ثورة المعرفيات تزيح أزمنة الايديولوجيات – سيّار الجميل
هذا العنوان هو الذي أطلقته اليوم على واحد من كتبي الجديدة التي ستصدر هذا العام . زمن يخلو من أيديولوجيات القرن العشرين راديكالية ام قومية، يمينية او يسارية ، عقائدية ام دينية طائفية ام تعصبية .. وان بقيت ثمة مجتمعات لم تزل تجتر مسردات مؤدلجة فستبقى تراوح في مكانها ازاء قفزات الآخرين.ان زمناً جديداً قد بدأ،وهو يختلف اختلافاً جذرياً عن قرن مضى ازدحم بالايديولوجيات وتياراتها الراديكالية والقومية والدينية والعنصرية وماتت شعارات الامس ومفرداته .. الخ واليوم تتنازع مجتمعاتنا جملة تناقضات لا أول لها ولا آخر كما كان حالها على امتداد تاريخها الحديث ، فالصراع قائم بين القديم والجديد .
من أشنع جنايات هذا العصر ان يعيش الانسان في مجتمعاتنا ، مزدوج الشخصية والتفكير معاّ ، ثنائي التفكير في الهويّة والانتماء .. وهو يعيش الحاضر ولكن كيانهُ ووجدانهُ كلّه في الماضي .. وهو يدرك الأشياء ومنتجات هذا العصر المذهلة بوعيه الظاهر، ولكن وعيه الباطن يحدّثه أشياء أخرى بمنتهى السوء ، فيعيش في بحر من الظنون والأحقاد .. وهو يحيا الواقع صباح مساء ، ولكنه مغرق بالخيال والاوهام والأضاليل.. انه يعيش ويقتات ويعالج ويسافر ويتصل ويتمتع بكلّ مستحدثات العصر ومنتجاته ومصنوعاته وأدويته ومكتشفاته وتكنولوجياته وأسلحته وطائراته .. لكنه يصرّ اصراراً متصلباً على كراهية الآخر المتقّدم .. وكلّ من ينصحهُ ويرشده يصمهُ بالتغريب وينعته بالانهزامية والخيانة والعمالة ..انّ شيخوخة الثقافة قد كرّستها المؤدلجات التي ازدحمت عند المثقفين العرب ابان القرن العشرين، وبتنا اليوم نحصد جناياتها على الأجيال الجديدة التي هي أحوج ما تكون الى الانفتاح على العالم والخروج من أطواق مؤدلجات القرن العشرين .
ثمّة مواصفات لأنواع متعدّدة من”المثقفين” – كما يسمونهم- ، وهم كعادتهم يكثرون الكلام الانشائي الفضفاض الخالي من الرؤية والعقل ، وتعميهم عواطفهم اذ أنّ نموّهم قد توقّف ، فتكثر الأخطاء عندهم ، مع لغة ركيكة ضعيفة ، وأحكام مطلقة أو ترديد لأقوال قالها هذا وذاك أو اجترار أمثلةٍ شعبيةٍ وأشعارٍ لا نفع فيها أو حكايات بائرة ومسردات كاذبة أو شعارات سياسية واساطير مؤدلجة وأهداف وهمية لا تتحقّق أبداً .. هذا النوع من البشر لا يستمع الى أحدٍ ولا يقبل مراجعة نفسهِ ، ولا يمكنه مقارنة نفسه بمن هو أفضل منه اذ يستخفّ به .. لم يفكّر بعيداً عن الأطر التي وضع نفسه فيها .. ولم يسأل نفسه : لِمَ لا أتواضع قليلاً أمام الآخرين وأنا أعجز عن مناطحتهم فأقوم بالاساءة اليهم . انه يؤمن ايماناً جماعياً بأنه خير من أخرج للناس ، ولا يدري بأنّ الأوراق مختلطة ، والألوان متعدّدة ، والأصول متنوعة ..
وعليه ، فمن هو المثقف المتجّدد بتفكيره وخطابه وقد غدا واقعي التفكير، بعيد الرؤية همّه الخلاص من شيخوخة الثقافة ومكر الشعارات التي يجترها صباح مساء، ويطمح بالعمل الجمعي نخبوياً أو فئوياً من أجل بناء المستقبل؟ أم ذاك الذي انغلق على ذاته ، وتكلّس على أوساخه ، وهو لا يفقه الا ترسّبات ماضيه العقيم فيعيش متخلفاً لا يجاري العصر، وان بقيّ متوازياً معه كونه لم يستطع أبداً البقاء بعيداً عن وسائلهِ ومنجزاتهِ المتطورة الحديثة ، فهو يقبل كلّ منتجات التكنولوجيا والأدوات، ولكنه لا يتقّبل كلّ ما ينتجه العالم من فكر وفلسفات !! المثقف الحقيقي في وعيه ومدركاته يشعر بأنه قوياً ازاء المتغيرات وصامداً ازاء التفاهات ويعاني من شقاء الوعي ..
لقد ابتذل مفهوم “المثقف” في مجتمعاتنا ابتذالاً كبيراً ، مذ فقد مكانته عندما تحكمت السلطات المؤدلجة في بوصلته ، وبات الطفيليون يتنطعّون اعلامياً كونهم من المثقفين والمفكرين والسياسيين ، وراحوا يدخلون أنوفهم في ميادين ليست لهم مع حملهم شهادات عليا لا تقلّ عن الدكتوراه ، فكانوا فجيعة على الثقافة التي أبتذلت على أيديهم، وهم يتقافزون هنا وهناك. لقد انفلتت الأمور لسببين أساسيين اثنين ، أولاهما ممارسة اللعبة الايديولوجية التي مارسوها في دول عربية معينة ، وثانيهما ركوب الموجة الاعلامية أو الدينية وتسويق أنفسهم بلا رقيب ولا حسيب. وفي كلتا الحالتين تغيب المواجهات النقدية، وتغيب العقوبات القانونية مع اضمحلال التربويات في المدارس والجامعات. ولقد افتقدت الأخلاق في المعاملات وبات البعض لا تهمّه الفضائح اذ يعتبرها عامل شهرة مجانية .
خلاصة القول ليس صحيحاً أن يتمسّك المثقّف بأسمال أيديولوجيته وقد رحلت ومنها من ينتظر بما فيها الايديولوجية الصهيونية فمصيرها الزوال فان رحلت فان اسرائيل تموت مباشرة بعد تغيّر الزمن فليس هناك ما هو ثابت لا يتغيّر في الحياة .. كما أضع علامات استفهام كبيرة على أشباه مثقفين جعلوا أنفسهم ردّاحين لكيان سياسي مسخ عن دين ، أو نظام سياسي مؤدلج مسخ عن القومية يتبرعون بمدائحهم المذلّة له وقد انقلبوا اليوم على بطونهم لينالوا منه ، فديدنهم هو لعبة المصالح لا الايمان بالمبادئ !
ان ثورة المعرفة اليوم قد اقتلعت الأيديولوجيات من جذورها ليحلّ بدلها زمن المعلومات ونسيج شبكات الاتصالات أمام أجيالنا القادمة التي ستتغير بعد رحيل أجيال المؤدلجات . ونشهد اليوم بقايا المؤدلجين ما زالوا يتغّنون بما تربوا عليه ، ولكن الزمن كفيل برحيلهم .. انني اعتقد ان مجتمعات الشرق الأوسط وبلدانه سوف لن تجد أمامها فرص التقّدم في المستقبل الا بعد رحيل العقائد والايديولوجيات السياسية التي أضاعت الناس وخربت المؤسسات وراح من أجلها الالاف المؤلفة من الضحايا ورواج قرابة مائة عام من الاساطير والأوهام والشعارات !





