كتابات حرة

خريطة سيناريوهات محتملة للشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب ورؤية المستقبل المنظور لـ 15 سنة قادمة ✍ سيّار الجميل

صورة شخصية لرجل يرتدي بدلة رسمية باللون الأزرق مع ربطة عنق بورجوندي، يظهر خلفه جدار مزين بإطارات. تعبير وجهه جاد.

مقدمة
الشرق الأوسط منطقة معقّدة تجمع بين إرث تاريخي غني، وصراعات عرقية وطائفية، مع ثروات طبيعية، وتأثيرات دولية متشابكة. ان ما سيسفر عنه اثر انتهاء الحرب الحالية بين الولايات المتحدة واسرائيل من طرف وبين ايران الاسلامية من طرف آخر قد يفتح نافذة لإعادة البناء، وهي حالة ستكون متفاوتة لكنه أيضًا يحمل مخاطر تفكك مجتمعي وسياسي طويلة المدى. انّ المستقبل المنظور يعتمد على مزيج من عوامل داخلية، إقليمية، ودولية.
فكيف ترسم هذه الخريطة ؟
أولاً: مناطق محتملة للاستقرار النسبي ، وتنقسم الى:
1/ دول ذات مؤسسات قوية نسبيًا، أمثال: الإمارات، وقطر، وربما بعض دول الخليج الأخرى. والعوامل المؤثرة: اقتصاد متنوع، مع مؤسسات مركزية قوية، وقدرة على استيعاب التحولات الاجتماعية. والسيناريو المتوقع: استمرار الاستقرار السياسي، ونمو اقتصادي مستدام، مع برامج اجتماعية متطورة، وابتعاد عن الانقسامات الطائفية أو العرقية العنيفة بالحدّ منها.
2/ ستبقى المشكلة الفلسطينية محوراً أساسياً على مدى السنوات القادمة ، وستعاني اسرائيل من مشكلات داخلية عدة تضطر الى ايجاد حلول تاريخية قبل منتصف هذا القرن .
3/ دول قابلة لإعادة البناء بعد الحرب ومنها مثلا ، العراق وسوريا (مناطق محددة)، ولبنان في حال إصلاحات سياسية. أما العوامل المؤثرة: فمنها إعادة هيكلة المؤسسات، ودعم دولي لإعادة الإعمار، المصالحة بين المكونات المجتمعية ( باستثناء العراق الذي لا يمكن معرفة حقائقه الاجتماعية بفعل تقلباته وانقساماته ) . ولكن السيناريو المتوقع: استقرار جزئي، تفاوت في التنمية بين المناطق، استمرار بعض التوترات المحلية، ونمو مدني تدريجي. وستبقى ايران في مأزق لتحديد مصيرها ، اذ تشير التوقعّات ان نظامها السياسي سيتغّير وتجري تحوّلات سياسية جذرية ، فضلا عن اعادة اصلاح البنية التحتية .
ثانياً: مناطق هشّة ومهددة بالتفكك الداخلي ، وتنقسم الى:
1/ مناطق النزاعات الطائفية أو العرقية ومن أمثلتها : أجزاء من اليمن، شمال سوريا، المناطق الحدودية العراقية الايرانية وفي قلب بغداد بالذات وجنوب لبنان . أما العوامل المؤثرة فتتوضح في ضعف الدولة، تدخل ميليشيات محلية وإقليمية وبقاياها، مع نقص الخدمات الأساسية، نزوح داخلي كبير. ان السيناريو المتوقّع: استمرار الفوضى المحلية، تكوين سلطات محلية شبه مستقلة، صعوبة العودة إلى دولة مركزية قوية، بفعل تآكل مجتمعات كاملة من دواخلها .
2/ دول ذات اقتصاد هش وصراعات داخلية، ومنها ليبيا، وبعض مناطق السودان. والعوامل المؤثرة: اقتصاد غير مستقر، وصراعات على الموارد، وضعف البنية التحتية، وتدخلات خارجية متفرقة. والسيناريو المتوقع: تذبذب الاستقرار، مع ارتفاع معدلات الفقر والهجرة، وتصاعد النزاعات على السلطة والموارد، وتهديد استمرارية الدولة المركزية.
ثالثاً: العوامل الإقليمية والدولية المؤثرة ، وتتمثل بـ :
1/ التدخل الخارجي: الدعم أو الضغط من القوى الكبرى يمكن أن يسرع أو يعرقل الاستقرار.
2/ الاقتصاد العالمي: أسعار النفط والغاز، والاستثمار الأجنبي، والتحولات في التجارة الدولية ستحدد قدرة الدول على التعافي.
3/التغيرات الديموغرافية: شباب متزايد، ونزوع للهجرة، ونقص فرص العمل قد يزيد من التوتر الاجتماعي. وهنا ، أناشد بعض الدول العربية المكتظة بالسكان تطبيق قانون تحديد النسل لضمان حياة افضل لمواطنيها ، وخصوصاً في وادي النيل وبلاد ما بين النهرين .. أما التكنولوجيا والاتصالات: فوصول التكنولوجيا الحديثة يمكن أن يعزز التنمية المتعثّرة ، لكنه أيضًا يزيد من الوعي بالانقسامات ويحفز الاحتجاجات. وسيختفي الضجيج الطائفي المدمر من العلن بغياب ينابيعه ، ولكنه سيبقى في الخفاء مولّدا للكراهية .
رابعاً: سيناريوهات عامة للـ 15 سنة القادمة
سيناريو الاستقرار والتعافي: ستتعافى دول الخليج العربي مع سوريا ولبنان اذ تشهدان إصلاحًا مؤسسيًا ونموًا اقتصاديًا، ويُعاد بناء الثقة بين المجتمعات. أكثر من وضع العراق الصعب ، فتركته ثقيلة جدا بتركيبته المنقسمة ، وسيطبق سيناريو الاستقرار الجزئي مع تباين المناطق. بعض المناطق مستقرة داخل البلد الواحد بينما تعاني مناطق أخرى تزدحم بصراعات محلية، ما يؤدي إلى هشاشة مجتمعية متقطعة. ويبقى سيناريو التفكك التدريجي باستمرار النزاعات أو تدّخلات خارجية تجعل بعض الدول تتفكك داخليًا إلى مناطق شبه مستقلة، وقد يأتي الخلاص مع تهديد كبير للمجتمعات التي سبقها الزمن وهي تتعامل مع العصر بعقلية العصور الوسطى !
حصيلة الرؤية المستقبلية
مستقبل الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب ليس حتميًا نحو الانفلات أو التفكك، لكنه يعتمد على قدرة الدول على إصلاح المؤسسات، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتنمية الاقتصاد، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المضطربة . بينما ستشهد بعض الدول الاستقرار النسبي، ستظل مناطق أخرى هشّة ومهددة بالانقسامات الداخلية، ما يجعل السنوات الخمسة عشر القادمة حاسمة في تحديد شكل المنطقة السياسي والاجتماعي وأن ملامح الشرق الاوسط ستتغير تماماً عمّا هو عليه اليوم .. وستتندم أجيال قادمة على خمسين سنة مرّت من الصراعات والحروب والآلام والضياع والاثام .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading