غَسَقُ المِغْزَلِ ✍ ماري العميري

غَسَقُ المِغْزَلِ.. وتَرنيمةُ السَّدَى
بَيْنَما أَنا غَارِقَةٌ
في رَتْقِ ثَوْبِ المَساءِ
بِإبْرَةٍ مِنْ سُكُونٍ ومِحْجَرٍ نَاعِسْ،
أَغْزِلُ لَكَ مِنْ كَتَّانِ الحَيْرَةِ
أبْجَدِيَّةً مَضْفُورَةً بِلُعابِ الضَّباب.
أَنْفُثُ فِيها زَفِيرَ المَوَاقِدِ المَهْجُورةِ
وأُسْرِجُ خُيُوطَها مِنْ مِشكاةِ العَدَمِ،
فَأَنَا لا أَصُوغُ حَرْفاً..
بَلْ أَسْتَلُّ شَظايا الذَّاكِرةِ
مِنْ مَسامِ المَنسُوجِ الذي أُحِيكُهُ،
كَمَا لَوْ أَنَّ يَدَيَّ تَرْتِلانِ سِفْرَ التَّكْوِينِ
على صَفْحةِ هَذا القُماشِ المَسْجُور.
تَمَهَّلْ..
ولا تَقْطَعْ خَيْطَ الصَّمْتِ بِبَرْقِ المِقَصّ،
فَكُلُّ عُرْوَةٍ أَعْقِدُها
هِيَ قَيْدٌ لِفِكْرَةٍ جَامِحَةٍ تَسْتَوطِنُني،
وكُلُّ وَخْزَةٍ تَسْكُنُ أَنَامِلِي
تُفَجِّرُ في مِدادي نَزِيفاً كِيمْيَائِيَّ الصِّبْغَةِ.
فَيَسِيلُ الوَجَعُ فَوْقَ رُخامِ السَّطْرِ
لِيَرْسُمَ وَجْهَ الغِيابِ
بِمَلامِحَ لم تَعْرِفْها المَرايا بَعْد.
إنَّني لا أُرَمِّمُ ثَوْباً بَالِياً،
بَلْ أُعِيدُ رَفْوَ الثُّقُوبِ في رِدَاءِ الوُجُود،
تِلْكَ الفَجَواتُ التي خَلَّفَتْها مَخَالِبُ الأَيَّامِ في جِلْدِ الرُّوح.
وَأَنْتَ هُنا، فِي فَيْءِ ارْتِعاشِ الضَّوْءِ،
تُراقِبُ انْصِهارَ الزَّمانِ بَيْنَ سَدَايَ ولُحْمَتي،
فَتَجِدُكَ تَتَسَرَّبُ كَغُبَارٍ بَلُّورِيٍّ
بَيْنَ طَيَّاتِ الحَرِيرِ الخَشِنِ لِهذا العُمْر.
فَإذا شَعَرْتَ بِقَشْعَرِيرَةٍ تَمُرُّ عَبْرَ القُمَاش،
أَوْ سَمِعْتَ لِلإبْرَةِ صَرِيفاً يُشْبِهُ الأَنِين،
فَلا تَرْتَاعْ..
لَيْسَ ذَلِكَ صَوْتَ المَعْدِنِ العَقِيم،
بَلْ هُوَ كِياني الذي اسْتَحَالَ نَسِيجاً.
وَرُوحِي التي ذَابَتْ لِتَصِيرَ بَطانَةً لِخَوْفِكَ،
أَنَا الآنَ لَسْتُ امْرَأَةً تَكْتُب،
أَنَا الغَرْزَةُ الأَخِيرةُ في نِهَايةِ الثَّوْبِ.
أَنْتَظِرُ أَنْ أُعْقَدَ جَيِّداً
كَيْ لا يَنْفَرِطَ العَالَمُ مِنْ خَلْفِكَ.





