الوجه الآخر – أمين الساطي
سألتني أختي مرةً، لماذا لكل واحد من أبطال قصصك شخصيتان متناقضتان؟ الأولى، ذات ظاهرية، مغلفة بالمثالية والقيم الأخلاقية، يبديها للناس من حوله لينال قبولهم وإعجابهم، والثانية، ذات حقيقية، ممتلئة بالعقد النفسية والرغبات المكبوتة والفوضى والأفكار السوداء، وهو يجاهد دائماً حتى لا يكتشفها الأشخاص من حوله. لماذا لا تكتب قصصاً عن طيبة النفس البشرية، لتكون مصدر أمل وإلهام للآخرين؟
سايرتها وكتبت هذه القصة:
بدأت الشمس تميل نحو الغروب، وما زال أمام الفلاحة أكثر من خمس ساعات من المشي لتصل إلى قريتها، خشيَت على نفسها من ظلام الليل، فحثّت خطاها، بينما هي في طريقها ظهر لها رجلان، فتجاهلتهما وتابعت سيرها، لكن الغريبين عجزا عن الكف بالتفكير في شكلها وهي عارية، وقرّرا اغتصابها في هذه البقعة الخالية، التي يندر مرور الناس بها، عندما تحرَّشا بها، واقترب أحدهما منها، أخرجت سكينة ووضعتها على رقبتها، وحذّرت الرجلين بأنها ستنحر نفسها، وستموت قبل أن تسمح لهما بلمسها.
أخذ الرجلان يهدّئانها بمعسول الكلام لربح الوقت، لكي يصلا إلى غايتهما. فجأة يمرُّ بهما فارس لا يشق له غبار على حصان أبيض، لما رأى الرجلان قدوم الفارس، تركا المرأة وشأنها، وركضا واختفيا بين الأشجار، ولقد أشفق الفارس الشجاع على المرأة، وطلب منها أن تتابع سيرها إلى قريتها، وهو يسير على مسافة بعيدة خلفها حتى وصلت سالمةً إلى قريتها.
نهاية سعيدة للقصة يتغلب فيها محور الخير على الشر، تصلح قراءتها للكشافة، لكي يكثّفوا جهودهم في خدمة مجتمعهم الذي نواته النفس البشرية الطيبة.
بصراحة لم تعجبني نهاية القصة فكتبت من جديد :
بينما هي في طريقها ظهر لها رجلان، ومعهما حصان أبيض، وقد ظهرت عليهما آثار النعمة والغنى، فأعجب أحدهما بشكلها، استحضر في ذهنه صورة ابنة خالته التي يشتهيها، وربطها بذهنه بهذه الفلاحة، وأثارته جنسياً، وقرّر أن يقيم علاقة معها، لكنها رفضته، فأصبح الموضوع نوعاً من التحدي والشعور بالذات، أخرجت سكينة ووضعتها على رقبتها، وحذرت الرجلين بأنها ستنحر نفسها، وستموت قبل أن تسمح لهما بلمسها.
أخذ الأول ينصح صديقه بأن يغيّر قراره، ويناشده بنخوته أن يتوقف عن هذا العمل المشين، فاستيقظ ضميره، واعتذر من الفلاحة، وبينما هما يهمان بمغادرة المكان، ظهر الفارس الشجاع، فاستوقفهما، فشرحا له ما حدث معهما بالفعل.
كبرت الفتاة في عين الفارس البطل، فقرّر أن يتزوجها لعفَّتها وشجاعتها، طلب من الرجلين أن يكونا شاهدين على عقد الزواج، بعد الانتهاء من توقيع العقد، أهدى الأول فرسه إلى المرأة، لكي تذهب على صهوة الحصان معزّزةً إلى بلدة زوجها، أما الرجل الثاني فأهداها عشرين قطعة ذهبية، وهي كل ما يملك، لكي تذهب غنيةً مكرمةً إلى أهل زوجها.
مرة ثانية، بصراحة لم تعجبني نهاية القصة، وشعرتُ كأنها فيلم مصري، بختامه يبتهج الممثلون والممثلات والمشاهدون معاً، فكتبت من جديد :
بينما هي في طريقها ظهر لها رجلان، يبدو من منظرهما أنهما بائعان مُتجوّلان، فتجاهلتْهما، وتابعتْ سيرها، فلحق بها أحدهما، واستدرجها بالحديث مستفيداً من خبرته بالتعامل مع كل أصناف البشر، عرض عليها أن يقيم معها علاقة مقابل خمسة دنانير ذهبية فوافقت على الفور. بينما هي تخلع ملابسها، ظهر فارس لا يشق له غبار على صهوة حصان أبيض، لما شاهد منظرها شبه عارية، ازدادت معدلات ضربات قلبه، وتدفق الدم بغزارة في عروقه، وشعر بأنه أولى بها، فأخذ سيفه، وهجم على الأول فقتله، ثم استدار نحو الثاني وأطاح برأسه، بقيت المرأة وحيدة وعارية ويائسة، فطلبت من الفارس خمسة دنانير ذهبية لتهبه نفسها، فوافق فوراً من دون تفكير تحت تأثير رغبته الجنسية العارمة التي لا تقاوم.
فتّش الفارس متاع التاجرين، فوجد فيها أكثر من خمسين قطعة ذهبية.. بعد أن قضى وطره مع المرأة، وضعفت شهوته، استعاد توازنه وتفكيره، أدرك بأنه لو ترك المرأة وحالها فسوف تفضحه، وطمع بالوقت نفسه في القطع الذهبية العشر التي تملكها، فما كان منه إلا أن ذبحها، ومن ثمَّ دفنها بجانب البائعين المحتالين ليخفي جريمته.
بعد هذا الجهد الكبير الذي بذله، قرَّر الفارس الشهم أن ينام ليلته هذه في أرض المعركة، على أن يتحرك في الصباح الباكر نحو بلدته، وكما خطط انطلق عند طلوع الفجر نحو قريته، ليصل إليها سالماً غانماً منصوراً.






