مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

القطة السوداء✍أمين الساطي

وجه قطة سوداء بعينين ذهبيتين كبيرتين.

لم تكن الأمور على ما يرام.
. لقد ضاعت مني ملامح نفسي القديمة،لم أعد أسمع صوت الأستاذ في الصف، فأنا دائماً أعيش في عالم أحلام اليقظة. أجلس هناك جسداً فقط، بينما أعيش في عالم آخر ، عالمٍ تسكنه ناديا، بنت الجيران، التي أحبها حتى يكاد الحبّ يتحول إلى جنون،كنت أراقبها من بعيد، أفسّر تجاهلها اعترافاً خفياً بحبي، ثم أعود فأكذّب نفسي، فتزداد حيرتي .

أبي يقول إن هذه فرصتي الأخيرة للنجاح في البكالوريا. رسبت مرتين، وصوته لم يعد يحمل القلق بقدر ما يحمل حكماً نهائياً: إن فشلت هذه المرة، سأعمل في معمل بلوك، صاحبه صديق والدي .
منذ ذلك اليوم، لم أعد أراه أباً، بل قاضياً يتوقع سقوطي. وتحت هذا الشعور، تسللت كراهية خافتة، عميقة لا شعورية نحوه، غير اني كنتُ أرفض الإعتراف بذلك.

لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في أبي ،بل في الليل.

كنت كلما أغمضت عيني، تظهر.
قطة سوداء.
لا تأتي من باب ولا نافذة، بل من داخلي. أستيقظ فأراها جالسة في زاوية الغرفة، عيناها تلمعان كفكرتين شريرتين. لا تتحرك كثيراً فقط تراقب.

النوم صار متقطعاً، ضحلاً، مليئاً بالانقطاعات. ومع كل ليلة، كانت المسافة بيني وبين الواقع تزداد هشاشة. بدأت أخلط بين ما أراه وما أفكر فيه. بين الخوف والرغبة الجنسية المكبوتة العاجز عن إشباعها.

ذهبت إلى عرّافة غجرية.
فتحت المندل، تمتمت، ثم نظرت إليّ طويلاً قبل أن تقول:
“هناك جني اسمه عروس يتبعك في هيئة قطة سوداء. أُرسل إليك بسحر من قريبة لك… قصيرة، بدينة، شعرها أسود وعيناها عسليتان.”

لم أحتج وقتاً طويلاً لأعرف. إنها خادمتنا في البيت
رزان التي تنتابني هواجس جنسية نحوها لا تتماشى مع قيمنا الدينية .
لم يكن الأمر اكتشافاً بقدر ما كان ارتياحاً.
العقل المرهق يبحث دائماً عن عدو واضح، عن سبب ملموس يعلّق عليه فشله. وهكذا، وجدتُ أخيراً تفسيراً لكل شيء: رسوبي، خوفي، شرودي حتى صمتي أمام ناديا.

قالت العرّافة إن فك السحر يحتاج إلى ذبيحة.
لكنني كنت مفلساً.
ومع ذلك لم أكن عاجزاً عن تدبير أموري

بدأت أفكر بطريقة مختلفة.
إذا كان السحر مرتبطاً بها، فإزالتها تعني نهاية كل شيء.
، بما في ذلك رغبتي الجنسية المكبوته تجاهها التي أصبحت تسيطر على أفعالي، اختفائها أصبح أكثر وضوحاً، وأكثر منطقية بل أكثر عدلاً في نظري.
كنت أقنع نفسي أنني لا أريد الأذى، فقط أريد أن أستعيد حياتي من جديد .

تذكرت مرة حين كنت أمارس أحلام اليقظ أنني أدفع خادمتنا رزان عن الدرج، لشدة كراهيتي لها .
لكنني الآن لم أعد ذلك الشخص لقد توقفت نهائياً عن تعاطي المخدرات، لقد تغيرت كثيراً.
كانت القطة تراقبني.
كنت أشعر أنها تعرف. انني خائف منها،
أنها تبتسم في العتمة كلما اقتربتُ من القرار.

فهمت أخيراً:
لن أستطيع التخلص من رزان قبل أن أتخلص من القطة.

في تلك الليلة، أغلقت باب غرفتي جيداً.
أطفأت الضوء.
وجلست أراقب الزاوية.

لم أنتظر طويلاً.

ظهرت.

نفس العيون. نفس السكون.
لكن هذه المرة لم أشعر بالخوف.

اقتربت ببطء.
رفعت يدي وضغطت على رقبتها .

في الصباح، أيقظتني أمي بصراخٍ لم أفهمه في البداية.
كان أبي واقفاً عند باب غرفتي، وجهه شاحب، وعيناه لا تصدقان ما ترَيان.

نظرت إلى الأرض.

رزان…
كانت ممددة هناك.

وعلى عنقها… آثار أصابعي.

رفعت رأسي ببطء، أبحث عن القطة.

لم تكن في الزاوية.

كانت في المرآة.

تنظر إليّ… بعينيّ

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading