عيون في السماء- أمين الساطي

في البداية كانت لعبة بلايستيشن، الآن حلّت محلّها الدرون، طائرة صغيرة يتسلى بها، ويحلّق بها في كل الاتجاهات، ثم صارت عيناً إضافية يستمتع بها بالنظر إلى الأسفل، مانحةً إياه الإحساس الخادع بالسيطرة على كل ما دونه، لكن عندما بدأ يشك في تصرفات زوجته، صارت الطائرة الصغيرة عينه الوحيدة التي يرى بها كلّ ما يجري حوله.
حياته روتينية هادئة، كحال جميع القرويين الذين يعيشون في قرية الناقورة، يترك منزله وزوجته نوال في كل يوم صباحاً متجهاً بسيارته البيجو الصغيرة إلى مدينة بيروت، التي تبعد نحو ستين كيلومتراً، ليعمل في كراج لتصليح السيارات، كان قد أسّسه مع شريكه قبل سبع سنوات، ولا يعود إلى منزله حتى حلول الظلام.
مع مرور الوقت تراكم شعور زوجته نوال بالملل والوحدة، ما ساهم في انفصالها العاطفي عن زوجها، فبدأت تبحث عن هذا التواصل في مكان آخر، تعرّفت في بيت إحدى صديقاتها على مدرّس رياضيات، كان يعطي دروساً خصوصية لابنتها، وفي أثناء الحديث معه، دفعتها كلماته المعسولة إلى استعادة ثقتها بنفسها، وأحست بأنها مازالت صبية جميلة تلفت انتباه الرجال، وتطور هذا الحديث القصير فيما بعد إلى علاقة غرامية.
في أحد الأيام تظاهر بأنه نزل إلى بيروت مستخدماً الباص، وترك سيارته البيجو لزوجته نوال، لتستخدمها لشراء بعض الحاجات الضرورية. لكنه صعد فعلاً إلى سطح بيته، ووضع السماعات على أذنيه، وفتح الشاشة، وأخذ ينتظر خروج زوجته، لكي يطلق الدرون خلفها، لم يخب ظنه، فبعد نحو ساعة خرجت، وقادت السيارة إلى دار تقع في طرف القرية، كانت الدرون تلاحقها، وهو جالس بهدوء، لا يتدخل أبداً، فالمراقبة لا تتطلب الشجاعة، فهي بحاجة إلى المسافة والهدوء.
لما دخلت منزل المدرس الأعزب في طرف القرية، أصبح العالم الحقيقي المحيط به نسخة منخفضة الجودة من الصورة على شاشة الكاميرا، التي لا تخونه، ولا تخذله، ولا ترتجف، ولا تشكُّ بقدراته، لكنه رأى على الشاشة شيئاً غريباً، عندما خرجت زوجته نوال من بيت عشيقها، نظرت مباشرة إلى الكاميرا في الطائرة المسيّرة، كأن حدسها الداخلي يشدّها إلى عيون تراقبها من السماء، إنها ليست مصادفة، فوجهها ثابت، وعيناها مرفوعتان بدقة مقلقة، حرَّك الدرون قليلاً، فلم تحرّك رأسها لتتبعها، فاطمأنَّ بعض الشيء.
لم يكن يخاف من خيانة زوجته، لأنه كان يتوقعها في كل لحظة، بل كان يخاف من احتمال أن يعرف أهل القرية بأنَّ زوجته تخونه، أو احتمال أنه مراقب من مراكز القرار، لاستخدامه الدرون باستمرار لمراقبة المنطقة، قال لنفسه أنا لست كالآخرين، أنا لا أختبئ، أنا أستبق الأحداث، لأن الذي يرى أولاً دائماً ينجو.
أصبح في كل ليلةٍ عندما يعود إلى بيته يصعد إلى السطح، حيث المكان منفرداً، وبلا وجوه ولا أقنعة، عندما تقلع الدرون، كان يشعر بأن شيئاً عزيزاً يُنتزع من صدره، وكأنَّ وعيه يخرج من جسده ليحلق في السماء، أما جسده فيبقى هنا مجرد هيكل من لحم ودم، فمن الأعلى يبدو كلُّ شيء أقلّ تهديداً، فالناس بلا أعين، والنوافذ بلا نيات، والظلال بلا معنى، لكنه أحياناً مع الوقت بدأ يلاحظ تفاصيل لا يريدها.
في إحدى الليالي، بينما كان يراقب مدخل بيته من زاوية ثابتة فوقه مباشرة، رأى ظلاً آخر يقترب منه بسرعة، إنها زوجته نوال خلفه، ليس انعكاساً، بل من زاويةٍ مختلفةٍ على الشاشة، لم تكن الصورة واضحةً، فأدار الدرون قليلاً، فتأكد من أن الكاميرا تلتقط زوجته، تقترب منه من موقع خطير، وهو على طرف السطح، أطفأ الجهاز بعنف في اللحظة المناسبة، مستوعباً الخطر الحقيقي الذي بدأ يهدِّد حياته.
أخبرت عشيقها بأن زوجها يخطط للتخلص منهما، وعليهما الإسراع بالإجهاز عليه بأقصى سرعة ممكنة. طلبت من عشيقها أن يحمل هراوة، وينتظر زوجها بأول الليل في غرفة صغيرة تحت الأرض بالقرب من بيتها، يستعملها زوجها لتعتيق النبيذ، وعند وصول زوجها هي تعرف نقطة ضعفه، تغويه بليلة حمراء لكسر الروتين اليومي، وسترسله إلى القبو للحصول على زجاجة من النبيذ المعتّق، وبعد أن يقتله يلفان جثته بقطعة قماش، وينقلانها بسيارة البيجو إلى معصرة زيتون قديمة مهجورة خارج القرية، ويلقيانها في بئر هذه المعصرة.
ليطمئن عشيقها، أكدت له أنه مادامت الشرطة لم تجد جثة زوجها، فلا يمكنهم اتهامها بجريمة القتل، وإحالتها إلى المحكمة، وذكّرته بأن القانون اللبناني يحكم بوفاة المفقود نتيجةً لانقطاع أخباره بعد مضي أربع سنوات على الأقل من تاريخ غيابه. حاولت أن تجعل هذه الجريمة غايةً في السهولة، لكيلا يتراجع عشيقها بدافع الخوف عن القيام بدوره.
في مساء اليوم التالي تسلَّل العشيق بالعتمة إلى غرفة التخزين عبر فتحة أرضية، كان بابها قد تركته نوال مفتوحاً خصوصاً له، أشعل ولّاعته، ونزل سبع درجات على سلّم خشبي، كما وصفته نوال حرفياً، جلس بالزاوية بجانب الدرج، منتظراً وصول زوج نوال إلى الدرجة الأخيرة، ليباغته بضربة على رأسه تنهي حياته.
مضى وقت طويل، المكان هادئ، والظلمة حالكة، ولا صوت لأي حركة، فتشجّع وأشعل ولّاعته، نظر إلى ساعته، لقد مضى أكثر من ساعتين عن الوقت الذي حدّدته نوال، ثم أطفأ الولّاعة بسرعة خوفاً من أن يلاحظ زوجها الضوء، فيعرف أن هناك شخصاً غريباً في قبو غرفة النبيذ، بقي جامداً في مكانه، ويداه تضغطان على يد المطرقة منتظراً، لكنَّ الباب على أرضية الغرفة لم يُفتح حتى هذه اللحظة، فشعر بالرعب، وتمنى لو أنه لم يستمع إلى إغواء نوال.
بعد قليل سمع صوتَ مزيجٍ صاخبٍ وعميقٍ، ميّزه بارتطام الحصى والمواد الإسمنتية على الغطاء الخشبي لمدخل غرفة النبيذ، وأحسَّ بقطرات المياه الإسمنتية وهي تتسرب من الشقوق الموجودة على غطاء الغرفة، صعد بسرعة على الدرجات، وحاول أن يدفع الغطاء الخشبي إلى الأعلى لفتح نافذة المدخل، لكنَّ الغطاء كان مغلقاً من الخارج بإحكام، أدرك حينها أن أحدهم يصبُّ طبقةً من الخرسانة فوق غطاء مدخل الغرفة، انتابته نوبة هستيريا من الرعب، وبدأ يصرخ ويطلب النجدة، لكنَّ الشخص المجهول ظل يستمر بعمله، من دون مبالاة.
خطر له أنه لا بدَّ من وجود مدخلٍ ثانٍ إلى هذه الغرفة اللعينة تحت الأرض، أشعل ولّاعته من جديد، وأخذ يبحث بجنون عن هذا المدخل، أو عن أي فتحة قد تصله بالعالم الخارجي، فالأوكسجين سيبدأ بالانخفاض قريباً، وسيموت مختنقاً بمنأى عن الأنظار. التفت إلى يمينه، ليجد جثة نوال ممدّدة على الأرض، تغطيها الدماء.
بعدها سرت إشاعة في القرية، بأنَّ نوال وعشيقها عبرا البحر إلى قبرص، ومنها هاجرا بوساطة قارب المهرّبين بطريقة غير شرعية إلى ألمانيا.





