📰 آخر الأخبار
 باقتان من الهايكو البولندي المعاصر /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالمكانٌ تركته الشمس/عارف عبد الرحمنGrace the Day /Dr. Debabrata MajiDIWALI:The Festival of Lights/Ashok Kumar Thakurمملكة فيسبوك المخادعة...  عبدالقادر كلول ـ المغربThe passionate flute/Shah Jehan AshrafiTHE RETURN OF ARROWS / Ibrahim Honjoعبد الحميد الديب/مصطفى معروفيNothing by Frank Johnson في مملكةٍ من نسيم/إنتصار الخشتلحظة شجن/هشام فرجي"الساعة الثانية عشر".. حين يصبح الانتظار سجناً وتغدو الهوية سؤالاً مفتوحاً/رضا الستراوي – إعلامي بحرينيالمحلية في الرواية المغاربية / حميد المصباحيالشارقة.. سِدرة الحكايات وظِلّ الموسوعة الجامعة في مهرجان الكتاب/علي نفنوف-الشارقةقتل الله يومًا/ أسامة محمد صالح زاملقصائد هايكو للشاعر الامريكي اثيريدج نايت/ترجمة سالم الياس مدالوClass Enemy/Ri HossainThe Delete Button/Mahi Farhanaليث وصراع الوحوش/صبحة بغورةSIDEWALKS OF MEMORY By Biljana Petkovićما بين الركن والمقام/ناصر ابوعونرَحِيلٌ بِلَا نَحِيبٍ، وَوَدَاعٌ بِلَا قَرِيبٍ /حسام الدين ابو صالحةذكريات / غزلان شرعيالشيخ والثرثار/أحمد غانم عبد الجليلحين استوطن الحب عرش قلبي/سوزانه زين الدين
 باقتان من الهايكو البولندي المعاصر /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالمكانٌ تركته الشمس/عارف عبد الرحمنGrace the Day /Dr. Debabrata MajiDIWALI:The Festival of Lights/Ashok Kumar Thakurمملكة فيسبوك المخادعة...  عبدالقادر كلول ـ المغربThe passionate flute/Shah Jehan AshrafiTHE RETURN OF ARROWS / Ibrahim Honjoعبد الحميد الديب/مصطفى معروفيNothing by Frank Johnson في مملكةٍ من نسيم/إنتصار الخشتلحظة شجن/هشام فرجي"الساعة الثانية عشر".. حين يصبح الانتظار سجناً وتغدو الهوية سؤالاً مفتوحاً/رضا الستراوي – إعلامي بحرينيالمحلية في الرواية المغاربية / حميد المصباحيالشارقة.. سِدرة الحكايات وظِلّ الموسوعة الجامعة في مهرجان الكتاب/علي نفنوف-الشارقةقتل الله يومًا/ أسامة محمد صالح زاملقصائد هايكو للشاعر الامريكي اثيريدج نايت/ترجمة سالم الياس مدالوClass Enemy/Ri HossainThe Delete Button/Mahi Farhanaليث وصراع الوحوش/صبحة بغورةSIDEWALKS OF MEMORY By Biljana Petkovićما بين الركن والمقام/ناصر ابوعونرَحِيلٌ بِلَا نَحِيبٍ، وَوَدَاعٌ بِلَا قَرِيبٍ /حسام الدين ابو صالحةذكريات / غزلان شرعيالشيخ والثرثار/أحمد غانم عبد الجليلحين استوطن الحب عرش قلبي/سوزانه زين الدين
مقالات نقدية

قراءة نقدية لقصيدة “جُدَدُ الخيال” لأميرة صارم/عبد الغفور مغوار – المغرب

Moi et sarem 1

حين يخرج الشعر من تحت الرمال
جُدَدُ ٱلخَيَالِ
ذَبُلَتْ أَقَاحِيُ رَوْضَتِي # فَدَفَنْتُها تَحْتَ ٱلرِّمَالْ
وَكَتَبْتُ أُغْنِيَةَ ٱلْأْسَى # فَذَكَى بِهَا مِسْكُ ٱلْغَزَالْ
رَجَعَتْ إِلَيَّ قَصِيدَتِي # مِنْ بَعْدِ مَا عَزَّ ٱلْوِصَالْ
فَرِحَتْ بِهَا رُوحِي كَمَا # سَعِدَتْ بِهَا جُدَدُ ٱلْخَيَالْ
لَا تَحْزَنِي عَيْنِي إِذَا # طَمَسَ ٱلْقَضَا طَلَلَ ٱلْأَمَلْ
وَإذَا ٱلْهَوَى أَضْنَى ٱلْكَرَى # بَيْنَ ٱلنُّجُومِ وَذِي ٱلتِّلَالْ
فَقَضَتْ سُدًى أَحْلَامُنَا # بَيْنَ ٱلْمَقَابِرِ وَٱلْجِبَالْ
فَلَنَا إِذَا خَابَ ٱلرَّجَا # شَوْطٌ جَدِيدٌ ذَا أَجَلْ
هَيَّا لِنَقْتَفِيَ ٱلْمُنَى # نُسُكًا عَلَى شُعَبِ ٱلظِّلَالْ
مَهْمَا تَزِيدُ هُمُومُنَا # حَتْمًا لَهَا يَوْمًا زَوَالْ


توطئة: حين تكتب التجربة قبل أن تكتب اللغة
هناك قصائد تنشأ من فائض القول، وثمة قصائد تولد من فائض الشعور، فتأتي اللغة إليها بعد أن يكون الوجدان قد قطع شوطا طويلا في الصمت. ومن هذا النوع تنبثق قصيدة “جُدَدُ ٱلْخَيَالِ” للأديبة اللامعة أميرة صارم، قصيدة تبدو في ظاهرها حوارا مع الفقد، بينما تخفي في أعماقها حركة أكثر تعقيدا: حركة ذاتٍ تتعثر في الذاكرة، ثم تستعيد قدرتها على تخيل الطريق.
منذ العتبة الأولى يضعنا النص أمام عالم تتجاور فيه عناصر متباعدة: الروضة والرمال، العطر والأسى، الوصال والفقد، النجوم والتلال، المقابر والجبال، الظلال والمنى. وهذه الثنائيات تمنح القصيدة توترا داخليا مستمرا، بحيث يصبح كل مشهد مقدمة للمشهد الذي يليه.
والعنوان نفسه يستحق وقفة أولى، فتركيبه إضافي يجمع بين اسمين مفتوحين على تأويل واسع: “جُدَد” بمعنى الطرائق والمسالك الحديثة، و”الخيال” الحقل الذي تُستأنف داخله الحياة حين يضيق الواقع عن استيعابها. وبذلك يتحول العنوان إلى وعد مبكر بمسار القصيدة كلها: مسار يبدأ من الانطفاء، وينتهي عند مسالك متجددة للتصور والحلم.
1- الأقاحي وبداية التحول
تقول الشاعرة: “ذَبُلَتْ أَقَاحِيُ رَوْضَتِي / فَدَفَنْتُهَا تَحْتَ ٱلرِّمَالْ”. تأتي الصورة الأولى من عالم النبات، حيث الأقاحي رمز النضارة والبهجة والربيع. غير أن الفعل “ذبُلت” يضعها في الزمن المنقضي، ثم يأتي “دفنتها” لينقل الذبول إلى مستوى أشد قسوة. فالمشهد يتجاوز موت الزهر إلى فعل واع من التواري، وكأن الذات اختارت أن تمنح ما انتهى قبرا يحفظه من عبث الذاكرة.
والرمال هنا عنصر ذو دلالة مزدوجة. فهي قبر يستر، وفي الوقت نفسه فضاء يحفظ الأثر تحت طبقاته، وهذا يجعلها أقرب إلى دفتر مطموس منه إلى فناء تام. ولعل هذه الازدواجية ترافق القصيدة كاملة: كل شيء يبدو منتهيا، ثم تفتح اللغة احتمالا جديدا للعودة، تماما كما يعود الشاعر إلى الرمال في نهاية النص باحثا فيها عن “شعب الظلال”.
وتضيف “رَوْضَتِي” إلى الصورة بعدا ذاتيا عميقا، فالروضة في ظاهرها مكان خارج الذات، غير أنها امتداد لعالمها الداخلي. وحين تذبل الأقاحي، يتصدع شيء من خصب الروح، ويغدو الدفن فعلا مزدوج الوجهة: دفن للزهر الظاهر، ودفن مضمر لجانب من الذات المتألمة معه.
2- حين يتحول الأسى إلى عطر
ثم تقول: “وَكَتَبْتُ أُغْنِيَةَ ٱلأَسَى / فَذَكَى بِهَا مِسْكُ ٱلغَزَالْ”. هنا يحدث التحول الأول في بنية القصيدة: الألم يدخل مختبر الفن.
فالأغنية وليدة الأسى، ومع ذلك تخرج منه محملة بجمال إضافي، إذ تحمل عطرا يبلغ من القوة حدا يجعل المسك نفسه يستجيب له. وتلك مفارقة فنية لطيفة، لأن العلاقة المعتادة بين الشعر والعطر تنقلب هنا: الشاعرة تمنح قصيدتها عطرها الخاص، ثم يبدو المسك متأثرا بذلك العطر، فيزداد به فوحا وذكاء.
وتكمن قيمة الصورة في أنها تمنح الأسى حاسة إضافية، فالأسى، في العادة، إحساس داخلي مجرد، بينما يتحول هنا إلى شيء يمكن شمه وتذوقه. وهكذا تتشابك الحواس: الكتابة تُسمع، والأسى يُغنى، والعطر يُستحضر من داخل الحزن ذاته، في تقنية أقرب إلى ما يسميه النقاد “التوليف الحسي”، حيث تتبادل الحواس أدوارها لخدمة الصورة الشعرية.
و”مسك الغزال” يستدعي الذاكرة العربية القديمة بما فيها من نفاسة وطيب ورفاهة حسية، فتدخل القصيدة في حوار غير مباشر مع مخزون شعري عريق، يمتد من الغزل العذري إلى وصف الطيب في الشعر الأندلسي، من دون أن تفقد نبرتها الخاصة أو تنزلق إلى المحاكاة الحرفية.
3- عودة القصيدة وانبعاث الذات
يقول النص: “رَجَعَتْ إِلَيَّ قَصِيدَتِي / مِنْ بَعْدِ مَا عَزَّ ٱلْوِصَالْ”. الفعل “رجعت” بالغ الأهمية، فالقصيدة هنا تتحول إلى كائن يتحرك في الزمن، يبتعد ثم يعود. وتكتسب العلاقة بين الشاعرة وقصيدتها بعدا حميما، فالقصيدة تبدو كصديقة غابت، ثم عادت في اللحظة التي كان فيها الوصال عسيرا.
ومن الناحية الميتاشعرية، يصير الشعر موضوعا داخل الشعر نفسه. فالنص يتحدث عن ولادته وعودته، وكأنه يكتب سيرة الكتابة في أثناء الكتابة ذاتها، فيتضاعف المعنى: تعود القصيدة إلى الشاعرة، وتعود الشاعرة، عبر القصيدة، إلى نفسها.
ثم تأتي النتيجة: “فَرِحَتْ بِهَا رُوحِي كَمَا / سَعِدَتْ بِهَا جُدَدُ ٱلْخَيَالْ”. وهنا يظهر العنوان في قلب النص، فيصبح “جُدَدُ ٱلْخَيَالْ ” أكثر من عبارة جميلة، فهو خلاصة للتحول الذي وقع. إذ يجد الخيال مسالك جديدة بعد أن كانت الروح محاصرة في أسى قديم.
والكلمة المفتاحية هنا هي “جدد”، فهي توحي بالمسالك والطرائق الجديدة، وتفتح في مقابل انسداد الوصال فضاء آخر تستطيع الذات أن تسلكه. وحين تضيق مسالك الواقع، يعيد الخيال هندسة الطريق من جديد.
4- طلل الأمل: تحويل المجرد إلى مكان
ثم تنعطف القصيدة إلى خطاب داخلي: “لَا تَحْزَنِي عَيْنِي إِذَا / طَمَسَ ٱلْقَضَا طَلَلَ ٱلْأَمَلْ”. من أجمل ما في هذا البيت أن الشاعرة تمنح الأمل مكانا. فالطلل يحمل ذاكرة الخراب، ويدل على بقايا شيء كان عامرا. وحين يصير للأمل طلل، يتجسد الأمل في هيئة مكان يمكن للقضاء أن يطمس معالمه.
وتأتي “عيني” لتغدو موضع الحزن نفسه، إذ تخاطب الشاعرة العين قبل أن تخاطب قلبها، لأن العين تحمل أثر الفقد في الدمع والنظر والانتظار، وهي أول ما يستقبل صورة الطلل حين يمّحي.
والخطاب الداخلي هنا يمنح القصيدة مسحة درامية: ذات تتألم، وذات أخرى تهدئها في داخل الشاعرة نفسها، فتنقسم النفس إلى صوتين، أحدهما يشكو، والآخر يواسي، في حوار مصغّر يستبق النبرة الحكيمة التي ستختم بها القصيدة.
5- الطبيعة مرآة للوجدان
ثم يتسع المشهد: “وَإِذَا ٱلْهَوَى أَضْنَى ٱلْكَرَى / بَيْنَ ٱلنُّجُومِ وَذِي ٱلتِّلَالْ”. فالهوى يرهق النوم، والنجوم والتلال تتحول إلى شهود على السهر. والطبيعة في هذا المقطع تؤدي دور المرآة النفسية، إذ يزيد امتداد السماء واتساع التلال إحساس الذات بوحدتها.
وتتوالى مفردات الطبيعة في القصيدة: الأقاحي، الرمال، المسك، النجوم، التلال، الجبال، الظلال. وهذا الحضور الكثيف يجعل الطبيعة لغة موازية للوجدان، فحين تعجز الذات عن تسمية ألمها مباشرة، تتولى الأشياء الخارجية مهمة التعبير عنه بدلا منها.
ويلحظ القارئ أن هذه العناصر تتدرج من الأفقي إلى العمودي: الروضة والرمال في المستوى الأرضي، ثم التلال والجبال في الارتفاع، ثم النجوم في العلو الأقصى. وهذا التدرج البصري يرافق تدرجا نفسيا موازيا، من الانكسار الأرضي إلى تطلع خفي نحو أفق أعلى، لم يتحقق بعد غير أنه مرسوم في بنية الصورة ذاتها.
6- الأحلام بين المقابر والجبال
ثم تصل القصيدة إلى أكثر مواضعها قتامة: “فَقَضَتْ سُدًى أَحْلَامُنَا / بَيْنَ ٱلْمَقَابِرِ وَٱلْجِبَالْ”. تتجاور هنا كلمتان شديدتا الثقل: المقابر والجبال. فالمقابر تحيل إلى النهاية، والجبال تحيل إلى الثقل والامتداد والعلو الصعب. وبينهما توضع الأحلام، فتبدو عالقة بين موت يطويها وثقل يمنعها من التحليق.
أما “سدى” فتضيف إلى المشهد مرارة خاصة، إذ تمنح الأحلام إحساسا بالضياع والعبث، وكأنها قطعت مسافة طويلة من غير أن تبلغ غايتها.
ومن الناحية البنيوية، تمثل هذه الصورة قمة الانحدار في القصيدة، وهي اللحظة التي كان يمكن للنص أن يغلق عندها أبوابه، غير أن الشاعرة تفتح فورا منفذا جديدا، فتتحول هذه القتامة إلى نقطة ارتكاز ينطلق منها الانعطاف الأخير للنص، بدل أن تكون خاتمة له.
7- من الخيبة إلى الشوط الجديد
يأتي التحول: “فَلَنَا إِذَا خَابَ ٱلرَّجَا / شَوْطٌ جَدِيدٌ ذَا أَجَلْ”. هنا تتغير نبرة الخطاب كليا. فبعد أن هيمنت مفردات الذبول والدفن والطمس والمقابر، تظهر مفردات الشوط والجديد. وهذه النقلة تشكل العمود الفقري للقصيدة، إذ يستطيع الإنسان أن يعيد تعريف تجربته بعد الخيبة، فينتهي طريق ليظهر طريق آخر، ويسقط رجاء ليولد رجاء مختلف.
واللافت أن الشاعرة تختار “شوطا” عوضا عن “طريق”. فالشوط يحمل معنى الجولة والمنافسة والحركة، والانطلاق من نقطة إلى أخرى ضمن مسار له بداية ونهاية محسوبتان، وهذا الاختيار يمنح الخاتمة حيوية كانت غائبة عن مطالع النص، إذ يستبدل معجم السكون والدفن بمعجم الحركة والمثابرة.
8- اقتفاء المنى: استعادة فعل الإرادة
ثم تأتي الدعوة: “هَيَّا لِنَقْتَفِيَ ٱلْمُنَى / نُسُكًا عَلَى شُعَبِ ٱلظِّلَالْ”. إنها لحظة انتقال من التأمل إلى الفعل. فكلمة “نقتفي” فعل حركة، والاقتفاء يتضمن البحث عن أثر، وهذا يعيدنا بصورة خفية إلى عالم القصيدة الأول: الأثر، الطلل، الرمال. غير أن الشاعرة هنا تقتفي أثر المنى عوضا عن أثر مفقود.
أما “شعب الظلال” فتمنح الطريق طابعا صوفيا موحيا، فالمسير يتم في مناطق نصف مضاءة، حيث يتجاور الوضوح والغموض، وفي هذا ما يوحي بأن بلوغ المنى يكتفي بمسار محتمل يُقتفى خطوة بعد خطوة، من غير حاجة إلى وضوح تام.
وكلمة “نسكا” تضيف إلى الرحلة بعدا روحيا، فيتحول الاقتفاء إلى ضرب من التعبد الداخلي، وكأن البحث عن المنى رحلة تطهير ومصالحة مع الذات، أقرب إلى السلوك الصوفي منها إلى السعي الدنيوي المجرد.
9- الخاتمة الداخلية: زوال الهموم
تنتهي القصيدة: “مَهْمَا تَزِيدُ هُمُومُنَا / حَتْمًا لَهَا يَوْمًا زَوَالْ”. وهنا تبلغ القصيدة نبرتها الحكيمة. فبعد أن كانت الذات تتحدث عن أزهار ذابلة وأحلام مقابر وطلل أمل، تنتهي إلى يقين بسيط وعميق: الهموم عابرة.
وهذا اليقين يتأخر ظهوره إلى ختام القصيدة عن قصد، فقد استحقته الذات بعد المرور عبر الحزن والذاكرة والخيبة والكتابة، ولذلك يبدو أكثر إقناعا، لأنه نابع من تجربة داخلية قطعت مسافتها كاملة، عوضا عن أن يكون حكمة جاهزة مستعارة من خارج النص.
10- البنية الدائرية للقصيدة
يمكن النظر إلى القصيدة على أساس أنها رحلة تبدأ من الدفن وتنتهي بالزوال. ففي البداية صادفنا: الأقاحي ← الذبول ← الدفن ← الرمال. وفي الوسط: الأسى ← الأغنية ← عودة القصيدة ← الخيال. ثم: طلل الأمل ← السهر ← الأحلام ← المقابر. وفي النهاية: شوط جديد ← اقتفاء المنى ← زوال الهموم.
وهذا المسار يكشف عن بنية تصاعدية عميقة: كلما ازداد الظلام في المستوى التصويري، اقترب النص من لحظة الانبعاث في المستوى النفسي. فالحركة الظاهرة نحو الأسفل، من الروضة إلى المقابر، تقابلها حركة باطنة نحو الأعلى، من الاستسلام إلى الاقتفاء.
ومن هنا تتخذ القصيدة شكل قوس وجداني: تبدأ بالانكسار، تعبر منطقة العتمة، ثم تنفتح على إمكان جديد للحياة، على نحو يذكّر بالبنية الثلاثية التي عرفها الشعر العربي القديم في قصيدة المديح: وقوف على الأطلال، ثم رحلة، ثم غرض. غير أن الغرض هنا داخلي محض، إذ يتمثل في استعادة السكينة، عوضا عن أن يكون مديحا موجها إلى الخارج.
11- الصوت الأنثوي وخصوصية التجربة
تحمل القصيدة بصمة أنثوية واضحة في اختيار مرجعياتها الحسية: الروضة، الأقاحي، المسك، الغزال، عناصر ترتبط تقليديا بحقل النعومة والجمال. غير أن الشاعرة تعيد توظيف هذا المعجم في خدمة تجربة وجودية عامة تتجاوز الزخرفة الحسية إلى مساءلة القدر والأمل والخيبة.
فالذات المتكلمة هنا تتجاوز موقع المتلقية للألم، وتنهض بفعل الدفن، وفعل الكتابة، وفعل الاقتفاء، فتتحول من موضوع للحدث إلى فاعل فيه. وهذا التحول من السلبية إلى الفاعلية يمنح الصوت الأنثوي في القصيدة قوة خاصة، إذ تعيد الذات المتكلمة بناء علاقتها بذاتها ومحيطها من موقع القرار عوضا عن موقع الانتظار.
12- حوار خفي مع تقليد الطلل الكلاسيكي
يستدعي البيت المتعلق بـ “طلل الأمل” حوارا ضمنيا مع تقليد الوقوف على الأطلال في القصيدة العربية القديمة، حيث يقف الشاعر أمام ديار محت معالمها الرياح، فيستحضر ما كان. غير أن أميرة صارم تنقل هذا الموروث من المكان الفيزيقي إلى المجال المعنوي المحض، فيصبح المُطلل عليه الأمل نفسه عوضا عن ديار محبوبة.
وهذا الاستبدال يمنح النص عمقا تناصيا خفيا، إذ يستدعي القارئ العارف بالتراث الشعري صورة الطلل الكلاسيكي، ثم يفاجأ بأن الأطلال هنا معنوية صرفة، وهو ما يكشف عن وعي بالموروث الشعري، واقتدار على تطويعه لخدمة تجربة معاصرة تخص الذات الفردية أكثر مما تخص الجماعة أو القبيلة.
13- جماليات البديع: الطباق والتقابل
تقوم القصيدة على شبكة كثيفة من التقابلات البلاغية: الذبول مقابل العطر، الدفن مقابل العودة، الفرح مقابل الأسى، الطمس مقابل الاقتفاء، الظلام الرمزي مقابل الظلال المضيئة في ختام النص. وهذا التوازي بين المتناقضات يعمل عمل الطباق البلاغي التقليدي، إذ يمنح كل صورة عمقها من خلال نقيضها الحاضر في البيت المجاور أو البعيد.
ومن أبرز صور هذا التقابل أن الرمال تفتتح النص غطاء للفقد، وتختم النص طريقا نحو المنى عبر “شعب الظلال”، وهذا التحول الدلالي للعنصر الواحد يمنح القصيدة تماسكا داخليا، إذ يعاد توظيف الصورة الأولى في سياق مغاير كليا مع الحفاظ على الرابط العضوي بينها وبين ما جاء بعدها.
14- القافية كنَفَس داخلي
القافية الموحدة ذات الجرس اللامي تمنح النص وحدة موسيقية واضحة، غير أن أهميتها تتجاوز انتظام الصوت إلى ما هو أعمق. فالكلمات التي تحمل القافية تشكل حقولا دلالية متعاقبة: الرمال، الغزال، الوصال، الخيال، الأمل، التلال، الجبال، الأجل، الظلال، زوال. إنها شبكة من الأصوات تنقلنا من المحسوس إلى المجرد، ومن المكان إلى الوجدان، ومن الفقد إلى الرجاء.
واللافت أن “الخيال” يقع في قلب هذه الشبكة، فيأتي العنوان وكأنه مركز خفي تدور حوله بقية المفردات، بحيث يمكن قراءة قافية القصيدة كاملة على أساس أنها تدرج دلالي منظم يفضي في النهاية إلى الزوال، أي إلى انحلال الهم عوضا عن انحلال الأمل.
15- مجزوء الكامل وحركة الإيقاع
اختيار مجزوء الكامل يمنح النص إيقاعا يتناسب مع طبيعته الوجدانية. فالتفعيلة الكاملة (متفاعلن متفاعلن) تحمل قوة دفع واضحة، ومع الإضمار والحذف تتولد نبرات أكثر سرعة واختصارا.
وهذا الإيقاع مناسب لقصيدة تقوم على الانتقال: انتقال من صورة إلى أخرى، ومن حالة نفسية إلى أخرى، ومن الحزن إلى استئناف المسير. والإيقاع هنا يعمل في ارتباط وثيق بالمدلول، فالقافية اللامية المتكررة تمنح القصيدة إحساسا بالرجوع، بينما تتولى الصور المتحركة دفعها إلى الأمام، ومن هذه المفارقة ينشأ توتر موسيقي جميل بين التكرار والحركة، أشبه بنَفَس يتردد بين الزفير والشهيق طوال القصيدة.
16- جماليات المعجم الشعري
ينتمي المعجم الذي اختارته الشاعرة إلى فضاءين متداخلين: فضاء الطبيعة، ويضم الأقاحي والروضة والرمال والمسك والنجوم والتلال والجبال والظلال، وفضاء الوجدان، ويضم الأسى والوصال والخيال والأمل والهوى والأحلام والرجاء والمنى والهموم.
وتتجاور المفردات من المجالين باستمرار، فتتحول الطبيعة إلى لغة للنفس، ويتحول الوجدان إلى مشاهد محسوسة. وهذه إحدى نقاط القوة الأساسية في النص، إذ تميل الشاعرة إلى تجسيد المغزى، فتمنح الأمل طللا، وتجعل الخيال ذا جدد، وتمنح الأحلام مكانا بين المقابر والجبال، عوضا عن الاكتفاء بتسمية المشاعر تسمية مباشرة.
17- الشعر كاستعادة للقدرة على الحياة
في العمق، تكشف القصيدة عن تصور خاص لفعل الكتابة. فالشعر يظهر في اللحظة التي يضيق فيها الواقع، ثم يتحول إلى فضاء بديل يستطيع أن يحتضن ما تعجز الحياة عن احتضانه. فقد ذبلت الأقاحي، فجاءت الأغنية. وعزّ الوصال، فعادت القصيدة. وطمس القضاء طلل الأمل، فتجدد الخيال. وخاب الرجاء، فظهر الشوط الجديد.
وهذا التتابع يمنح الكتابة وظيفة تتجاوز التعبير المحض، فهي طريقة لإعادة ترتيب العالم الداخلي. والقصيدة، وإن تعذر عليها أن تعيد الأشياء إلى سابق عهدها، تحاول أن تمنح الذات قدرة جديدة على النظر إليها، وهذا بالضبط ما يجعل الكتابة، في هذا النص، فعل نجاة عوضا عن فعل تسجيل عابر للحدث.
18- أميرة صارم: حساسية الشعر وكرامة التجربة
تستمد هذه القصيدة جزءا من قوتها من حساسية خاصة تجاه الفقد والزمن والذاكرة، فهي مكتوبة من منطقة وجدانية رقيقة، حيث يمكن لتفصيل صغير أن يفتح فضاء واسعا من التأمل. غير أن الشاعرة تحرص على إبقاء التجربة في مستوى الإيحاء، وهذا ما يمنح النص كرامته الفنية، إذ تبقى التجربة الشخصية خلف الصورة، ويظل القارئ مدعوا إلى اكتشافها من خلال الرموز والإيقاع عوضا من أن تُلقى إليه مباشرة.
وهذه المسافة بين التجربة الخاصة واللغة الشعرية بالغة الأهمية، لأنها تمنح القصيدة قابلية لأن تصير تجربة إنسانية مشتركة، يتعرف فيها كل قارئ على أثر شخصي خاص به، من دون أن تفقد القصيدة خصوصيتها الأولى.
خاتمة
“جُدَدُ ٱلْخَيَالِ” قصيدة عن الفقد، وعن الذاكرة، وعن القصيدة حين تصير مأوى مؤقتا للروح. تبدأ من أقاح ذابلة مدفونة في الرمال، ثم تستعيد طريقها عبر الأغنية والقصيدة والخيال، قبل أن تواجه طلل الأمل ومقابر الأحلام، ثم تفتح لنفسها في النهاية شوطا جديدا.
وفي هذا المسار تتغير وظيفة الصورة الواحدة تبعا لموقعها من النص: الرمال في البداية تغطي، والخيال في الوسط يكشف، والظلال في النهاية تصير طريقا إلى المنى. وهذا التحول الدلالي المتدرج هو ما يمنح القصيدة تماسكها العميق، إذ تحمل الصورة الواحدة، في كل تكرار، مغزى جديدا يضاف إلى رصيدها الأول.
لذلك فإن أجمل ما تمنحه القصيدة لقارئها تلك الحركة الخفية من الدفن إلى الاقتفاء، ومن الذبول إلى الاحتمال، ومن طلل الأمل إلى أفق المنى. وقد بدأت الشاعرة قصيدتها وهي تدفن الأقاحي، وانتهت وهي تدعو إلى اقتفاء المنى، وبين المشهدين حدث الأهم: عادت القصيدة.
وحين تعود القصيدة بعد طول غياب، يكون الخيال قد وجد بالفعل جدده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية