّ صباحٍ من الصفر. سيخطر له أن ابن عصره لم يكن يتخيّل ما سيحدث بعد ثلاثين سنة، فكيف بثلاثمئة؟ هنا تتكشف له حقيقةٌ مُربكة: الجهل ليس نقصًا عابرًا، بل هو حدٌّ بنيوي في الإنسان؛ فنحن نعيش دائمًا على حافة المجهول، ونستعير من الماضي ما يمكّننا من العبور إلى مستقبلٍ لا نراه. عندها يفهم أن التقدّم ليس قفزةً مفاجئة، بل تراكم صبور، وأن كل معرفةٍ هي حلقة في سلسلة، إذا انقطعت ضاع المعنى وتاه الإنسان.
15- أعود اليكم سائلاً : ماذا قلنا ؟
وأما العِبرة، فهي أن هذه التخيلات ليست ترفًا أدبيًا، بل تمرينٌ عميق على رؤية أنفسنا من خارج زمننا. حين نتخيّل صدمة الآخر بنا، نكتشف صدمتنا بأنفسنا: ما نظنه بديهيًا هو في الحقيقة بناءٌ تاريخي، وما نعدّه تقدّمًا يحتاج دائمًا إلى سؤالٍ أخلاقي ومعنوي. هذه الفلسفة تُعيد إلينا فضيلة التفكّر والتدبّر؛ تُبطئ إيقاعنا لنرى ما وراء السرعة، وتُذكّرنا أن الإنسان ليس بما يملك من أدوات فقط، بل بما يفهمه من معنى. إنها تُغنينا لأنها تُعلّمنا التواضع أمام الزمن، وتمنحنا قدرةً نادرة أن نعيش الحاضر بوعيٍ أنه عابر، وأن نُسائل المستقبل ونحن نعرف أننا لن نُدركه كاملًا.





