القصة القصيرة

الخلود – بقلم أمين الساطي

webp1

في قلب القصر الرخامي الفخم الرابض على قمة الجبل المطلّ على مدينة أنجولي، جلس الرئيس إيريك خلف مكتبه، يمعن النظر في هذه المدينة التي أصبحت منذ هذا اليوم إرثاً له، بعد أن سار سكانها بالمظاهرات، يهتفون إيريك إلى الأبد. لقد أيقظت هذه الشعارات الرغبة الكامنة في عقل إيريك في أن يصبح خالداً، وليحكم هذا البلد بيد من حديد لعدة أجيال قادمة. أخبر أحدهم إيريك بأن هناك دواءً سرياً تنتجه الدولة المجاورة لحدوده، يجعله خالداً إلى الأبد. فحصل إيريك على هذا الدواء، مقابل التنازل لجارته على قطعة أرض من مملكته. إن هذا الدواء العجيب يمنع خلايا الجسم من أن تشيخ ويبقيها على وضعها الراهن، لقد أصبح إيريك الآن فعلاً خالداً إلى الأبد. أصبح وجهه المحفور على العملة وتماثيله المقامة في الأماكن العامة مع صوره المعلقة على كل حائط في المدينة، لا تتبدل ولا تتغير بمرور الزمن، إنه ليس مجرد زعيم، إنه الإله نفسه. فرح الناس عندما علموا بأن قائدهم قد أصبح خالداً فعلاً، فلا حروب أهلية بعد اليوم من أجل كرسي الرئاسة، وتوهموا بأن الاستقرار والرخاء سوف يعمان البلد. مع مرور الأيام لم يشخ وجه القائد إيريك، لكن روحه بدأت بالتحلل، فأصبحت خطاباته التي كانت تجذب ملايين المستمعين، فارغة لا معنى لها، وأصبحت ابتسامته اصطناعية باهتة خالية من المشاعر الإنسانية، وأصبحت قراراته السياسية تجلب المصائب، إن ركام السنين بدأ يثقل ظهره، لكن من دون أن يظهر ذلك على محياه، وكلما ازداد تقدمه بالعمر، ازداد خوفه من شعبه، بأن يدرك ما آلت إليه حاله، فازدادت قبضته الحديدية شدة على مواطنيه. مع الأيام ماتت زوجة إيريك وابنته الوحيدة وجميع أصدقائه، وبقي إيريك وحيداً يحكم البلاد من دون شفقة، ولم يعد يثق في أي إنسان، وفي الليل عندما يذهب موظفو القصر إلى بيوتهم، يبقى إيريك وحيداً كالشبح الهائم، يتجول بأنحاء القصر، وفي إحدى الليالي سمع إيريك طرقاً على باب قصره، لم يستوعب كيف تمكن هذا الطارق أن يصل إلى بابه، ويتخطى جميع الحراسات المشدّدة حول قصره، فتح الباب ليجد فتاة صغيرة قرابة العاشرة من عمرها، وهي تحمل صورة في يدها، فتذكرها أنها ابنة البستاني الذي يعتني بحدائق القصر، ويعيش مع أسرته في كوخ صغير بزاوية حديقة القصر. سألته بأدب وبصوت مرتجف، لماذا لم تعد تبتسم أيها القائد الخالد؟ لقد فاجأته بهذا السوال، وأعطته الصورة التي بيدها، وهو يظهر فيها مبتسماً منذ سبعين سنة، لم يعرف كيف يرد على سؤالها، ثم تدارك حديثه قائلاً، بمرور الأيام لقد نسيت كيف أبتسم، فأذهلته بجوابها، إذن يجب أن تتوقف من أن تكون رئيساً للبلد، فأرعبته هذه الجملة، فقال مستدركاً، غداً سأجلب شخصاً ليذكرني كيف يمكنني أن أبتسم من جديد. طوال هذه السنين، كان يتصور نفسه معبوداً لهذه الجموع التي يحكمها، والآن تأتي هذه الصغيرة لتطلب منه أن يتنحى عن الحكم، لأنه لم يعد قادراً على أن يكون إنساناً طبيعياً. في تلك اللحظة اكتشف أن الخلود يختلف عن الحياة. في صباح اليوم التالي، استيقظ البلد على خبر مهم، لقد اختفى الرئيس إيريك، بعد أن ترك رسالة قصيرة على مكتبه. إخوتي المواطنين: لقد اهتممت بكم لفترة طويلة، أكثر مما ينبغي، لكن يبقى للخلود حدود، لقد قررت أن أترك الحكم، لكي تتمكنوا بأنفسكم من أن تكتشفوا طعم الحياة الطبيعية، التي لم أستطع أن أقدمها لكم، آملاً لكم السعادة والتوفيق. سافر إيريك إلى الدولة المجاورة، وأعطاها كل ما يملك من سبائك ذهبية، لكي تبطل مفعول دواء الخلود الذي دفع ثمنه بقطعة من أرض الوطن، عندما استعاد عافيته، شعر بثقل السنين على ظهره، وسار ساحباً رجليه بصعوبة، وفي أثناء طريقه جلس على تلة صغيرة ليستريح، فشاهد شروق الشمس، فأحسَّ بأنه يشاهدها لأول مرة في حياته، ما أعطاه شعوراً بالحياة من جديد.

دخول

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading