التركيز- أمين الساطي

جلس سعيد وحيداً في غرفته، مثقلاً بالأسى والشفقة على نفسه. ما يزال طالباً في السنة الثانية بكلية الحقوق، وحتى لو تخرّج، فالمستقبل الذي ينتظره ضيق وباهت.
هذا المساء هو عرس ابنة خالته سعاد؛ الجميلة التي كان جميع الرجال يحلمون بها، لكن أهلها زوّجوها لتاجر ثري. حاول سعيد أكثر من مرة أن يقترب منها، لكنها لم ترَ فيه سوى شاب فقير يحلم كثيراً. كانت تريد المال والرفاهية، لا طالب حقوق يعيش على مصروف أبيه.
وسط شعوره بالفشل والتهميش، تذكّر فيلماً أمريكياً شاهده قبل سنوات. كان البطل يجلس في الظلام، يحدّق طويلاً في صورة شخص ما، حتى يتمكن من اختراق عقله والسيطرة على أفكاره.
قفز سعيد من مكانه. فتح ألبوم الصور بسرعة، وانتزع صورة عائلية ظهرت فيها سعاد. تناول المقص، وقصّ وجهها بعناية، ثم جلس أمامه وكأنه يستعد لطقس سحري.
أطفأ ضوء الغرفة، وأشعل شمعة صغيرة في الزاوية. ارتجفت ملامح سعاد فوق الورقة تحت الضوء الخافت. أخذ يتنفس ببطء، وبدأ يركّز.
لكن صوت ضحكتها وطريقة مشيتها كانا يقتحمان رأسه ويقطعان تركيزه. أغلق عينيه بقوة، ثم عاد للمحاولة.
الآن… هو داخل عقلها.
بدأ يهمس بالتعليمات وكأنه يخاطبها مباشرة:
الساعة السادسة مساءً… بعد ثلاث ساعات يبدأ العرس…
الآن تخبر أمها بأنها ترفض الزواج من ذلك التاجر السمين… تقول إنه مقرف وغبي…
الأم تصرخ… الأب يدخل غاضباً… يؤكد أن الزواج سيتم مهما حدث…
سعاد تبكي… ثم تقرر الهرب…
كان سعيد يبتسم بثقة، ويتمتم وكأنه يرى المشهد أمامه.
الآن تنزل الدرج مسرعة…
الآن تخرج إلى الشارع…
الآن توقف سيارة أجرة…
الآن تعطي السائق عنوان بيت سعيد…
قفز من مكانه أخيراً، وترك الغرفة ونزل ينتظرها أمام البناء.
مرت أول سيارة أجرة… ثم الثانية… ثم الثالثة… ولم تتوقف أي منها.
بدأ التوتر ينهش أعصابه. شعر أن تركيزه تلاشى عندما غادر الغرفة. رفع رأسه نحو نافذته المظلمة وهمس:
— يجب أن أستعيد السيطرة…
عاد مسرعاً إلى غرفته، وأغلق الباب، ثم جلس أمام الصورة من جديد.
لكن شيئاً ما تغيّر.
وجه سعاد في الصورة لم يعد كما كان.
كانت ابتسامتها تبدو ساخرة… وعيناها تحدّقان فيه بقسوة.
ارتبك، ومدّ يده ليمسك الصورة العائلية، ليكتشف أن خلفها كتابة لم ينتبه لها من قبل.
كانت بخط سعاد:
«إلى سعيد…
أنت طيب، لكنك تعيش داخل أفلامك أكثر من حياتك.»
شحب وجهه.
تذكّر فجأة أن هذه الصورة العائليّة التُقطت قبل سنوات، يوم اعترف لها بحبه فضحكت، ثم أعادتها إليه لاحقاً بعد أن كتبت خلفها تلك الجملة.
ظل يحدّق بالكلمات طويلاً، بينما كانت أصوات الزفّة تصل من بعيد. معلنة ان سعاد بدأت عمراً جديداً مع رجل آخر .
ثم، ببطء شديد، أطفأ الشمعة.
وفي الصباح، عندما طرقت أمه باب غرفته لتوقظه، لم يجبها أحد.
كسرت الباب مذعورة.
كانت الغرفة غارقة في السكون. والكرسي مقلوباً في منتصفها. والشمعة قد احترقت حتى آخر قطرة من جسدها، وعلى الأرض استقرت صورة وجه سعاد وهي تحدق في الفراغ.




