مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

نوري السعيد يعود بعد سبعين عامًا إلى مكتبه في السراي…محاورًا ومحاكمًا تاريخ العراق من بعده✍ سيّار الجميل

صورة لرجل مسن يرتدي قبعة مسدسة ويتسم بتعبير وجه جاد.

في صباحٍ متخيَّلٍ لا يشبه أي صباح، يفتح نوري السعيد عينيه بعد سبعين عامًا من الغياب. لا ينهض من نومٍ بيولوجي، بل من طبقةٍ سميكة من التاريخ الصعب ، من ذاكرة دولة تغيّرت خرائطها، وتبدّلت لغتها، وانقلبت فيها الأسئلة أكثر من الأجوبة.
يقف لحظةً أمام صمتٍ لا يعرفه، كأن بغداد التي عرفها لم تعد تُجيب بالطريقة نفسها. ثم يمشي ببطء، لا كسياسيٍ يعود إلى السلطة، بل كرجلٍ هرم أتعبته الافتراءات . خرج من أرشيفٍ طويل ليكتشف أن الزمن لم يتوقف عند لحظة سقوطه، بل واصل الكتابة دونه، ولكن بسلوك درب آخر . كانت ” الدولة” هاجسه الأول وصمت ثم بكى !
الدولة التي سحقت
لو تكلم، ربما لن يبدأ بالسياسة مباشرة. سيبدأ بسؤال أقرب إلى الدهشة منه إلى الحكم: “هل بقي شيء من الدولة التي حاولنا بناءها… أم أن الدولة نفسها أصبحت فكرة تتبدل مع كلّ جيل؟” وتمتم مع نفسه : كنت اخشى عليها أن تقع بأيدي الرعاع وقطاع الطرق وأولاد الشوارع ..
كان يعرف الدولة بوصفها جهازًا للاستقرار، ميزانًا دقيقًا بين القوة والشرعية، بين الخارج والداخل. لكنه اليوم سيكتشف أن الدولة صارت سؤالًا مفتوحًا ، تتسع وتضيق، تُعاد كتابتها مع كل أزمة، وتُختبر في الشارع بقدر ما تُكتب في الدساتير .
المجتمع تغّير ولكن لماذا بدت سوءاته ؟
وهنا، قبل أن يواصل خطواته الأولى في هذا الحضور المستحيل، سيخطر له سؤال أكثر إنسانية من السياسة ذاتها: فهل سيلقى من يرحب به في مجتمع تغلب عليه التقلبات والرقص على كل الموائد ؟ وهل سيلقى من يشتمه وقد تعّود المجتمع ان يشتم ويلعن ويسبّ حتى نفسه؟ وهل سيرى من يلتف من حوله؟ وإذا حدث ذلك، ماذا سيقول لهم؟ هل سيدافع عن نفسه؟ أم سيصمت أمام ذاكرة ناكرة للجميل لم تعد ملكه وحده؟ ربما سيدرك لحظتتئذٍ أن العودة إلى التاريخ ليست عودة إلى سلطة، بل عودة إلى محاكمة شريفة مفتوحة للأجيال لا تُغلق بسهولة.
“ هل غدوتم أكثر حرية… ولكنكم أكثر قلقًا”؟ ” كم قتل وسحل واعدم ونفي وتشرّد واختفى من البشر من بعدي في بلد يعد من خيرة بلاد الله ؟
هل تحققت مطالبكم منذ سبعين عاماً؟
سيُفاجأ، على الأرجح، من كثافة الكلام، ومن ضجيج الأصوات، ومن تعدّد المنابر. لم يكن يتوّقع أن تتحوّل الحرية إلى هذا التدفق غير المنضبط من الرأي. ولم يصدّق ثقل الخيانات ؟ ولم يتخّيل حجم الفاسدين .. بدا لمن يراه في ندم شديد وكأنه يعترف باخطاء ارتكبها ، ولكن بقي واقعياً يميز بين الضعف والقوة ، ولم تزل معرفته العراقية قوية جدا ، لكنه لم يزل يتشبّث بكرهه لخصومه .
قد يقول: ” كنتم تطلبون الحرية والاستقلال والثورة … فحصلتم عليها، لكن لماذا تبدو الوجوه أكثر قلقًا مما كانت عليه قبل عقود من السنين ؟”
في تصوّره القديم، كانت البلاد تحتاج إلى سقف سياسي يحميها من الانفجار. أما اليوم، فسيرى أنها بلا سقف واضح، لكنها أيضًا بلا طمأنينة كافية. كان يتخيّل أن العراق سيغدو مثل السويد واذا به يجده بدائياً .. كنتُ أُتَّهم لأنني أردتُ تأجيل الانفجار لا منعه. ولما حدث ، قتلتم بعضكم بعضا ، وتنازعتم طويلا ، ولم تعرفوا فن السياسة ولكن اطلقتم العواطف ورفعتم الشعارات واشعلتم الحروب والانقلابات . وانتقلتم من حكم الخاكية الى استهتار المراهقين الى فساد الملالي ..
العراق لم ينتهِ… لكنه تغيّر أكثر مما كنت أستطيع تخيله
في ذاكرة الصراع القديم، كان يُرى كرمز للاستمرارية، وربما كعائق أمام التحولات الجذرية. لكنه حين يعود الآن، قد ينظر إلى تلك المرحلة من زاوية مختلفة:
“لم أكن أكره التغيير… كنت أخشى أن يأتي قبل أن تتماسك الأرض تحت أقدام الدولة.”
“الثورة التي انتصرت… والدولة التي تفتتت” ولكن الثوار رحلوا جميعا بعد أحرقوا الاخضر واليابس.
عندما يتأمل المرء لما بعد 1958، لن يبحث عن المنتصر والخاسر فقط، بل عن شكل الدولة التي خرجت من الانفجار .. وذلك المجتمع المنظّم والمنتج والمبدع وقد غدا ينتقل من كارثة الى أخرى !
“الثورات تُسقط الأنظمة بسرعة… لكنها لا تضمن دائمًا أن ما يأتي بعدها أكثر استقرارًا.”
“الجار الذي ظننته شريكًا من أجل مستقبل … غدا اليوم دولة عميقة أخرى “
“المجتمع الذي ظننته شاكراً لمن يخلص له غدا يرتعب من السلطة ويكون في خدمة الدولة… بل وأصبح هو نفسه مشروع دولة بديلة.” واستطرد : ” لم أكن أتخيّل أبداً أن دولة عميقة ستحكم لينتقل نحو الأدنى ” ولكن ” العراق لم ينتهِ… لكنه تغيّر أكثر مما كنت أستطيع تخيله”. و “لم يعد هو العراق الذي كنتُ أظنه ثابتًا وله سمعة رائعة بين الأمم “.
أجوبة على التساؤلات
ماذا يقول له القاسميون والشيوعيون والبعثيون والناصريون والإسلاميون؟ قال : ” ما زالوا يشتمونني بعد ان صارع احدهم الاخر وهم في طريقهم الى الزوال ، ولكن بعد حين ” .
في هذا المشهد، سيجد نفسه أمام تيارات كبرى صنعت نهايات العراق الحديث: فبدأ الدفاع :
القاسميون : ” ارجع من حيث أتيت ، فلم نزل نتعبّد في صومعة عبد الكريم ” !
الشيوعيون: : ” نحن لا نحاكمك كشخص، بل كرمز لمرحلة غابت فيها العدالة الاجتماعية.”
البعثيون: “أنت جزء من دولة لم تكتمل وحدتها، ونحن حاولنا أن نكملها بطريقتنا.”
الناصريون: “كنتَ تمثل مرحلة تأخر فيها مشروع الأمة، لكننا لم نزل نكرهك كراهية عمياء .”
الإسلاميون:” المشكلة لم تكن سياسية ، بل في غياب البعد الديني في الدولة.وانت علماني تغريبي”.
العودة إلى السراي… المواجهة الأخيرة
يدخل مكتبه في قلب بغداد، في مبنى السراي القديم، لا كحاكم بل كظلٍّ يعود إلى مكانه الأول.
في الداخل يرى أمامه مشهدًا مستحيلًا:
عبد الكريم قاسم ويقف من ورائه: عبد السلام وعبد الرحمن عارف، وأحمد حسن البكر، وصدام حسين، وفي القاع من جاءوا بعد 2003 . الكل صامتون وفي وضع الاستعداد ..
يصمت قليلًا، ثم يقول: “جئنا جميعًا من خوفٍ واحد… لكننا اختلفنا على معنى الدولة، ومعنى الإنسان، ومعنى العراق ، ومعنى الحقيقة نفسها.” ” لم تكن المشكلة في نوايانا، بل في يقيننا أننا وحدنا نملك الجواب.” ” عدّل سدارتك انت في الاخير ، فانت لست عسكريا ” واكمل قائلا: ” العراق لا يُحكم من فكرة واحدة، ولا بثورة شعارات، ولا يُبنى بيد واحدة، ولا يُختصر في زمن واحد. ، ولا بحزب واحد ، ولا بمذهب واحد “، ثم يختم، كمن يضع خاتمة طويلة لتاريخ كامل: ” التاريخ لا ينتهي عند أحد… لكنه يمرّ بنا جميعًا ليكتب نفسه من جديد. ” والعبرة : ماذا ستقول الأجيال القادمة عنا جميعاً ؟ من ستنصفه ؟ ومن ستدينه ؟ من ستذكره باطيب الذكر ؟ وانا عن نفسي لا أريد من العراقيين مدحاً ولا قدحاً ولا ذمّاً ، بل أن يعرفوا القسط في قول ما كان قبل الانفجار وما صار من بعده . وبعد أن كان العراق اسما لامعاً ، غدا اضحوكة يثير السخرية في العالم للأسف الشديد .. وفجأة غاب المشهد العجيب في لحظة تاريخية لن تتكرر .
الخاتمة
في هذا المشهد، لا يعود نوري السعيد ليحكم، بل ليُسائل الزمن.
ولا يعود ليُدان أو يُبرَّأ، بل ليكتشف أن العراق لم يكن يومًا قصة واحدة، بل صراعًا طويلًا بين رؤى متعددة لمعنى الدولة والحرية والعدالة ازاء الفوضى والجهالة والفساد . ثلاث قيم ازاء ثلاثة أوبئة .. وأن السؤال الذي بقي مفتوحًا بعد كلّ هذا الزمن هو:
هل كنا نبني دولة تكون في خدمة مجتمع … أم كنا نعيد سحقهما معاً كل مرة من جديد؟

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading