أفيون المستديرة واستفاقة الوعي✍عبد الغفور مغوار-المغرب

ما أرخص الاستلاب حين تسومنا الأوهام، وما أسهل تخدير شعب يرى في جلد منفوخ يقذفه أحد عشر لاعبا فوق العشب ملاذا ينسيه بؤسه اليومي!
سهر المغاربة إلى الصباح اليوم 30 يونيو 2026 على وقع “ملحمة كروية” أمام المنتخب الهولندي في المونديال. انتصار عابر، صفقنا له جميعا، كما انخرطت بسببه الحشود في نوبة جنون جماعي سهرت لها الحارات حتى بعد الفجر. امتلأت الشوارع بضجيج الأبواق وأهازيج الفرح الهيستيري، ولم توقف الجماهير الهائجة صخبها حتى وهي تقترب من مشارف المصحات والمستشفيات، حيث يرقد المرضى والأجنة والأموات في صمت، وحيث يشقى طواقم في غرفات العمليات، منتهكة بذلك أبسط قيم الإنسانية واحترام حرمة الآلام، في حين بهولاندا أصدرت الأوامر بمنع الاحتفال بالشوارع في حالة الفوز على المغرب.
لقد فرحنا بنصر “صغير جدا” في حسابات التاريخ والنهضة، لكنه نصر ممتد لعقود في حوانيت السياسة وتجار الانتخابات، الذين يجدون في هذه الانتصارات الكروية أفيونا مثاليا لتمديد صلاحية صمت الشعوب، وتأجيل الأسئلة الحارقة حول مصير الثروات وخراب المؤسسات وتسقيف الأسعار ومحاربة “الشناقة” و “الفراقشية”.
حين ستضع الحرب الكروية أوزارها، وتنطفئ شاشات العرض الكبيرة، سيستيقظ المواطن ليجد نفسه وجها لوجه مع الترتيب المخزي لبلاده في مؤشرات الكرامة والوجود التنموي. إليكم الفوارق العارية بالأرقام والإحصائيات الرسمية، لعلنا ندرك من هزم من في مباراة الحياة:
- بؤس التنمية البشرية: يقبع المغرب في المرتبة 120 عالميا وفق تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة (HDI)، متذيلا الترتيب في فئة الدول ذات التنمية المتوسطة، بينما تتربع هولندا في المرتبة 10 عالميا بصفتها واحدة من أكثر بقاع الأرض رفاهية وأمانا إنسانيا.
- تسونامي الأمية والجهل: في الوقت الذي تعلن فيه هولندا رسميا انعدام الأمية بنسبة تقل عن 1%، يغرق المغرب في أوحال أمية خانقة تقارب 24% من الساكنة، ما يعني أن ربع الشعب لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك يحلل تكتيكات اللعب بعبقرية منقطعة النظير!
- نزيف البطالة والهشاشة: تسجل المؤشرات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط في المغرب معدل بطالة عام يتجاوز 13.7%، يقفز بمرارة ليتجاوز 35% في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، مقابل معدل لا يتعدى 3.6% في هولندا التي توفر منظومة رعاية اجتماعية تحمي الفرد من غوائل الزمن.
- مستنقع الفساد: في مؤشر إدراك الرشوة الصادر عن الشفافية الدولية، يتراجع المغرب بشكل مخيف ليحتل المرتبة 97 عالميا، حيث المعاملات غش، والخدمات سمسرة في قوت الشعب، والشطط في استعمال السلطة والوظيفة في غالب الحيان عمل يومي، بينما تحتل هولندا المرتبة 8 عالميا كأحد أنظف الأنظمة الإدارية في العالم.
سينتهي المونديال حتما، وسيعود القطيع إلى حظيرة الواقع. سنعود مجددا إلى طوابير الموت أمام أبواب المستشفيات لننتظر مواعيد استشفائية تمتد لأشهر أو سنوات، مواعيد قد تأتي بعد أن يكون صاحبها قد واراه الثرى. سنعود إلى الشوارع لنمارس همجيتنا السلوكية، نتعدى على حقوق الغير في الطريق، ونقمع الأسبقية، ونبحث عن طرق ملتوية ومشبوهة لأخذ حتى ما ليس لنا بحق.
ستعود السمسرة في الأسواق، والمحسوبية في الإدارات، والارتشاء عند غالبية الحواجز الإدارية أو القانونية. سنعود إلى حالنا الحقيقي بعد أن يزول مفعول جرعة التخدير الكروي.
إن الفرحة الحقيقية المكتملة لا تصنعها أقدام مغتربة في الدوريات الأوروبية تلعب تحت راية الوطن بروح وطنية مشكورة، الفرحة الحقيقية تبدأ عندما نرى مواطني هولندا وإسكتلندا يتزاحمون على أبواب القنصليات المغربية طلبا للجنسية والاحتراف في دورياتنا. سنفرح عندما يهاجر الأوروبيون إلينا ليقبلوا بالعمل في قطاعات الخدمات والنظافة العمومية، لأنهم وجدوا هنا دولة الحق والقانون والمؤسسات. لكن، كيف يتأتى هذا الحلم لأمة تنخرها الأمية، والجهل، والفساد السياسي المستشري؟
يبقى السؤال الحارق، المكتوب بمداد من تقريع ودماء، سؤالا للذكرى والتاريخ:
ماذا لو أعلنت هولندا المنهزمة كرويا اليوم، فتح حدودها مجانا وبدون أي التزامات قانونية أو إجراءات زجرية أمام المغاربة؟
لنكن صادقين مع أنفسنا ومستعدين لجلد الذات: حتما، ولن يتأخر ذلك لليوم الموالي، ستفرغ المداشر، وتخلو المدن، وستقفر الشوارع التي شهدت على صخب الاحتفالات. لن يبقى على أرض المغرب إلا فئتان: مستغلو هذا الوطن ونخبته المحتكرة لخيراته وثرواته، وأولئك الذين لا يملكون ثمن تذكرة العبور نحو الضفة الأخرى.
كفانا ابتهاجا بانتصارات وهمية على المستطيل الأخضر، فبينما نلعب ونلهو ونصرخ في المدرجات وفي الشوارع، تبني الأمم الواعية مستقبل أطفالها في المختبرات والمدارس والمعامل وصون كرامة المواطن، وجودة التعليم، ومجانية الاستشفاء، وسيادة القانون. الكرة لعبة للمتعة لكنها لا تبني مستشفى، ولا تمحو أمية، ولا توفر منصب شغل لشاب عاطل يرى في قوارب الموت حلا أرحم من البقاء في قاعة الانتظار. الكرة لعبة للمتعة، وليست صك غفران لأمة تائهة في غياهب التخلف.



