مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

العراق لا يتغيّر… لأن نُخَبه ترفض أن تتغيّر- سيار الجميل

رجل في بدلة أنيقة يجلس على كرسي في مكتب مغطى برفوف الكتب، مع مصباح مضاء بجانبه.

العالم منشغل بتحوّلاته… ومجتمعاتنا أسيرة أيديولوجيات متكلّسة

وعبادة رموز زمنٍ انتهى

لم يعد العالم يتقدّم فقط ، بل يعيد اختراع نفسه. دولٌ ومجتمعات كانت غارقة في العقائد المغلقة تخلّت عنها بلا تردّد، وأعادت بناء اقتصادها ومؤسساتها وفق المنطق لا بوهم الشعارات. هناك، كانت النخب تملك شجاعة الاعتراف بأن ما كان صالحًا لم يعد يصلح اليوم. أما هنا، فالقصة مضحكة ، ففي العراق، لا يُهزم الماضي العقيم بل يُعاد تدويره. لا تُراجع التجارب بل تنسى ، لا تحترم المنجزات بل تحتقر …لا تدرس الأسماء بل تُقدّس أو تهان . لا تُبنى الدولة… بل تُستبدل شعاراتها. تتغيّر الوجوه، لكن العقل السياسي يبقى كما هو، يرفض الاعتراف، يخشى المراجعة، ويتمسّك بيقينٍ انتهى زمنه. هكذا، سيبقى العراق يعيش خارج العالم ، ليس لأن التغيير مستحيل، بل لأن الذين يفترض أن يقودوه يرفضونه. والناس من ارتال النخب يمشون ووجوههم الى الوراء .

في العقود الأخيرة، خرجت دول كانت تُصنّف ضمن المعسكر الاشتراكي أو الثوري من أسر الأيديولوجيا، وانتقلت إلى البراغماتية الاقتصادية وبناء الدولة الحديثة. بينما العراق يعاني مشكلات مختلفة تمامًا ، اذ يرفض التحول أصلًا. المفارقة ليست في تحوّله السياسي… لكنه توقف عن التغيير الفكريمنذ التسعينيات، انهارت أنظمة هي الأكثر صلابة أيديولوجيًا في العالم ، وحكمت منظومتها الاشتراكية لعقود، ورفعت شعارات كبرى عن الثورة والتاريخ والحتمية. لكن المفارقة الصادمة لم تكن في سقوطها ، بل في ما حدث بعدها. لقد نجحت في تحولاتها، بينما بقيت مجتمعات ونخب أخرى في منظومتنا العربية أسيرة الشعارات نفسها، تردد خطابها الذي مات، وتعيش في زمن راحل. المشكلة لم تكن في سقوط الأنظمة فقط، بل في استمرار العقول التي صنعتها.

1. الصين: من الثورة إلى السوق بعد وفاة ماو تسي تونغ، قاد دينغ شياو بينغ تحولًا جذريًا. وقال: ” لا يهم إن كان القط أسود أم أبيض… المهم أن يصطاد الفئران.” وباستقراء الدلالة: يبرز المعنى في التخلي عن العقيدة لصالح النتائج.

2. فيتنام: الاشتراكية بوجه اقتصادي جديد : أطلقت في 1986 سياسة Đổi Mới التجديد. وكانت النتيجة: اقتصاد سوق اشتراكي ونمو سريع واندماج عالمي بلا مقدسات للشخوص.

3. الاتحاد السوفيتي: الاعتراف بالفشل : قاد ميخائيل غورباتشوف إصلاحات Perestroika إعادة البناء) و Glasnost (الشفافية) وانتقدت تجارب زعماء السوفييت بمن فيهم لينين .

4. بولندا وشرق أوروبا وآخرون : الانتقال السلمي متمثلا بحركة Solidarity بقيادة ليخ فاونسا أنتجت انتقال ديمقراطي واقتصاد سوق واستقرار نسبي .. هكذا الأمر مع تجارب أخرى وزعماء أمثال شاوسيسكو في رومانيا ، وأنور خوجه في البانيا ، وتيتو في يوغسلافيا وغيرها .

لقد نجحوا بسبب الاعتراف بالفشل والتحّول نحو البراغماتية بدل العقيدة وتغيير النخب أو تحولها والانتقال من “الثورة” إلى “الدولة” في المقابل، بقيت بعض المجتمعات – ومنها المجتمعات العربية – أسيرة الماضي بتقديس الشعارات “الوحدة”… “الاشتراكية”… “الثورة”… والتي تحولت من أدوات إلى أصنام. وغدت النخب الحزبية كطبقة مغلقة ، وأن النخب الحزبية لم تتغير، بل أعادت إنتاج نفسها. وتحولت الايديولوجية إلى هوية مغلقة، لا إلى أداة تحليل ومبعث ذلك أخذ العزة بالاثم و الخوف من الاعتراف بالفشل على عكس دينغ شياو بينغ أو غورباتشوف، تجدونهم في مجتمعاتنا ما زالوا يلوكون مقولاتهم ليل نهار بتمجيد احداث وشخوص وجماهير وجدناها على امتداد قرن كامل تنهب وتسرق وتقتل وتسحل بفوضوية وطغيان وتوحش كما وجدنا في الصور وعلى شاشات التلفزيون . وقد تربى جيل كامل على الموبقات ، ومن هؤلاء صنعت النخب !!

الدول التي نجحت ، غيّرت أفكارها وتخلّت عن شعاراتها واحترمت تواريخها وصفحت عن طغاتها وتبنّت معالجة الواقع بذكاء وخرجت من اثواب ماضيها مهما كان عقيما ولم تعد تقدّس الرموز فقد رحل كل من غاندي و نهرو وعبد الناصر وسوكارنو وتيتو وصولا الى نيلسون مانديلا .. الخ

أما النخب المؤدلجة التي لم تزل تعيش في اقبيتها فلم تزل مع الماضي بعد أن فقدت القدرة على التأثير ، وخصوصاً انها لم تعترف بما حصل من خطايا على ايدي زعماء رحلوا ولم يزل من يتعبد في محاريبهم . لم تزل النخب تصدر أصواتاً صارخة بلا مشروع ، وتصارع نفسها حتى اليوم.

كتبت قبل سنوات طوال قائلا : في العراق، المشكلة ليست في غياب التغيرات، بل في غياب “الوعي بالتغير”.” أن أزمة العراق ليست في النظام السياسي فقط، بل في “تأخر الوعي التاريخي عن حركة الزمن”، حيث تبقى النخب أسيرة تصورات الماضي حتى بعد انهيار شروطه. ويضيف أن العراق يعاني من “فائض تاريخ ونقص دولة”، أي أن الماضي حاضر بقوة أكبر من الحاضر نفسه. لقد تحولت الأيديولوجيات في العراق إلى “هويات سياسية مغلقة” تمنع تشكل الدولة الحديثة.

ان أخطر ما في العراق ، تقديس الماضي بدل تجاوزه . في الدول التي نجحت، يتم نقد التاريخ وفهمه

في العراق، يتم تقديسه وعبادة رموزه ، فقد تحوّل عبد الكريم قاسم حتى في اللاوعي العراقي إلى رمز شبه مقدس عند الشيوعيين ، رغم أنه انتهى إلى عزلة سياسية وقربهم وأبعدهم . وجعل صدام حسين نفسه “رمز دولة وحزب رغم قسوة تجربته على البعثيين أنفسهم ، وهذا ينسحب على القوميين الذين وجدوا في جمال عبد الناصر رمزًا ثابتًا في المخيال القومي، رغم ما انتهى اليه من انكسارات متكررة. السؤال : لماذا يتحول الحاكم الى رمز ومن ثمّ إلى “دين سياسي” في مجتمعاتنا في حين أن الرمز محل تحليل، وذاكرة تاريخ ليس الا! هذه الظاهرة ليست عاطفية فقط، بل بنيوية: بغياب العقلية المؤسسية وضعف النقد التاريخي وهيمنة الأيديولوجيا على الوعي وتحويل السياسة إلى هوية لا إلى برنامج . عندهم يتحول الزعيم إلى رمز وأسطورة ومرجعية نهائية .

بينما تحولت دول شيوعية سابقة إلى اقتصاد السوق والدولة المؤسسية، بقي العراق يعاني من:. تقديس الماضي السياسي والثورة تصبح “هوية” لا حدثًا تاريخيًا. ونخب لا تغادر مواقعها الفكرية الأحزاب التي اسموها بالوطنية والثورية تعيد إنتاج خطاب الخمسينيات والستينيات. مع غياب الاعتراف بالفشل ولا توجد “مراجعة تاريخية” حقيقية كما حدث في أوروبا الشرقية. وحلت فاجعة الاقتصاد الريعي ، فالنفط ألغى الحاجة إلى اعمار البلاد كوزمولوليتانيا ولا إصلاح اجتماعي عميق. ان المفارقة العراقية نتبينها أقوال قادة مثل ميخائيل غورباتشوف: “نحتاج إلى تغيير جذري في النظام”، وفي الوقت الذي أطلقت فيه الصين إصلاحات السوق، بقيت أغلب النخب العراقية ساسة ومثقفين ومتحزبين مؤدلجين يتحدث بلغة 1958، ويُحلل بوعي الحرب الباردة ، ويُمارس سياسة ما قبل الدولة ، وما زالوا حتى اليوم يتصارعون حول صراع الطبقات.

العراق اليوم ليس دولة بلا تاريخ، بل دولة مثقلة بتاريخ لم يُهضم بعد. والمشكلة ليست في غياب التجربة ( أو : التجارب) ، بل في غياب القدرة على تجاوزها. لقد تغير العالم من حوله جذريًا، لكن نخبه ما زالت تعيش داخل شرانق من سرديات ثورية رحلت، وأوهام ورموز ماتت ، وكأن الزمن توقف عند لحظة لم يعد لها وجود. دولة بلا نقد… دولة بلا مستقبل. إن أخطر ما في الأزمة العراقية ليس فشل التجارب السياسية، بل استمرار النخب في العيش داخلها، وكأن الزمن لم يتحرك. لقد تحولت الأيديولوجيا من مشروع لتغيير العالم إلى طريقة لتجميد الوعي، وتحولت الرموز من شخصيات تاريخية إلى بدائل عن التفكير. وهكذا، بقي العراقيون يدورون في حلقة مغلقة: كل جيل يعيد إنتاج رموزه، بدل أن يتجاوزها. في النهاية، الدول التي تنجح هي تلك التي تُنهي أساطيرها، أما الدول التي تفشل، فهي تلك التي تُقيم داخلها. بعد انقلاب 14 تموز 1958، دخل العراق مرحلة “الثورة الدائمة”، لكن دون استقرار مؤسسي. ومع مرور العقود: تحولت القومية إلى سلطة عسكرية خاكية ، وتحول اليسار إلى خطاب رمزي ثم تحولت السياسة بعد 2003 إلى طائفية حزبية لكن جوهر البنية بقي نفسه ، رفض الدولة لصالح الجماعة المؤدلجة.

المشكلة ليست أن الشعارات كانت خاطئة، بل أن التمسك بها بعد موتها هو الخطأ. لقد أثبتت التجارب العالمية أن المجتمعات التي لا تتغير ، تنقرض سياسيًا . المشكلة المعقدة في مجتمعاتنا انتقالها من مؤدلجات كاذبة ومزيفة الى مناخ ماضوي اسلاموي تتحكم به الطائفية ، فمجتمعاتنا لم تنتقل الى المستقبل بل عادت تتقهقر نحو الماضي . انهي مقول قولي : في عالم ما بعد الأيديولوجيا، لم تعد المشكلة في فشل “الثورات”… بل في الذين ما زالوا يعيشون داخلها. وقد تعفنوا في أعماقها .دول ومجتمعات غيّرت أفكارها. والعراق ما زال ينتظر أن تغيّر نخبته أفكارها قبل أن يغيّر واقعه. فمجتمعاتنا تطمح للتغيير والنخب هي التي لم تتغير.

المراجع المعتمدة :

Deng Xiaoping, Selected Works of Deng Xiaoping, Vol. 3, 1982..

World Bank, China Development Reports. (1980–2000).

Vietnam Ministry of Planning, Doi Moi Reform Documents, 1986..

إصلاحات 1978 (Reform and Opening Up) وتقارير World Bank عن نمو الصين).

Solidarity Movement Archives, Poland, European Solidarity Centre.

Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq, Princeton University Press, 1978..

Charles Tripp, A History of Iraq, Cambridge University Press, 2007..

Kanan Makiya, Republic of Fear, University of California Press, 1989..

UN Reports on Iraq. (1990–2003).

World Bank Iraq Reports. (2003–2022).

International Crisis Group Reports on Iraq Governance (post-2003)..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading