📰 آخر الأخبار
في الثقافة والبلاغة والتَّرجمة!أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيأصولٌ أخرى للحُب / د. وليد الأسطلمونودراما الأنف / بلعربي خالدرحلة الملك والمستكشف حانون القرطاجي (19) ملفينا توفيق أبو مراد / لبنانRains of Mosul By Biljana Petkovićسحر الإسكندرية بين إبراهيم عبد المجيد ولورانس داريل/إبراهيم أبو عواد / الأردنقراءة نقدية لقصيدة "جُدَدُ الخيال" لأميرة صارم/عبد الغفور مغوار - المغربالضوء الأحمر/ جواد عامرأول الصمت -زاهر الأسعد - فلسطين حين استيقظت الآلة… ولم يستيقظ الإنسان/هشام فرجيشال تحته وطن / أحمد أبوراشدعزف على البيانو - قصيدة هايبونية للشاعرة الكندية لاين غويتييه/ترجمة سالم الياس مدالوWoman of Peace/ Elisa Mascia- ItalyInk Labor /Dr. Fatima Al-Dibiحبيبتي / ماجده الريماوي-فلسطينمقطعان / عارف عبد الرحمن-سورياأنا هنا / خديجة جعفرPhoenix Nirvana-—The Road of Transformation: From Girl to Goddess by Lan Xin (Lanxin Samei)لماذا تنجح مجتمعات في تطبيق القانون وتفشل أخری؟دكتور أحمد فاتح محمدالرائد لا يكذب أهله/عادل ضرغاممرايا الضمير ( 7):الطمع السرقة الاولى/ياسين احمد خلف يحيى اوغلوقراءةٌ في شعرية الشذرة السردية عند عبد الرحمن بوطيب/د.فاطمة الديبي اغنية الي نفسي/ محمد آدمثلاثية يوسف/ محمد آدممستنقع الرخام/ محمد آدم
في الثقافة والبلاغة والتَّرجمة!أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيأصولٌ أخرى للحُب / د. وليد الأسطلمونودراما الأنف / بلعربي خالدرحلة الملك والمستكشف حانون القرطاجي (19) ملفينا توفيق أبو مراد / لبنانRains of Mosul By Biljana Petkovićسحر الإسكندرية بين إبراهيم عبد المجيد ولورانس داريل/إبراهيم أبو عواد / الأردنقراءة نقدية لقصيدة "جُدَدُ الخيال" لأميرة صارم/عبد الغفور مغوار - المغربالضوء الأحمر/ جواد عامرأول الصمت -زاهر الأسعد - فلسطين حين استيقظت الآلة… ولم يستيقظ الإنسان/هشام فرجيشال تحته وطن / أحمد أبوراشدعزف على البيانو - قصيدة هايبونية للشاعرة الكندية لاين غويتييه/ترجمة سالم الياس مدالوWoman of Peace/ Elisa Mascia- ItalyInk Labor /Dr. Fatima Al-Dibiحبيبتي / ماجده الريماوي-فلسطينمقطعان / عارف عبد الرحمن-سورياأنا هنا / خديجة جعفرPhoenix Nirvana-—The Road of Transformation: From Girl to Goddess by Lan Xin (Lanxin Samei)لماذا تنجح مجتمعات في تطبيق القانون وتفشل أخری؟دكتور أحمد فاتح محمدالرائد لا يكذب أهله/عادل ضرغاممرايا الضمير ( 7):الطمع السرقة الاولى/ياسين احمد خلف يحيى اوغلوقراءةٌ في شعرية الشذرة السردية عند عبد الرحمن بوطيب/د.فاطمة الديبي اغنية الي نفسي/ محمد آدمثلاثية يوسف/ محمد آدممستنقع الرخام/ محمد آدم

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

اختبار استقصاءات «الدين» و«السلطة» و«السياسة»/ إیفان سترينسكي-ترجمة عبد الرحمن مجدي 

33874712

الانتحاريون وسلطة التضحية في الشرق الأوسط
(٢١) بَغَضْتُ، كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ.
(٢٢) إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي محْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لا أَرْتَضِي، وَذَبَائِحَ السَّلامَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لا أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا (عاموس، ٥: ٢١-٢٢).
وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (القرآن: سورة النساء: الآية ٢٩).
فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (القرآن: سورة النساء: الآية ٧٤).
(١) هل التفجيرات «الانتحارية» عمل ديني؟
بعد الاستقصاء الصارم لمفاهيم «الدين» و«السلطة» و«السياسة» في الفصول السابقة، سيرغب القراء — ولهم الحق — في أن يتأكدوا إن كنتُ قدمتُ أي شيء لتعزيز فهمنا للواقع العملي للدين والسلطة والسياسة؛ هل يمكن مثلًا لهذه الطرق الجديدة «لرؤية» الدين والسلطة والسياسة، إن وُضعت محل الاختبار، أن تساعد على الفهم الأفضل عندما «ننظر» لشيء مُحيِّر فعلًا كالتفجيرات «الانتحارية» في الشرق الأوسط؟ سيكون بيان إمكان ما سبق موضوع هذا الفصل. في الواقع، هذه الظاهرة أثارت جهدًا استراتيجيًّا أكبر لدراسة إن كانت التفجيرات «الانتحارية» في الشرق الأوسط المسلم تسعى لما هو أكبر من استعراض القوة وخلق قوة «سياسية» مباشرة، بل تكشف أيضًا عما يمكن تسميته بالبعد «الديني». وبصفة خاصة، أُومِن بأن ما عرفناه من خلال استقصاء المفاهيم المحورية مثل «الدين» و«السلطة» و«السياسة» يمكن أن يُثري تفكيرنا وفهمنا للتفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط على نحو أكبر بكثيرٍ من ذي قبل. من المؤكد أنه توجد تأويلات أخرى للدين والسلطة والسياسة قد تختلف عن تأويلاتي. وقد تطرح الاستقصاءات الأخرى تساؤلات مختلفة. ومن الممكن أن تثري فهمنا للظواهر الدينية السياسية العصية في أغلب الأحيان؛ كالتفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط بأساليبها الخاصة. فليكن، لكن في هذا الفصل أودُّ أن أبيِّن كيف يمكن لاستقصائي المسميات الرئيسية؛ كالدين والسلطة والسياسة، أن يثري فهمنا لهذه الظاهرة المعاصرة المؤلمة التي تبدو دينية وسياسية الطابع في الوقت ذاته.

فلنأخذ «الدين» بدايةً. كيف يمكن للبعد الديني للتفجيرات الانتحارية أن يُؤَوَّل أو يُعرَّف؟ وإن كان «للدين» دور هنا، فكيف يمكننا أن نميزه؟ هل التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط ذات صفة «دينية» بالمعنى الشائع أو العام للمفهوم؟ نعم، يُستحضَر الإسلام في حالات، لكن هل كان بات روبرتسون محقًّا في أن استحضار الإسلام يخفي وراءه حقًّا شيئًا غير ديني؟ هل من الممكن أن يكون السياسيون أو غيرهم من الأشخاص المعدومي الضمير مجرد أناس يستغلون الإسلام لغير الأهداف «الدينية»؟ هل يمكن إذن أن يُستخدم الإسلام «كأداة» أو ذريعة سهلة لتبرير شيء يختلف تمامًا عن دين الإسلام؟ وعلاوة على ذلك، بالنسبة للذين يقولون إن التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط ذات طابع ديني، هل يحددون أيضًا إن كانت بالضرورة جيدة أم سيئة؟ كيف يمكن لذلك أن يتَّسق مع فكرة أن الدين مسألة اعتناق بعض المعتقدات؛ كالإيمان بوجود الرب وأوامر الرب السامية؟ كيف يمكن للدين في التفجيرات الانتحارية — إن جاز التعبير — أن يكون شيئًا داخليًّا وخاصًّا في جوهره، بينما من الواضح جدًّا أن التفجيرات الانتحارية عمل عام؟ وكيف يمكن أن تكون «دينية» بالنظر إلى أنها لا تبتعد كثيرًا عن الحياة العامة والسياسة؟ هل «السلطة» مجال موحد للهيمنة البشرية هنا، أم أن «السلطة» في التفجيرات الانتحارية تكمن في عقدة من المُكوِّنات المختلفة في ذاتها؟ هل «سلطة» التفجيرات الانتحارية لا تتعدى إذن «سلطة» القوة السياسية الصريحة والقوة القسرية؟ أم أن الحقائق تتطلب منا أن نعيد النظر في تحيزاتنا، ونُفسح المجال لمفهوم «السلطة» بمعنى السلطة الشرعية؛ أي السلطة باعتبارها نوعًا من القوة الاجتماعية أو «الدينية»؟ وإذا أمكننا ذلك، فهل يمكن أن نرى الدين يستعرض «السلطة» بهذا المعنى حتى في المجال السياسي؟ وأخيرًا فيما يتعلق بمفهوم «السياسة»، توجد من ناحيةٍ النظرةُ الأقدمُ الراسخة والضيقة إلى «السياسة» باعتبارها ترتبط بالدولة و«السياسة الحزبية» فيها، ومن الناحية الأخرى يوجد الحديث المترسخ مؤخرًا والأوسع نطاقًا عن «السياسة» الذي يرتبط بميشيل فوكو، والذي يتجاهل الدولة ويرى «السياسة» سمة سائدة ومنتشرة من سمات الحياة الإنسانية.

عبر صفحات هذا الكتاب، أظن أنني وضعت أسلوبًا جديدًا للحديث عن «السلطة» و«السياسة» يستلزم بالضرورة أن نفكر في «الدين» بالتوازي معهما وليس تحت مظلتهما. لقد كنت أحاول أن أُمكِّن الناس من تعميق فهمهم للحياة الإنسانية من خلال رؤية البعد الديني في الأحداث الحالية (والسابقة) المرتبطة بالسياسة والسلطة، وكان هذا جزءًا من الاستراتيجية النظرية التي اتبعتها منذ البداية. وقد خصصت هذا الفصل لاختبار إن كان تمييز السمة «الدينية» فيما يسمى التفجيرات الانتحارية سيساعدنا على الوصول إلى هذا الفهم الأعم. اسمحوا لي إذن أن أبدأ بأكثر الأسئلة وضوحًا حول التفجيرات الانتحارية، بأي وجه نفهم — إن أمكن أصلًا أن نفهم — وصف التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط بأنها ظاهرة «دينية»؟

(٢) التركيز الشديد على الدين في التفجيرات «الانتحارية»: «الفاشية الإسلامية»
لا يتطلب الأمر أي جدال لإقناع معظم الناس بأن التفجيرات الانتحارية التي شهدناها مؤخرًا في الشرق الأوسط المسلم كانت أعمالًا سياسية؛ تجسيدًا للقوة القسرية. ومعظم الناس يظنون أنه لا ضرورة لإثبات أنها تحتوي على عنصر ديني جوهري، رغم أن الذين يظنون أن الدين «خير» ربما يترددون في ذلك (أبلبي ٢٠٠٢، كيلساي ٢٠٠٢). يوجد نوع من «التفكير البديهي» الذي يقول إن الإسلام «دين»، وإن معظم الانتحاريين — إن لم يكن كلهم — مسلمون، وإن هناك شيء ذو صبغة إسلامية خاصة في التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط. كما يُعتقد على نطاق واسع أن الانتحاريين تحرِّكهم أو تُوجِّههم المعتقدات الإسلامية أو الأوامر الواردة في القرآن لمحاربة القهر وتحرير الشعوب المسلمة. واتساقًا مع هذا الرأي، يعلن المقاتلون بمنتهى الوضوح في منشوراتهم، سواء في الصحافة أو في الوسائل المرئية، أنهم قاتلوا من أجل الإسلام وبالإسلام، فالانتحاريون يتصورون أنهم يعيدون إنتاج النماذج المقدسة لأبطالهم الدينيين وغيرهم من خلال الاقتداء بأبطالهم؛ مثل: الحسين، وعلي، والنبي محمد، وغيرهم.

هل يمكن أن تكون طبيعة الانتحاريين على هذا النحو في سياق معتقداتهم الإسلامية الخاصة؟ إنهم يذكروننا في تمسكهم بالقدوة الدينية بالذين يضعون ملصقات «ما الذي قد يفعله يسوع؟» على سياراتهم، وهو الأخير في سلسلة طويلة من التقاليد التي تُعرِّف المُثُل المسيحية «بتقليد المسيح»، لكن هذا الشعار بالطبع يثير سؤالًا حول ماهية المسيح المقصود. هل هو يسوع الوديع والمتسامح «كالطفل الصغير»، أم يسوع الذي أتى في سِفْر الرؤيا الدموي؟ ولا يختلف الأمر لدى المسلمين فيما يخص أبطالهم؛ لذا ربما يذكِّرنا الانتحاريون بأوضاعنا نحن الأمريكية المحلية المألوفة في المظاهرات المتطرفة ضد عيادات الإجهاض، فالتحذير الإنجيلي الوارد في الوصية الخامسة من القتل يوجه محاولات الجماعات «المدافعة عن الحياة» نحو إنقاذ حياة الأجنة من خلال منع الإجهاض، لكن في كثير من الأحيان لا ترى نفس الجماعات «المدافعة عن الحياة» أي تناقض في قتل الأطباء البالغين الذين يُجرون تلك العملية. وبالتوازي، يرى الانتحاريون أنفسهم يؤكدون قيم الكرامة التي تنشرها تعاليم دينية معينة، حتى وإن كانت «هجماتهم الانتحارية» تنتهي بقتل الأبرياء. وفي صورة أقل تطرفًا بكثير — فضلًا عن أنها تخلو من العنف — فإن الذين يتبعون الخاتمة الإنجيلية «أطلق شعبي!» لا يعلنون الحرب التي ألهمتها المسيحية فحسب، بل هي حرب في سبيل رؤية مسيحية للمجتمع العادل. إذن ليس من المستغرب كثيرًا أن تثير محاولة التفكير في التفجيرات الانتحارية — بعيدًا عن الاستنكار الأخلاقي أو الإشادة غير النقدية — مثل هذا الألم الشديد. فما أقصده هو أنه مهما كانت الحقيقة، فإن معظم الناس يرون التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط وعليها ختم الإسلام والدين.

إلا أننا في الغرب أفرطنا في الاهتمام (وللمفارقة فرَّطنا أيضًا كما سنرى) بالعلاقة بين التفجيرات الانتحارية والدين — الإسلام على وجه التحديد — وأنا على يقين من أن القرَّاء سيدركون الإسلاموفوبيا التي يمكن بمنتهى السهولة أن تُصيب عدواها الخطاب العام حول التفجيرات الانتحارية بالشرق الأوسط، فكلُّ ما في التفجيرات الانتحارية تُلقى مسئوليته على الإسلام. وكما يقول عالِم السياسة بجامعة شيكاجو روبرت بيب في صفحة الرأي بصحيفة نيويورك تايمز في سبتمبر ٢٠٠٣:
لقد كانت الهجمات الإرهابية الانتحارية في تزايد حول العالم طوال عقدين، لكنَّ هناك التباسًا كبيرًا حول السبب في ذلك؛ فبالنظر إلى أن العديد من تلك الهجمات — بما في ذلك بالطبع هجمات ١١ سبتمبر ٢٠٠١ — تتكرر على يد إرهابيين مسلمين لهم دوافع دينية، فقد يبدو واضحًا أن الأصولية الإسلامية هي القضية المحورية (بيب ٢٠٠٣).

من ثَم نجد أيضًا مصطلحًا خاصًّا مثل «الإسلاموفوبيا» يدور في دائرة واسعة ليوضح هذه الحقيقة عن المنطق الإسلامي للهجمات الانتحارية. وشجَّع هذا الخطابَ النقادُ الثقافيون اليمينيون مثل ديفيد هورويتز وكريستوفر هيتشنز وغيرهما ممن يتوقون لإدانة ما يعتبرونها اتجاهات مناهضة للحداثة أو فاشية بين المسلمين في الشرق الأوسط، فهم يأملون أن يلصقوا بالانتحاريين الوصف البغيض «الفاشيين الإسلاميين»؛ ليؤكدوا إيمانهم بأن السبب الجذري للعنف السياسي المتطرف من هذا النوع هو الإسلام بوصفه دينًا.

لكن بفعل ذلك، يرغب هيتشنز ورفاقه فيما هو أكثر من إدانة جماعة من المتطرفين داخل المجتمع المسلم؛ إذ يسعى هيتشنز بالتحديد إلى أن يَصِم التعاليم الدينية الإسلامية كلها — والدين بصفة عامة كما رأينا من قبلُ — بوصمة العنف والتعصب التي لا تُمحى (هيتشنز ٢٠٠٧). أما فيما يخص الإسلام، فقد يدعم هيتشنز أحيانًا هذه الاتهامات باقتباسات من القرآن يؤمر فيها بالعُنف. وتكفي هذه المقتطفات لتُثبت له أن الفاشيين الإسلاميين متدينون بشدة، بل — على النطاق الأوسع — إن الإسلام بصفة عامة دين شرير متعطش للدم في جوهره وفي جذوره. ولحسن حظ هيتشنز أن الخطاب الذي تقشعر له الأبدان الصادر عن تنظيم القاعدة، الذي يُمجد الفداء والانتحار والموت، يوفر كلَّ الأدلة الداعمة الضرورية لحسم قضية إدانة الإسلام، سواء بصورة ضمنية أو لا؛ لذا يقول هيتشنز إن مساواة الإسلام بالفاشية منطقية جدًّا:
ليس من المصادفة بكل تأكيد أن كلًّا من الإسلام والفاشية يؤكد على الأساليب الانتحارية والتضحيات، فضلًا عن أن كليهما يُفضل دمار مجتمعاتهما عن التوصل لتسوية مع الكفار أو أي تخفيف لحدة الالتزام العقائدي المطلق (هيتشنز ٢٠٠٧).

ومن الناحية المنطقية — بالنسبة ﻟ هيتشنز — بما أن الانتحاريين في الشرق الأوسط مسلمون، وحيث إن الإسلام دين عنيف بالأساس، فإن دين الإسلام يُفسِّر لماذا ينفذ الانتحاريون هجماتهم. انتهى الأمر.

(٣) الموت في سبيل تجاهل الدين في التفجيرات «الانتحارية»: روبرت إيه بيب
أو هكذا قد يظن المرء؛ فقد اشتُهر بإعادة فتح النقاش ضد التفسير الديني للهجمات الانتحارية عالِمُ السياسة بجامعة شيكاجو روبرت بيب؛ فقد لقي كتابه «الموت في سبيل الفوز» حفاوة في أوساط العلوم الاجتماعية، وتتردد أفكاره في مقالات الرأي في وسائل الإعلام الكبيرة كصحيفة نيويورك تايمز (بيب ٢٠٠٣). فبينما لا يعارض بيب صراحة هؤلاء الذين ينسبون التفجيرات الانتحارية مباشرةً «للإسلاموفوبيا»، فإنه يحاول تبرئة الدين — سواء الإسلام أو غيره — من أي نوع من المسئولية عن التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط. «توضح البيانات عدم وجود رابط كبير بين الهجمات الإرهابية الانتحارية والأصولية الإسلامية، أو أي دين في واقع الأمر …» (بيب ٢٠٠٣)، ودعمًا لهذا الاستنتاج، يجمع بيب قدرًا كبيرًا من الإحصاءات التي يستنبط منها أن الدين «نادرًا ما يكون أصل (التفجيرات الانتحارية)»؛ ففي أسوأ الأحوال «غالبًا ما يُستخدم الدين أداةً في يد المنظمات الإرهابية للتجنيد وفي غيره من الجهود التي تسعى لتحقيق هدف استراتيجي أشمل» (بيب ٢٠٠٥، ٣٨). في بعض الأحيان، يبدو بيب كما لو كان يخاطب الذين «يبالغون في الاهتمام بالدين»؛ ومن ثم الذين يسعون لإلقاء لوم التفجيرات الانتحارية على «الإسلاموفوبيا»؛ إذ يقول بيب إن «الرابط المفترض بين التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط والأصولية الإسلامية افتراض مضلِّل» (بيب ٢٠٠٥، ٣٨)؛ لذا فإن كتاب بيب يهمنا لأنه يُمثل الرأي المناقض لأمثال مَن هم على شاكلة هيتشنز بقوله إن الدين — سواء الإسلام أو غيره — لا مكان له إطلاقًا في تفسير ظاهرة مُعترف بطبيعتها السياسية كالتفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط. لكن بيب، في رأيي، فرَّط في الاهتمام بدور الدين في الشئون السياسية حتى وإن أفرط فيه هيتشنز وأمثاله.

وحتى نكون منصفين تمامًا مع بيب، علينا أن نتناوله على عدة مستويات، لا سيما استخدامه للمنهج الإحصائي، لكن بينما لا أُقلل من شأن الأساليب الكمية، فإنني لا يمكنني الاعتماد عليها هنا. فعلى أي حال، لا يتجاوز الهدف الرئيسي من ذكر بيب في المناقشة تقديم مثال على شخص «يُفرِّط» — برأيي — في النظر إلى الدين في تفسيره للتفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط، فبيب يناقض نفسه في الواقع، وخلال ذلك يدعم حججي المؤيدة لفكرة أن الدين يلعب دورًا خطيرًا في التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط. وفيما يخص هذا الربط، توجد على الأقل مشكلة واحدة كبيرة فيما أنجزه بيب؛ فبينما قد يكون من الجيد إنقاذ الإسلام من براثن أتباع هاريس وهيتشنز، فإنني أومن بأن ذلك سيكون على حساب فهمنا بدرجة كبيرة، فبإنكار أن الدين له أي دور مهم في التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط، يُسطِّح بيب الظاهرة التي يتناولها. إن قوة أسانيدي في كل ما مضى تكمن في أننا إن نظرنا نظرة أعمق إلى «الدين» و«السلطة» و«السياسة»، واستقصينا تلك المفاهيم، فسيمكننا أن ندرك أشياء جديدة عما يحدث في العالم. فبيب لا ينظر بعمق إلى أيٍّ من تلك المفاهيم على الإطلاق؛ ففي قوله إن الدين ليس «سببًا جذريًّا» — على سبيل المثال — يبدو أنه يتفادى احتمالية أن يكون الإسلام سببًا من نوع آخر. فماذا يمنع «الدين» من أن يكون «سببًا» مهمًّا دون أن يكون «سببًّا جذريًّا»؟ فما هو — كما أرجو الإيضاح — «السبب الجذري»؟ كذلك من الغريب أن يتمكن عالم اجتماع من تناول الدين من هذا المدخل غير الاجتماعي. لماذا يكرر بيب كل أخطاء «مذهب الإدراكية» الذي يهاجمه طلال أسد (وأنا) عن حق؟ (أسد ١٩٩٣، الفصل الأول) لماذا يختزل بيب إذن مفهوم الدين في مجرد «المعتقد»؟ لماذا إذن يكتفي بتناول ظاهرة إدراكية مثل «الأصولية» و«التشبع الديني» في تصوره لدور الإسلام في التفجيرات الانتحارية، كما لا يذكر إلا المعتقدات والمذاهب؟ (بيب ٢٠٠٣، ٢٠٠٥، ١٦) لماذا — باختصار — يتأثر تصور بيب عن الدين بالأفكار الشائعة والقوالب الفكرية التقليدية؟ أين حقيقة الدين الاجتماعية الثقافية الموجودة حولنا؟ أين الحياة العاطفية، والممارسات التقليدية اليومية، والمناسبات الشعائرية الخاصة، والأثر الخفي في الزمان والمكان لإيقاعات تقويم ديني؛ تهذيب الجسد بالولائم وبالصوم، بالكشف والتغطية وغيرهما؟ أين الحياة الأخلاقية التي تشمل البغض والحب، السرقة والعطاء، التضحية والمصلحة الشخصية؟ كل هذا سيضيع هباءً وسط كمِّ الإحصاءات التي تُشكِّل جزءًا كبيرًا من جهود بيب، لكنني أومن بأن هذا هو مكمن الدين، في «الممارسات المادية» و«شبكات الروابط العاطفية» التي يتحدث عنها طلال أسد (أسد ١٩٩٦، ١–١٥، ٢٠٠٥، ١٢)؛ فمنها — كما أبين في هذا الفصل — يمكننا أن نبدأ في رؤية دور الدين في التفجيرات الانتحارية.

وبالمصادفة، كلما قرأنا لِبيب اتَّضح لنا كيف أَوصله تجنُّبه لهذه الأبعاد المادية والاجتماعية والثقافية للدين إلى حالة من الالتباس عن علاقة الدين بالتفجيرات الانتحارية. ومع ترويج بيب لانعدام صلة الدين بتفسير التفجيرات الانتحارية، يتحدث في مواضع أخرى عن «الدعم الكبير وسط المجتمعات الوطنية» الذي ينعم به الانتحاريون (بيب ٢٠٠٥، ٢٢). فهل من المفاجئ أن يأتي هذا «الدعم» من الانتماءات الدينية؟ وإن صح ذلك، أليس الانتماء إلى هذه الجماعات بطريقة ما أو بأخرى «سببًا» وراء التفجيرات الانتحارية، من خلال وضع سياق دلالي مثلًا تتخذ مثل هذه الأفعال في ضوئه سلطة شرعية؟ بالمثل، حتى إن استبعد بيب دور الدين من تفسيره للتفجيرات الانتحارية، فإنه يقول أيضًا إنه إن اختلف دين أصحاب الأرض عن المحتل، فإن «احتمال» وقوع «التفجيرات الانتحارية» يزيد (بيب ٢٠٠٥، ٢٢)، لكن يجب علينا أن نسأل بيب عن السبب في ذلك، إلا إن كان الدين له تأثير مادي — سببي — ما؛ لذا يجب علينا أن نسأل بيب في النهاية علام يستقر؟ هل الدين عامل مهم في تفسير التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط أم لا؟ وأي جانب من بيب يجب علينا تصديقه؟ وفي النهاية، إن كان الدين عاملًا يدخل في تفسير التفجيرات الانتحارية، فبأي صورة يكون دوره على وجه الدقة؟

(٤) لا دور للدين في التفجيرات «الانتحارية»: طلال أسد
ونتيجة لتفرُّد رأي بيب، يجب علينا أن ننظر إلى مفكِّر آخر يصر على استبعاد الدين من تفسير التفجيرات الانتحارية؛ وهو طلال أسد، فبإنكاره احتمال تدخل الدين في التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط، يستبعد أن يكون الدين عاملًا يدخل في تفسير التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط وفهمها. وعلى عكس بيب — الذي يقبل من حيث المبدأ، على الأقل، احتمال أن يكون الدين دافعًا للناس نحو تنفيذ الهجمات الانتحارية لأسباب دينية — ينكر أسد تلك الاحتمالية — على الأقل — في السياق الذي يخصُّنا هنا؛ وهو الشرق الأوسط أو إسرائيل/فلسطين. ويأتي رفض أسد من «زاويتي» هجوم اثنتين.

بوجه عام، يسعى أسد بدايةً إلى تفريغ المسئولية الأخلاقية والتدخل الأخلاقي من عالم التفجيرات الانتحارية شرق الأوسطي؛ ومن ثم يقول أسد إن علينا فيما يخص الشرق الأوسط أن ننظر للانتحاريين باعتبارهم نتيجة للواقع على الأرض؛ إذ يرى أسد — بعد إجراء التعديلات اللازمة — أن الانتحاري ربما يودُّ أن يقول شيئًا من قبيل أن «الإسرائيليين اضطروني لفعل هذا»؛ لذا فمن الخطأ أن نعتبر أن الانتحاريين «اختاروا أن يبرروا عنفهم في سياق عرف ديني محضٍ» (أسد ٢٠٠٧، ٤٥)، فهم غير مسئولين عما يحدث؛ حيث إنهم بالأساس مجرد مقاومين لشرٍّ موجود بالفعل. وبما أنهم ضحايا تدخُّل الآخرين، فإن وضعًا غير محتمل هو الذي يحركهم نحو إنهاء حياتهم (أسد ٢٠٠٧، ٤٥)؛ فهم يرون أنهم — من هذا المنطلق — «يُقتلون على يد قوة خارجية» (أسد ٢٠٠٧، ٥٠)، وأرواح «حلت بها كارثة» (أسد ٢٠٠٧، ٤٩). قد يبدو أنهم فاعلون مسئولون، لكنهم في الحقيقة لم يمارسوا إلا «فعلًا عشوائيًّا عندما انغلق طريق السياسة أمامهم» (أسد ٢٠٠٧، ٤٧)، فإذا نسبنا إليهم حرية الاختيار أو حس المسئولية الأخلاقية، فسيكون ذلك خطأ في تفسير موقفهم، فهم ليسوا فاعلين لأنهم لا يملكون حرية الاختيار، فهم بالأساس ضحايا عاجزون تقف وراء فعلهم الظاهر أسباب في إطار القهر الخارجي الذي يعانون منه.

بعد ادعاء أسد أن الانتحاريين في الشرق الأوسط ليسوا فاعلين حقيقيين، يُعرب بعد ذلك عن شعوره بأنه لا يمكن فهمهم في ضوء وجود دافع من نوع ما، خاصة إن كان دافعًا إسلاميًّا؛ ومن ثم دينيًّا (سيئ السمعة حتمًا)، فتحميل الإسلام مسئولية التفجيرات الانتحارية — كما يفعل هيتشنز مثلًا بكل حماس — لا يعني التغاضي عن الظلم الذي أنتج منفذي الهجمات الانتحارية فحسب، بل الانغماس كذلك في الإسلاموفوبيا المألوفة بشدة الآن. «قطعًا ليس من المصادفة أن كلًّا من» الإسلام والفاشية «يؤكدان على الأساليب الانتحارية»، كما يحذرنا هيتشنز. لكن في رأي أسد، فإن مثل هذا الاتهام عن جهل يخطئ في تحديد المسئولية الأخلاقية وغير الأخلاقية عن التفجيرات الانتحارية في إسرائيل/فلسطين على سبيل المثال. إن هذا الأمر يَعدِل تحديد متهم إضافة إلى المصادر الدينية التي تغذي إجراميته (أسد ٢٠٠٧، ٤٥)، فحتى إن تمكنَّا من تحديد ما يدور في ذهن الانتحاري، وحتى إن وجدنا فيه دافعًا دينيًّا ما، فلن يكون هذا ذا صلة سببية بالتفجيرات الانتحارية. ولهذا السبب، يقول أسد إن أي محاولة لإيجاد أسباب دينية للتفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط ستفشل حتمًا؛ إذ توجد «قصة أشمل» يجب أن نستكشفها، وهذه «القصة لا تبدأ بمحاولة تفسير فعل ديني» كما يقول أسد (أسد ٢٠٠٧، ٤٦)، بل تبدأ (وتنتهي على الأرجح) بحكاية تركز على فكرة الضحية.

وفي ضوء ما نعرفه الآن عن الذين «يبالغون في الاهتمام بالدين»، باعتباره عاملًا يدخل في التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط، وكذلك الذين «يتجاهلونه»، ماذا أطرح في المقابل؟ استكمالًا لما ذكرته بالفعل في الفصول السابقة، ليس جديدًا أنني أرى مشكلات كبيرة في كلا الرأيين حول علاقة الدين بعمل سياسي هو التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط. وردًّا على هيتشنز ورفاقه، سأُبين أنه بالغ كثيرًا في تحميل الإسلام المسئولية عن التفجيرات الانتحارية، فبينما من الممكن وجود علاقة ما بين الاثنين، فإن طبيعة تلك العلاقة تختلف عما يظنه هيتشنز. وهنا سأستعين بالمفهوم المجدد للدين الذي عرضته في الفصل الثاني لأبين كيف قد يكون للإسلام دور بتوفيره سياقًا ذا معنًى للتفجيرات الانتحارية. فإن كان الإسلام — أو الدين بصفة عامة — يشترك في المسئولية، فإن هيتشنز على ما يبدو لم يفهم حقيقة ذلك؛ إذ يتصور هيتشنز أن الإسلام يملي على نحو مؤثر المسار الذي ينبغي للانتحاري أن يتبعه من بين قائمة من المعتقدات أو الآيات القرآنية. صحيح أن عناصر الثقافة الإسلامية تساعد على استيعاب الكيفية والأسباب وراء تنفيذ الانتحاريين لهجماتهم، لكنَّ ذلك يختلف تمامًا عن الاستشهاد بمجموعة من الأوامر لفعل ذلك. فهل يمكن أن نُحمِّل البابا مسئولية التفجير الذي نفَّذه الإرهابي المسيحي الملتزم تيموثي ماكفي في أوكلاهوما؟ إلا أننا يمكن أن نفهم جزءًا من نظرة ماكفي للعالم — ومن ثم دوافعه — من خلال معنًى استمده من أحد خيوط العقيدة المسيحية. وما يُقال عن ماكفي ينطبق على منظمة كو كلوكس كلان، بل ينطبق ذلك — في هذا السياق — بصورة أكبر على الحملات الصليبية التي وجهت أعمالها أوامر دينية صريحة! فالباحث في القرون الوسطى جان فلوري كسر تقليد التسمية الملطَّفة للحملات الصليبية باعتبارها «رحلات حج»، أو حتى «رحلات حج مسلحة»، وقال إنها كانت «حروبًا مقدسة»؛ أي إنها تقابل الجهاد! (فلوري ٢٠٠١) وهنا يطمس التصور النشط لفكرة المحارب الشهيد أي اختلاف محتمل بين المسيحية والإسلام فيما يخص الدور النشط للشهداء (كاودري ١٩٨٥، ٤٦–٥٦، ٤٦، فلوري ١٩٩١، ١٢١–٣٩). ويقدم كتاب جوبرت النوجنتي بعنوان «أعمال الرب بأيدي الفرنجة» (١١٠٨) النص:
لن تشهد أي أرض جنودًا بهذا النبل يحاربون معًا، وإن شئتَ ذكرتُ لك قصة كل مملكة، وتحدثتُ عن المعارك التي وقعت في كل مكان، لكن ليس فيها ما يضاهي نبل هؤلاء الرجال ولا قوتهم؛ فقد تركوا أوطانهم، وهجروا زوجاتهم، وزهدوا في أطفالهم، فكان البقاء في منازلهم عقابًا لهم؛ فبداخل كل فارس تشتعل الرغبة في الشهادة (نوجنت ١٩٩٧، ٥٠-٥١).

على نحو مشابه، في الحالة المقابلة التي «يتجاهل» بيب فيها دور الإسلام والدين، فإن تلك العناصر الثقافية بالتحديد هي التي تشترك في صناعة المعنى الذي ينبغي فهمه لنرى كيف يدخل الدين الإسلامي ضمن أسباب التفجيرات الانتحارية. أما أسد — أخيرًا — فسأحاول أن أُعيد طرح معنًى مناسب للفاعلية — وخاصة فاعلية الدين — في إنتاج التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط. لا يعني هذا إطلاقًا أن أنكر على أسد منطقه القوي في أن التفجيرات الانتحارية في إسرائيل/فلسطين تندرج في سياق صراع مقاومة، لكنه — كما سأوضح — يُوسِّع السياق لأبعد مما يتصوَّر أسد. وأسعى لرؤية الانتحاريين كما يرون أنفسهم؛ باعتبارهم هدية وفداءً واستشهادًا سياسيًّا دينيًّا يُقدَّم تحت مظلة ثقافة إسلامية دينية. باختصار، يوجد ما يُطلق عليه الإسلام الجهادي أو المتطرف، فهي ظاهرة إسلامية تمامًا، رغم أنها تنتمي لإسلام محل نزاع بقدر ما هي ظاهرة محل نزاع، لكن لا يعني أيٌّ من ذلك أن الجهاديين يتحدثون بلسان أغلبية المجتمع الإسلامي أو حتى جزء ملموس منه، فهي مسألة تجريبية لا يمكن تناولها إلا عن طريق الأبحاث الاجتماعية.

(٥) كيف يسهِّل الدين تفسيرَ التفجيرات الانتحارية؟
وعليه، فسأبين كيف أن فهم التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط يستلزم استحالة استبعاد «الدين» من تحليلنا من دون خسارة فادحة على مستوى فهمنا، كما يستلزم ذلك أن أُعرِّف «الدين» على نحو معين ينسجم — جزئيًّا — مع أهدافي النظرية، وهي محاولة فهم التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط؛ لذا فأنا لا أتقيد بالتعريفات الشائعة أو اليومية «للدين»، ولا بالقوالب الفكرية الشائعة الستة عن طبيعة الدين، من أجل طرح تصور لدور الدين في التفجيرات الانتحارية في إسرائيل/فلسطين. هذا إذن موضع اتخاذ قرارات نظرية؛ موضع أخاطر فيه بطرح تعريف للدين يُعد بارزًا في الموقف الحاضر؛ إذ أرى أن الدين يجب أن يُنظر إليه باعتباره عاملًا مؤثرًا في كثير من شئون العالم، وأرى أن التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط تدخل فيها؛ لذا فهذا موضع على المرء أن يتساءل فيه عن معنى «الدين» في القضية محل النقاش، هذا موضع ربما لا تصلح فيه التصورات التقليدية للدين والسياسة، هذا موضع لا يصح فيه افتراض الأفكار التقليدية عن الخير أو الشر الحتمي في الدين، بل يجب أن تكون محل جدل شديد، هذا موضع تتوارى فيه الفكرة التقليدية للدين باعتباره المعتقد أمام مفهوم للدين تحتل فيه الممارسة والتجسيد والعاطفة وما شابه نفس القدر من الأهمية — إن لم تكن أهم — من المعتقد، بما في ذلك الإيمان بالرب. وهنا أيضًا الموضع الذي توصلت فيه لاستحالة الحكم بأن السياسة «تستخدم» الدين أو أن الدين «يستخدم» السياسة، بل لا «يستخدم» أيٌّ منهما الآخر، فالدين والسياسة ما هما إلا مضطلعان بما يُتوقع منهما، في ضوء فَهْمٍ أكثر حكمةٍ لكليهما؛ فهذا موضع يمكن فيه للدين أن يكون عامًّا ومشاركًا في لعبة السلطة السياسية؛ حيث لا تتفق الافتراضات التقليدية الشائعة عن الدين بأنه تلك الحقيقة التي توصف ﺑ «الروحانية» والداخلية دائمًا مع الحقائق، فهذا إذن موضع يؤدي فيه استبعاد الدين من المعادلة وعدم النظر إليه إلا في ضوء القوالب الفكرية التقليدية إلى تسطيح فهمنا للتفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط.

وأخيرًا هذا موضع تبين لنا فيه استقصاءات «السلطة» و«السياسة»، التي أجريتها في الفصلين الثالث والرابع، إلى أي درجة ينبغي لنا أن نتوخى الحذر عندما نطلق افتراضات عن معاني هاتين الكلمتين فيما يتعلق ﺑ «الدين». فهل يُحدِث الانتحاري مثلًا تأثيره من خلال السلطة الشرعية أم القسرية أم كلتيهما؟ وهل الانتحاريون بامتلاكهم سلطة شرعية معينة هم أشخاص يحققون أو يمكنهم تحقيق أهدافهم من خلال استحواذهم على برنامج ديني أخلاقي يفرض بدوره على الآخرين أن يتصرفوا على نحو معين؟ أم إنهم — بتشجيعٍ ممَّا لديهم من قوة قسرية — يصلون في الأغلب إلى أهدافهم من خلال الممارسة الصريحة للسلطة السياسية التي تصل إلى حد العنف الفعلي، وليس بالصورة المجازية في تعبير «العنف المؤسسي»؟ هل من الأفضل كذلك فهم سلطة الانتحاري في ضوء فكرة فوكو التي تقول إن القوة تنتشر وتعُمُّ العالم البشري؛ أي إنها «تمتد بامتداد الكيان الاجتماعي»؟ (فوكو ١٩٧٧ج، ١٣٤–١٤٥، ١٤١) أم من الأفضل فهم «سلطة» الحدود البشرية باعتبارها تركز على الدولة، بما في ذلك الأمة بوصفها «مجتمعًا مُتخيلًا» ودولة قومية في النهاية؟ وهل عندئذٍ تصبح فكرة فوكو عن السلطة بوصفها «طاقة ديناميكية تنتشر خلال النظام الاجتماعي» الأداة المثلى لسبر أغوار لغز التفجيرات الانتحارية؟ (تشيدستر ١٩٨٨، ٨) أم إن الإشارة إلى الدولة والأمة — بعكس ما يرغب فوكو وكما سأُبيِّن — يجب أن تدخل ضمن حديثنا عن السلطة بالمعنى القسري؛ أي سياسة السلطة؟ بالمثل، وفيما يخص تداعيات استقصاء «السياسة» في حالات مثل التفجيرات الانتحارية، أومن بأننا نستطيع أن نفعل ذلك بالصورة المثلى مع مفاهيم الدين والسياسة الثرية التي أنتجتها استقصاءاتنا في الفصول السابقة.

(٦) التفجيرات الانتحارية «كارثة»، لكنها أيضًا «انتصار» ﻟ «خلود العلمانية»
اسمحوا لي أن أبدأ برد مفصَّل على حجج الإقصائيين في البداية. من أهم أسباب وضع الدين في الاعتبار عندما نحاول فهم الانتحاريين — على الأقل «الدين» بالمعنى اليومي، بما في ذلك الإسلام — هي كلمات الإقصائيين أنفسهم. سيتضح سريعًا أن تلك الكلمات لا هي تدعم تصور أسد عن اللامسئولية والوقوف موقف الضحية، ولا هي تُسهِّل على بيب التخلص من الدين تمامًا. ما هي إذن طبيعة الرؤية الإيجابية للفاعلية والمسئولية التي توجِّه التفجيرات الانتحارية التي تعود للظهور الآن خلف قناع ديني في سياق الحديث عن الفداء والهدية والخلود والانتصار على الموت؟

مع وضع قضية الفاعلية على رأس الاعتبارات، لنبدأ استكشاف كُنه التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط، فإن كان الانتحاريون فاعلين، وليسوا مجرد ضحايا للكارثة لا دور لهم، كما يُصوِّرهم أسد، فما الذي يمكن أن يكون المرشح الأول لفهم فاعليتهم؟ ليس بجديد أننا إن نظرنا لما يقوله الانتحاريون أنفسهم فسيتصدر «الجهاد» القائمة حتمًا. إن اعتبار الانتحاريين أنفسهم مجاهدين مقاتلين يطغى بكل تأكيد على الرأي القائل إن «الانتحاريين» ينبغي — بطبيعة الحال — تسميتهم «منتحرين»، فقتل النفس شيء، لكنَّ قتلَ النفس باعتباره سلاحًا في صراعٍ شيءٌ مختلف تمامًا. وفي السياق الإسلامي — فيما سوى الصراع — وحتى مع وجود النية الدينية الواعية، فإن مجرد قتل النفس لا يضمن أبدًا مكانًا لصاحبه في الجنة. إن وجود الصراع في سبيل العدل والدفاع عن الإسلام هو ما يمنع — للوهلة الأولى على الأقل — الإدانة الصريحة الكاملة للتفجيرات الانتحارية.

فماذا يدخل — على الأقل — ضمن رؤية ما تعنيه «التفجيرات الانتحارية» في إسرائيل/فلسطين للمنفذين أنفسهم؟ ولإعطاء إجابة مباشرة، يمكن القول دون تحفُّظٍ إنه بغضِّ النظر عن أي احتمالات أخرى، فإن هذه الهجمات تهدف حتمًا لقتل اليهود والإسرائيليين والمتعاونين معهم من الفلسطينيين، وما يتجاوز بمراحل إنهاء الاحتلال؛ إبادة إسرائيل نفسها. فالانتحاريون يهدفون لاستعراض القوة القسرية بعنف (من اللافت أنهم لا يأبهون بأي حملة منسقة للمقاومة السلمية)، فإعلانات حماس وغيرها من المنظمات المنفذة لتلك الهجمات أوضحت ذلك بشدة؛ إذ تركز حماس مثلًا على المعاناة التي تسببها للعدو على يد «الانتحاريين» بدلًا من التركيز على «ما تعانيه هي نفسها». وفي أذهان الانتحاريين أنفسهم، هم لا يكتفون بتحملهم المسئولية فحسب، بل ويؤكدون عليها بقوة؛ فميثاق حماس — على سبيل المثال — يقول الكثير عن إبادة إسرائيل وعن الجهاد (إزرائيلي ١٩٩٧، ٩٦–١١٢، ٩٦). كذلك يسعى حزب الله لتبرير موت «الانتحاريين» بالمعاناة التي نزلت بعدد المصابين الذين سقطوا من صفوف العدو (إزرائيلي ٢٠٠٢، ٢٣–٤٠، ٢٣). هذه الأمثلة، كما يوجهها خطاب الجهاد النشط، ينبغي أن تدفع إلى الحذر من الحديث السطحي عن المفاهيم الأخرى في التفجيرات الانتحارية كتلك (الخاصة بطلال أسد في الواقع كما سنرى) التي تجرِّد الانتحاريين من الفاعلية والمسئولية عن أعمالهم. فهم أنفسهم يعلنون بأعلى صوت أن التفجيرات الانتحارية أعمال شجاعة بطولية استشهادية. كذلك ينبغي أن تدفع مكانةُ الجهاد هؤلاء الذين يرون التفجيرات الانتحارية (كما أنظر إليها أنا أيضًا) في ضوء السلطة الشرعية بدلًا من السلطة القسرية الصريحة إلى إعادة النظر. وبهذه الصورة، يُمثِّل عنصر الجهاد في التفجيرات الانتحارية مثالًا جيدًا على ما لاحظ برايان إس تيرنر وفريدريك فولبي أنه بمنزلة «الإسراف في منظومات السلطة الشرعية العشوائية التي تسعى بالقوة لفرض آرائها باعتبارها تتمتع بسلطة شرعية» (فولبي وتيرنر ٢٠٠٧، ١–١٩، ١١). وسأبين أن التفجيرات الانتحارية كان يجب بناءً على ذلك أن يُنظر إليها باعتبارها تجسد السلطة الشرعية من ناحية كونها فداءً، فالتضحيات — بعكس الجهاد — لا تُوجَّه في العادة مصالح بعضها ضد بعض، بل هي نوع معين من «الهدايا» تُقدَّم للآخرين أو باسمهم. إن الانتحاريين يكتسبون سلطتهم الشرعية باعتبارهم مقدِّمي «عطايا» قيمة. هذه هي الطريقة التي يصيرون بها «أبطالًا» للمقاومة الفلسطينية.

من المؤكد أن الجهاد في إسرائيل/فلسطين — في عقلية الانتحاريين — كما يزعم أسد هو فعل يتم ضمن سياق رد الفعل على الواقع العسكري لإسرائيل، لكن هذا لا يحسم المسألة كثيرًا؛ حيث إنه لا يوجد حَكَمٌ ليعلن مَن «البادئ»، ويحدد بموضوعية لمن ردُّ الفعل؛ هل كانت أولى الحملات الصليبية «عدوانًا» (والصليبيون «فاعلون» أخلاقيون من ثم) أم أنها لم تكن سوى رد فعل على غزو المسلمين واحتلالهم لأراضٍ مسيحية في السابق؟ من الشائع في الصراعات أن كل طرف يلقي باللوم على الآخر «لإشعال فتيله». ألا يرى الإسرائيليون في المعتاد أن العمليات العسكرية الإسرائيلية هي رد فعل على الهجمات الصاروخية، أو على التهديد العسكري الشامل الناتج عن تطويقهم من أعداد كبيرة من العرب المعادين؟ إن مجرد الحديث عن الشكاوى لا يحسم أي شيء؛ فأمام كل شكوى فلسطينية بالتأكيد — سواء أكانت مدعمة بالأدلة أم لم تكن — هناك شكوى إسرائيلية تقابلها.

نعم، إن الإهانة المفهومة نتيجة الاحتلال العسكري والتوسع في المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي العربية يمكنها مع ذلك أن تثير «الغضب» (أسد ٢٠٠٧، ٤٧)، وقد يُفكر المقاتلون كذلك — وهو ما لن يراه أمثال أسد خطأً بالطبع — في أنه في ضوء معاناتهم «الظلم»، فإن «الفعل العشوائي» في صورة العنف هو البديل الوحيد الباقي أمامهم (أسد ٢٠٠٧، ٤٧). دَعْ عنك للحظة أن أعمال العنف الفلسطينية تلك لا تنفع إلا الاحتلال، كما قال بعض الفلسطينيين أنفسهم. فالمقصود هنا أنه لا جديد في محاولة أسد إعادة بناء السياق العاطفي الذي يغذِّي المقاومة الفلسطينية، حتى وإن تصوَّر أسد العكس. فأي طرفٍ في صراعٍ سيبرر أعماله بزعمه أنه يدافع عن نفسه، لكن المهم هو أن تلك المزاعم ترافقها مبرراتها الدينية، التي يستبعدها أسد بسهولة، رغم أنه ينتقد الآخرين بسبب تجاهلهم «وجهة نظر السكان المحليين» (أسد ٢٠٠٧، ٤٤). فإن كنا مُصرِّين على جعل وجهات النظر المُعلَنة للانتحاريين جزءًا من فهمنا لأفعالهم، فلا يمكننا إذن أن نختار منها ما يدعم أهدافنا السياسية، كما يفعل أسد بوضوح، فعلينا أن نواجَه بالحقيقة المعقدة؛ وهي أن التفجيرات الانتحارية في الشرق الأوسط مسألة مُركبة لا يرقى إليها شكٌّ تدخل فيها عوامل عدة، وتجمع بين الدين والسياسة.

لذا، إن تمكَّنا من تجاوز تلك المحاولات اليائسة لإلقاء المسئولية الأخلاقية على الطرف الآخر، فسيكون علينا في النهاية أن نستعيد معنًى سليمًا للفاعلية والمسئولية، وتطبيقهما على الانتحاريين. لا يعنى هذا تحميل الانتحاريين المسئولية بالنسبة غير الواقعية ١٠٠٪ أكثر مما هو عليه الحال مع أي فعلٍ لأيِّ شخصٍ في الواقع، لكن علينا أن نعود إلى المعنى السليم للفاعلية أمام إصرار أسد على نزعها — وخاصة الفاعلية الدينية — من عالم الانتحاريين، فإهمال أيٍّ من صور الفاعلية في أذهان الانتحاريين يعني — على الأقل — إهمال «النظر في المفاهيم التي يستخدمها أصحاب الشأن بالفعل» (أسد ٢٠٠٧، ٤٤).

والغريب أن أسدًا قدَّم واحدة ربما من أفضل الحُجج التي تدحض إنكاره هو لدور الدين في التفجيرات الانتحارية؛ ففي مرحلة معينة من حُجته، يعترف أسدٌ نفسه بأن الانتحاريين يرون أنفسهم سلبيًّا على أن «الكارثة حلَّت بهم»، وكذلك يرون أنفسهم فاعلين كما يبدو للعالم كله في السياق الديني. فمثل هذه الميتة «تمثل انتصارًا» (أسد ٢٠٠٧، ٤٩)، وهو انتصار يؤدي إلى «خلود العلمانية» (أسد ٢٠٠٧، ٤٧، ٤٩)، وإذا كان هذا هو الواقع، أفليس علينا أن نسعى لاستيضاح الرؤية تجاه هذا «الانتصار»؟ ما هو المضمون والأساليب الإيجابية التي تدعم هذا الانتصار؟ هل يوجد إقليم مثلًا يتمتع ﺑ «الانتصار»؟ هل يوجد كيان سياسي يتجسد فيه «الانتصار»؟ وكذلك أين يعيش هؤلاء الذين حققوا «خلودهم» المزعوم؟ بالنظر إلى أن هذا الخطاب عن الفاعلية الدينية يتعارض على نحو صريح مع سردية الضحية العلمانية التي يقدِّمها أسد، فإن كل شيء يدفعنا لئلَّا ننتظر أي أجوبة على تلك الأسئلة منه.

وأمام عدم تماسك رؤية طلال أسد، فأنا مضطر لاتباع الخيط الذي يقدمه الانتحاريون أنفسهم في حديثهم عن «الانتصار» و«الخلود»؛ ففكرتي الرئيسية تتمثل في أن جزءًا آخر من الدوافع المحركة للتفجيرات الانتحارية يكمن في اعتبار الانتحاريين أنفسهم هدايا للأمة؛ أي أضاحي دينية. مرة أخرى، لا يعني هذا إنكار القوى الخارجية التي تؤثر في الانتحاريين، وأنهم «يُحركهم وضع غير محتمل» (أسد ٢٠٠٧، ٤٥). ورغم محاولة أسد أن يصبغ الانتحاريين بصبغة من السلبية — باعتبارهم أرواحًا «حلت بها كارثة» (أسد ٢٠٠٧، ٤٩)، فإنني لا أظن أن كلمات الانتحاريين ستؤيد صورة الضحية البائسة عندما يُقال الكثير عن كونهم هدايا وأضاحيَ (ومجاهدين بالطبع). إن الاستخدام التقليدي للفظة العربية «هدية» تربطها بأكثر الكلمات التي تعبر عن الفداء شيوعًا: «الأضحى» و«القربان». فكلمة هدية/هَدْي من الناحية الدلالية تعني أيضًا الفداء والذبيحة، وإن لم يكن هذا الاستخدام شائعًا لا شك بسبب هيمنة الألفاظ الأخرى؛ أي الأضاحي والقرابين. مع ذلك، ورغم عدم الشيوع، فإن العلاقة القوية بين لفظة هدية ولفظة أضحية/قربان تتيح لنا الربط بين كلٍّ من الهدية والأضحية (علي ٢٠٠٨، تعليقات شخصية).

(٧) التفجير الانتحاري = جهاد + فداء
أمام أولئك الذين يعتبرون الجهاد — سواءً أكان فعلًا أم رد فعل — الإطار الوحيد لرؤية التفجيرات الانتحارية، علينا أن نسجل حقائق مناقضة؛ إذ تظهر أُطُر أخرى بارزة من كلمات الانتحاريين أنفسهم، فهم يرون أنهم يؤدون أدوارًا دينية مزدوجة، فهم محاربون مقدسون يؤدون الجهاد، لكنهم أيضًا شهداء وأضاحٍ. هنا لا أتحدث عن الفداء باعتباره نوعًا من السلوك الأخلاقي أو الحالة الذهنية كما يفترض عادة الغرب الليبرالي ذو الفكر الديني. تذكَّر في استقصائنا لمفهوم «الدين» كيف تشكك المفكرون البروتستانت الليبراليون في انتساب بعض أشكال الدين المادية — كالفداء — إليه فعلًا؛ إذ وصف أحد علماء اللاهوت المشهورين في أواخر القرن التاسع عشر الفداء بأنه مثال على «المادية الدينية». ومن هذا المنطلق، أي دين مزعوم يعطي مكانة محورية للالتزام الشعائري والممارسات هو دين «يشوبه شيء من الخرافة دائمًا»؛ بمعنى أنه ليس دينًا حقيقيًّا على الإطلاق (ريفيل ١٨٧٤، ١٣٨–١٥٦، ١٥١). كان هذا الرفض للجانب المادي من الدين بالتبعية محاولة لتحويله إلى الروحانية؛ إذ رأى هؤلاء اللاهوتيون البروتستانت الليبراليون أنه لكي ننظر إلى الفداء، علينا أن نتناوله «من زاوية أخلاقية ودينية أسمى» (ريفيل ١٨٧٤، ١٣٨–١٥٦، ١٥٤)؛ باعتباره «اشتياق المؤمن للاتحاد الأبدي مع» الرب (تييل ١٨٩٨، ١٤٩). لكن وعلى النقيض، فداء الانتحاريين مادي تمامًا — وإنْ بشكل بشع — لدرجة أنه يعطي صورة دموية صادمة. وفي الفترة الأخيرة، أعرب أحد الانتحاريين عن سعادته باحتمال أن تتناثر أشلاؤه عند الانفجار على نطاق واسع من أرض العدو، وأن يتعلق بعضها بأجساد الأعداء (لورنس ٢٠٠٥). لذا، وفي تغطية لآراء السيدات المحتمل تحولهن لانتحاريات بعد ١١ سبتمبر، كتبت ساندرا جوردان في مجلة نيو ستيتسمان اللندنية كيف ترى الانتحاريات أنفسهن من زاويتي الجهاد والتضحية معًا:
تقول ريهام: «نعرف ما تحتاجه فلسطين منا؛ الجهاد. لو كان أسامة اختار شيئًا خلاف ذلك، لكان عاش لنفسه وخذل فلسطين. ينبغي للجميع أن يختاروا الفداء حتى نستعيد حقوقنا، فالإسرائيليون يحتلون أرضنا، وعلينا أن ننهي هذا الوضع، والجهاد هو السبيل الوحيد» (جوردان ٢٠٠٢).

بالمثل، إن أخذنا كلمات أسامة بن لادن على محمل الصدق، فإن الخاطفين في هجمات ١١ سبتمبر كانوا «فداءً» بقدر ما كانوا «شهداء»، قال أسامة بن لادن: «لقد وُفِّي إخواننا التسعة عشر أجرهم بهذا الانتصار الذي نحتفل به اليوم.» وفي موضع آخر يشيد ابن لادن ﺑ «هاني حنجور … من أهل الطائف، مدمِّر مركز الدفاع الأمريكي (البنتاجون). صفاء ظاهر، وفداء باهر. نحسبه، والله حسيبه» (ابن لادن ٢٠٠١). إذن بما أن الانتحاريين انعكاس للفاعلية، فإنهم يرون أن أفعالهم تجمع بين الجهاد والفداء. ومما يزيد الأمور تعقيدًا إدخال الاستشهاد في المسألة أيضًا. فإن كان من الممكن — ومن الواجب — فصل هذه المفاهيم الثلاثة بعضها عن بعض من أجل التبسيط، يظل التداخل المعقد فيما بينها حقيقة لا يمكن إنكارها كذلك.

الشيء الذي يتضح مما سبق وغيره من التأكيدات على المكانة المحورية للفداء في النظرة المسلمة أو الإسلامية المتشددة فيما يخص التفجيرات الانتحارية، أن مثل هذه العمليات في فكر حماس والقاعدة وغيرهما يطلق عليها كذلك «هجمات فدائية»، أو «عمليات استشهادية»، أو ما شابه. ومن هذا المنطلق، يتضح أن مصطلح «التفجيرات الانتحارية» يتضمن انتقاصًا أو تحقيرًا لا يفيد إطلاقًا. فعلى الأقل، وبينما لا أنسى أن «الجهاد» يظل حاضرًا بقوة، سأحاول أن أبيِّن تعدد أوجه الخطاب عن «الانتحاريين». فالمفاهيم الدينية «كالفداء» تدخل ضمن «العناصر» المكونة للصورة الكلية؛ لذا فإن مقصدي هو أنه حتى إن وضعنا الجهاد في مكانه الصحيح ضمن الوضع المفاهيمي الذي يميز «التفجيرات الانتحارية»، من أجل الفهم التام حتى لبعض النواحي الجهادية المتعلقة ﺑ «التفجيرات الانتحارية»، فعلينا أن نتبنى رؤية عن الإسلام تردد دائمًا أن الانتحاريين ينتسبون للدين؛ بمعنى أنهم فداء. يتعين علينا أن نولي اهتمامًا أكبر بالفروق الدقيقة والمواصفات والتناقضات الداخلية في التفسيرات التقليدية ﻟ «التفجيرات الانتحارية» كما قد يوحي مفهوم الجهاد البحت؛ فالجهاد — كما أظن — ما هو إلا جزء من حكاية «الانتحاريين»، وجزء من ارتباط دوافعهم بالدين بقدر ارتباطها بالسياسة.

لذا، فأنا أومن بأن مثل هذا الأسلوب يعطينا الإذْن بالغوص في أعماق إطار مرجعي أكثر ارتباطًا بالإسلام من أجل فهم دوافع مَن يُطلق عليهم لفظ انتحاريين. وهذا الإطار المرجعي ﻟ «التفجيرات الانتحارية»، في رأيي، لا يقتصر على الجهاد، بل هو الفداء؛ إذ تكمن الصبغة الإسلامية للتفجيرات الانتحارية في مستويات أعمق مما تصادفه عين الملاحظة اليومية؛ ففي إسرائيل/فلسطين بينما تدخل ضمن دوافع هذه العمليات الانتحارية مهاجمة الآخرين صراحةً في سبيل الجهاد، يدخل ضمنها في الوقت ذاته دافع آخر هو إنشاء كيان سياسي فلسطيني، من خلال تقديم قربان إلى الله وفداء للأمة؛ إذ يسعى «الانتحاريون» إلى قتل اليهود، لكنهم بصفتهم فواعل، فهم جزء من أُسرهم ومجتمعاتهم، ويعيشون في عالم يحيط به كائن أسمى له هدف سياسي مستقل يتجاوز قتل اليهود أو غيرهم من الأعداء المباشرين، فدلالة الأفعال التي ينفذها «الانتحاريون» تتفرع جزئيًّا من شبكة تجمع بين العلاقات الإنسانية والروحانية التي يرون أنهم يعيشون فيها هم أنفسهم في الحاضر، وكما يتصورون حياة عائلاتهم الممتدة وشعوبهم في المستقبل؛ إذ تتجاوز دوافع «الانتحاريين» الجهاد، وكذلك الانتحار، فمن بين تلك الدوافع — كما سأوضِّح — التضحية؛ لذا وفي مقطع مُصوَّر عُرض على قناة الجزيرة في عام ٢٠٠١، سخر ابن لادن من نفاق الولايات المتحدة عندما واجهت هجمات ١١ سبتمبر، مؤكدًا في ذلك الموضع على أن الخاطفين كانوا مجرد «تسعة عشر طالبًا فيما بعد المرحلة الثانوية» قدموا الفداء الأكبر؛ وهو حياتهم:
أمة من ١٢٠٠ مليون مسلم تُنحر من مشرق الأرض إلى مغربها في كل يوم، في فلسطين، وفي العراق، وفي الصومال، وفي جنوب السودان، وفي كشمير، وفي الفلبين، وفي البوسنة والشيشان، وفي آسام لا نسمع لهم صوتًا، فإذا ما قامت الضحية، إذا ما قام المظلوم يقدِّم نفسه من أجل دينه، ارتفعت أصوات هؤلاء! ١٢٠٠ مليون مسلم يُنحَرون لا حسَّ لهم، فإذا قام رجل ليذود عن هؤلاء، قام أولئك يرددون ما يشتهي الطغاة (لورنس ٢٠٠٥، ١٥٣).

وفي نفس الخطاب، يؤكد ابن لادن مرة أخرى على أن هجمات ١١ سبتمبر — وهي ضرب من ضروب الجهاد — كانت كذلك هدية فدائية تمامًا قُدِّمت في سبيل الإسلام: «هؤلاء هم منفذو هجمات ١١ سبتمبر الذين تركوا الدنيا ونعيمها من أجل لا إله إلا الله» (لورنس ٢٠٠٥، ١٥٤).

إن خطاب التضحية غالب لدرجة أن «ماكس» المنشق عن القاعدة تحدث هو نفسه عن الإخلاص لأسامة بن لادن من جانب الفداء؛ ففي معرض إشارته لأصحاب أسامة بن لادن يقول:
أتعلم؟ أراد كلٌّ منهم أن يفدي أسامة بن لادن، فهم يريدون أن يبذلوا أموالهم وكل ما لديهم ليضحوا بأنفسهم من أجل ابن لادن، وإن طلب ابن لادن من أيهم أن يفعل أي شيء؛ أن يقتل نفسه، فلن يرفض. هناك الآلاف الذين يرغبون بالتضحية من أجل ابن لادن (ماكس).

كلمات الانتحاريين ومن هم على صلة بهم تبين لنا أنه ليس من الصعب معرفة الدوافع التي تحركهم لمجرد أن «الفاعل يموت في الهجوم»، فهي دوافع «يمكن معرفتها» بقدر ما يمكن معرفة دوافع الكثيرين في الانتحار العادي، حتى وإن قلت إن تلك الهجمات هي شيء يختلف تمامًا عن الانتحار العادي (أسد ٢٠٠٧، ٤٥). أمر ثانٍ، إن اتبعنا القاعدة المنطقية تمامًا التي تقول إنه «للحديث عن الجوانب الذاتية في الدين، علينا أن ندرس مفاهيم الأفراد ذوي الصلة»، سنجد أن كلًّا من «الجهاد» و«الفداء» له دور واضح في التفجيرات الانتحارية (أسد ٢٠٠٧، ٤٤)، فينبغي على الأقل أن نفصِّل هذين الجانبين عند التفكير في التفجيرات الانتحارية.

بعد تناول «الجهاد» بصفته تجسيدًا للسلطة بالمعنى القسري، أزعم أن دلالة الخطاب الديني أو خطاب الفداء في التفجيرات الانتحارية تكمن في تجسيد جانب مغاير تمامًا من السلطة؛ وهو السلطة الشرعية. إن اقتراح دومو بالحديث عن «السلطة» دونما تمييز ما هو إلا تكرار لعبارة أورويل عن «العادات السيئة» في التفكير من خلال الحديث «بطريقة سيئة»، فالفداء ليس قتل العدو؛ إذ ليس فيه أي سلطة قسرية على العدو. في الواقع، وفي بعض الحالات، تكون السلطة القسرية المتعلقة بتقديم النفس قربانًا في التفجيرات الانتحارية كعمل جهادي أمرًا مرهونًا — من وجه معين — بالتضحية بالنفس، فحتى الانتحاريون الذين يفشلون في قتل أي شخص سوى أنفسهم لا يزالون يتمتعون بسلطة شرعية مثل الذين ينجحون في استعراض السلطة القسرية الجهادية من خلال قتل العدو. وتلك هي السمة التي أسعى لدراستها، وحتى إذا فشل هجوم في بعض الأحيان، فإن الانتحاري يُفجِّر نفسه على أي حال، علينا إذن افتراض أنه من أهم الأشياء التي يحملها بعض الانتحاريين في أذهانهم نية الفداء؛ الرغبة في التخلِّي عن الحياة في سبيل الهدف المنشود — أي التضحية — حتى وإن لم توجد منفعة مادية يحققها الهجوم. والأمر الأكثر وضوحًا هو أن التفجيرات الانتحارية بصفتها فداءً أكدت على التضحية بالنفس؛ ومن ثَمَّ فإنها تتعلق بقتل المرء نفسه؛ لذا فإن مفهوم «الانتحاري» يحظى برواج، لكنه مضلل، بل على النقيض كما سنرى، فإن التفجيرات الانتحارية بصفتها فداءً هي تجسيد لسلطة شرعية لا علاقة لها بمحاربة العدو أو حتى قتله؛ فهي فعل يجسد سلطة شرعية تخلق شيئًا ما بتقديسه، هي سلطة شرعية ترسخ مجتمعًا ما وتعتمد كليًّا على تقبُّله لها. ولدعم ما قد يكون تأويلًا مزعجًا، بل وربما يراه البعض مهينًا من الناحية الأخلاقية للتفجيرات الانتحارية، ينبغي لي أن أقول بعض الكلمات عن الانتحار وعلاقته بالفداء.

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة