القصة القصيرة

مدينة تحت توقيع الماء – عبد الغفور مغوار -المغرب

صورة تاريخية لمشهد مغمور بالمياه، حيث تظهر مبانٍ تحت سطح الماء وأشجار بارزة.

كل التضامن مع أهلنا في القصر الكبير الذين واجهوا فيضانات غير مسبوقة نهاية يناير 2026، والتي غمرت أحياء كاملة وأجبرت السلطات على إجلاء آلاف السكان.

في هذه المحنة، نقف معهم قلبا وقالبا، نشاركهم الألم والخسارة، ونؤمن أن قوة التآزر ستعيد للمدينة حياتها وكرامتها. نسأل الله الرحمة للضحايا إن كان هناك ضحايا، والشفاء العاجل للمصابين إن كان هناك مصابين، ورد الله المفقودين محفوظين سالمين إن كان هناك مفقودين.

لم تكن السماء غاضبة، كانت مثقلة.

فرق شاسع بين الغضب والثقل؛ الغضب يفرغ نفسه، أما الثقل فيبحث عن جسد آخر يحمله.

في تلك الأيام، كانت الغيوم تتراكم فوق المدينة كما تتراكم ملفات منسية فوق مكتب إداري صدئ. لا صواعق، لا عواصف مسرحية، فقط مطر كثيف، متواصل، مطر بنبرة مستعصية على الفهم، وبلا استعجال، كأنه يعرف أن الوقت في صفه.

الناس قالوا: خير.

قالوا: عام خصب.

قالوا: اللهم صيبا نافعا.

وحده السد، في الأعلى، لم يقل شيئا.

كان يستقبل الماء بصمت الخزائن الكبرى، يرتفع منسوبه رقما بعد رقم، علامة بعد علامة، حتى بلغ آخر الخطوط الحمراء المرسومة على جسده الإسمنتي. هناك، حيث يصير المقياس إنذارا.

في غرفة المراقبة، جلس رجال يحدقون في شاشات زرقاء، تتغير أرقامها ببرودة لا تشبه ما يحدث خارج الجدران. أحدهم قال بصوت خافت، أقرب إلى اعتراف:

– “امتلأ عن آخره.”

لم يقل: خطر.

لم يقل: مدينة.

قال فقط: امتلأ.

القرار لم يأت دراميا. لم يصغ في صيغة مأساوية. جاء في جملة إدارية قصيرة، تشبه آلاف الجمل التي لا تقتل أحدا… إلا بعد حين: “تفريغ الحقينة ضرورة وقائية.”

فتحوا البوابات.

والماء، الذي كان محتجزا، لم يخرج.

لقد انطلق كحمر مستنفرة مندفعة فرت من قسورة.

نزل إلى مجرى النهر كما تنزل وصية قديمة من درج مغلق.

في البداية، احتمله النهر. تمدد قليلا، اتسع، حاول أن يتصرف كعادته: نهر يعرف نفسه، يعرف ضفتيه، يعرف حدود لعبه.

لكن الماء القادم من السد لم يكن ماء نهر.

كان ماء تراكم، ماء انتظار طويل، ماء حمل ذاكرة الجبال والأيام والضغط.

وحين التقى بالنهر، لم يتفاوض معه.

في المدينة، كان الناس في بيوتهم، والمساء عاديا، رطبا فقط.

لم يسمعوا قرار التفريغ ربما لم يسمعوه جميعهم، أو سمعوه وتجاهلوه، لم يروا البوابات، لم يعرفوا

أن شيئا في الأعلى قد فتح.

أول علامة لم تكن الماء، كانت الصوت.

خرير غليظ، غير مألوف، يأتي من جهة النهر، كأن الأرض نفسها تحاول التنحنح قبل الكلام. بعضهم فتح النوافذ. بعضهم أغلقها. لا فرق. الصوت دخل، ثم ارتفع النهر بكل ثبات مهيب.

كما لو أنه ينفذ أمرا لا يقبل الرجوع عنه.

حين تجاوز الضفة، لم يعلن. فقط تسلل.

دخل الأزقة المنخفضة أولا، بخجل مريب، يلامس الأبواب كما يختبرها، ثم يعود ليضغط أكثر. وفي لحظة غير محددة، غير قابلة للتأريخ، صار داخل المدينة.

هنا فقط، فهمت المدينة أنها ليست أمام مطر، ولا أمام نهر، صارت أمام مسار جديد رسم لها دون استشارتها.

لم يدخل الماء القصر الكبير كغاز همجي يصرخ.

دخل كقاض صامت، يحمل حكمه مطويا في صدره، ويقرأه على مهل.

في الأزقة الأولى، انحنى الناس ليروا:

ماء عند الكعب.

ثم عند الركبة.

ثم لم يعودوا يرون.

البيوت، تلك التي بنيت من طين يعرف الماء أكثر مما يعرف الإسمنت، بدأت تستعيد ذاكرتها القديمة. الجدران لم تقاوم. تشققت لأنها تذكرت، كل لبنة كانت يوما ترابا مشبعا بالمطر، وكل سقف من خشب عرف في طفولته ربما فيضانات أخرى، أقل شهرة، أقل توثيقا.

فاطمة لم تصرخ حين دخل الماء بيتها.

جلست على الكرسي الخشبي، رفعت جلبابها قليلا، وراحت تراقب الصعود البطيء. كانت ترى حياتها تقاس بالسنتيمتر.

عند عتبة الغرفة الأولى: طفولتها.

عند منتصف الصالون: زواجها.

وحين بلغ الماء صدرها، فهمت أن الذاكرة لا تطفو دائما.

في الخارج، انقلبت المدينة إلى جسد واحد يختنق من الأطراف.

السيارات انقلبت إلى توابيت مؤقتة.

الصرخات صارت أصواتا بلا عنوان، تذوب في هدير الماء.

السلطات جاءت، بالطبع ومعها قوارب مطاطية، سترات نجاة، مكبرات صوت تقول جملا محفوظة:

– “الرجاء التزام الهدوء.”

– “الأولوية للأطفال والنساء.”

لكن الهدوء كان أول ضحية.

والأولوية لم تكن تعرف طريقها وسط طين كثيف يخلط الأجساد بالأثاث، والصور العائلية بأقفاص الدجاج.

سعيد كان هناك.

لم يعد موظفا بالبلدية، لقد أمسى شاهدا بلا دفتر.

حمل طفلا لا يعرف اسمه، سلمه إلى قارب، ثم التفت فلم يجد الأم.

بحث عنها في الماء، في الوجوه التي تقاوم زحف المياه، في الصراخ.

لم يجد سوى وشاح أزرق يطفو، يلتف حول نفسه كما لو أنه يحاول النجاة وحده.

في لحظة ما، فقد سعيد الإحساس بالزمن.

لم يعد يعرف هل مرت دقائق أم ساعات.

الماء لا يعطي ساعات.

الماء كان يعطي استمرارا أعمى.

وعند الفجر، ظهرت الصدمة الكبرى: لم يكن الفيضان مجرد غمر، كان إعادة ترتيب قسرية للمدينة.

الشوارع لم تعد شوارع.

البيوت لم تعد بيوتا.

الأحياء لم تعد أحياء.

كل شيء صار سطحا واحدا، لامعا، قاسيا، تعكسه سماء رمادية بلا تعاطف.

ومن فوق هذا السطح، طفت أشياء لا تطفو عادة: خزائن، أسرة، دفاتر مدرسية مفتوحة على دروس لم تحفظ، ومعها…جثث. لم تعلن الأعداد.

الأعداد لا تعلن حين تكون الوجوه معروفة.

وفي مكان ما من المدينة، عند زاوية كانت يوما سوقا صغيرا، وقف رجل مسن، نصفه في الماء ونصفه خارجه، يحدق في الفراغ ويكرر بصوت مكسور:

– “فتحوا السد… فتحوا السد.”

لم يكن اتهاما. كان جملة وجودية. كأنه يقول: العالم فتح علينا.

وهنا، بالضبط، تغير معنى الكارثة، لم تعد ماء، ولكنها صارت سؤالا: من يملك حق فتح البوابات؟

ومن يدفع ثمن الحسابات الصحيحة؟

لكن المدينة لم تكن في وضع يسمح لها بالسؤال.

كانت منشغلة بالنجاة، وبعدها… بما هو أصعب: العودة.

صارت المدينة في بركة مترامية الأطراف كجثة في النهر: منتفخة، متغيرة الملامح، ومحرجة للناظرين.

الماء والطين غطيا كل شيء بطبقة واحدة، كأنه قرر أن يجعل المدينة سجلا موحدا للهزيمة. لا بيت أنظف من بيت، ولا حي أحق بالشفقة من حي.

التساوي الوحيد الذي عرفته المدينة كان في الخسارة.

الناس خرجوا من البيوت التي لم تعد بيوتا، يحملون ما نجا: صورة واحدة، وثيقة مبتلة، ساعة لا تعمل، طفل صامت أكثر من اللازم …

الصمت كان العلامة الأخطر.

المدينة التي كانت تصحو على ضجيج السوق، صارت تمشي على أطراف أصابعها، كأنها تخشى إيقاظ الموتى.

في ساحة ما بعيدا وأعلى من المدينة، نصبت خيمة بيضاء.

سميت خيمة الإحصاء.

كان الاسم مخففا أكثر مما يجب.

في الداخل، لم تحص الأشياء، ولكن أحصيت النفوس الناقصة.

امرأة تقول:

– “زوجي خرج ولم يعد.”

رجل يقول:

– “ابنتي كانت قريبة مني… الويل لهذا السيول اللعين.”

طفل يكرر اسم أمه كتعويذة لا تعمل.

سعيد حضر.

لم يكن يعرف لماذا جاء.

ربما ليطمئن نفسه أنه فعل ما يستطيع.

ربما ليبحث عن الوشاح الأزرق، عن المرأة التي لم يجدها، عن خطأ واحد يمكن إصلاحه.

في ركن الخيمة، رأى فاطمة.

لم يتعرف عليها فورا.

كانت أصغر حجما، كأن الماء عصرها ثم تركها.

عيناها مفتوحتان، لكنهما لا تنظران إلى شيء بعينه.

قال لها اسمها. لم ترد. كرر.

رفعت رأسها أخيرا وقالت بهدوء لا يشبه النجاة:

– “البيت ضاع …”

لم تقل غرق.

لم تقل تهدم.

قالت: ضاع.

كأن البيت كائن حي خرج ولم يعد.

في تلك اللحظة، دوى خبر صغير، جانبي، كأنه تفصيل إداري:

تم تسجيل أول وفاة رسمية بسبب الفيضان…

طفل في الثامنة. الاسم كان مألوفا. سعيد عرفه. كان هو الطفل الذي حمله إلى القارب والذي ظن أنه أنقذه. قرأ التفاصيل: نقل إلى مركز إيواء. جسده الضعيف لم يقاوم البرد. لم تلاحظ حالته في الوقت المناسب. توفي ليلا.

النجاة، أحيانا، مجرد تأجيل للموت.

في المساء، عاد سعيد إلى ضفة النهر.

وقف أمامه طويلا.

رأى الماء يمر، يحمل بقايا المدينة: خشبة، حذاء، دمية بلا رأس…

فكر في السد.

في اللحظة التي فتحت فيها البوابات.

في الورقة التي وقعت.

في الحسابات الدقيقة التي لم تضع في خانتها اسم طفل.

قال بصوت منخفض، لا للنهر بل لنفسه:

– “كان من اللازم أن نختار.”

في اليوم التالي، وجد سعيد في نفس المكان: جسده على صخرة عالية، قدماه في الماء ووجهه هادئ.

قالوا: انزلق.

قالوا: صدمة نفسية.

قالوا: قضاء وقدر.

لكن فاطمة، التي مرت من هناك لاحقا، رأت الوشاح الأزرق ملفوفا حول معصمه.

جلست وغرست يدها في الطين، وقالت جملة واحدة، كأنها خلاصة المدينة كلها:

– “من باع من؟ ومن دفع الثمن؟”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading