طائر بلاأجنحة – رافت عبدالستار

كانت المدرسة تشرح الدرس والأطفال منتبهة إلا كريم كان مشغولا بكتابة أو رسم شيئ فى كراسته. إقتربت المدرسة من كريم الذى لم يشعربوجودها فوكزته بعصا الشرح..إنتفض كريم كأنما قرصته نحلة..قالت له المعلمة:-
-أعد شرح ما قلت.
تلعثم كريم ولم يجدمايقوله. فقالت له المعلمة.وهى تأمره:
أرني.كراستك!!
مد كريم يده بالكراسة بعد تردد ..فجذبتها منه وصاحت متعجبة:
-ماشاء الله…كل هذه أجنحة.. وماذا تنوى أن تفعل بها,
لم يجدكريم ما يقوله…أما الأطفال أخذت تهمهم فيما بينها وتعالت أصواتهم تدريجيا وهنا صاحت المعلمة:
-سكوت..لنعد إلى الدرس أما أنت يا كريم فاذهب وضع وجهك أمام الحائط حتى تنتهى الحصة
خرج كريم من المدرسة غضبانا….وسألته أمه :– .
– ماذا حدث..؟؟أجابها ببرود:
-لاشيء
كريم طفل متمرد وكلما زاد عقابه زادعناده لايأكل ماتعده أمه له من طعام…ودائما يشتهى أشياء أخرى.. ويمل من ألعابه ويريد ألعاب اخرى يريد كل’شئ فى آن واحد…أمه ملت منه وكذلك والده…وكلاهما لايدرى ماذا يفعل لإصلاحه خاصة إنه إبنهما الوحيد
إتصلت الأم بوالدها لكى يحضرربما يجد حلا لمشكلة هذا الولد سواء معها او مع المدرسة
دائمة الشكوى .
اليوم الجمعة كل الأسرة بالبيت..إستيقظ كريم مبكرا ليكون فى إستقبال جده..فاستعمل فرشة الأسنان ولبس ملابسه بدون مساعدة من إحد
فرح الجميع بحضور’الجد الذى دخل عليهم ويسبقه صوته الدافئ الحنون بقوله:
-وحشتوني يا أولاد.. اين صغيرى كريم..وهنا يقفزكريم محتضنا جده ويقبله.
إجتمعت الأسره حول مائدة الطعام..ولاحظ الجد أن كريم يأكل على مضض ..فلم يعقب وأخذ يتحدث مع الوالدين الحديث المعتاد حين تجتمع الأ سرة…ثم جلس على إنفراد مع الوالدين لمعرفة مشكلة كريم بينما إنشغل كريم مع اللعبه الجديدة التى أحضرها جده.فدخل عليه جده وقال له:
إحكى لى يا كريم ماذا حدث فى غيابى الطويل عنك فقد كنت فى المزرعة سأله كريم :
– هل هذه الفاكهة والخضروات واللحوم التى أحضرتها’من المزرعة…قال الجد نعم ثم مسح على رأسه واعادالسؤال:-
-ماذا حدث فى المدرسة؟
أجابه كريم:-
– انا لا أحب المدرسة
-هل ضايقك أحد؟-
-المدرسة تجعلنى أضع وجهى للحائط.. فيضخك اصحابي.
-ولماذا تفعل المدرسة ذلك؟
-لأنها لاتريدنى أن أرسم..وانا لا أحب شرحها فهى تكتب كلمات وأنا أحب الرسم.-
– وماذا رسمت يا كريم.. -؟؟
– رسمت أجنحة…فغضبت وعاقبتنى بوضع وجهى للحائط.قال الجدوهو يسمح رأس الصغير:
– ولماذا ترسم الأجنحة ياكريم؟
– قال كريم وهو يرفع كلتا يديه:-
– -لكى أطير بإجدى ..أنا أريد أن يكون لى أجنحة لكى أطير
– قال جده متسائلا:
– لماذاتريد أن تطير يا كريم.؟؟
– قال كريم فيما يشبه الهمس:-
– لكى أرتفع وأرتفع أعلى من أى شيئ..فأرى الأشياء صغيرة.
– قال الجد وقد اعجبته الفكرة:
– إذا هو الاستغناء.
ثم قال جده سوف تعلم معنى ما أقول ونحن نقوم بالطيران معا.
– حقا يا جدى.. أجابه الجد بنعم.
وأخذ ينظر لكريم وهو يجرى أمامه فاتحا كلتا يديه وهو يقول'( سوف أطير،،،،سوف اطير) ويرددها بإرتجال فى تناغم جميل.
عاد الجد ليجلس مع الأبوين وترك كريم يجرى وراء حلمه فى الطيران وقال الجد بحزن:
-مسكين هذا الطفل..عقاب فى البيت..عقاب فى المدرسة…الصغير فى أزمة ويجب أن نخرجه منها ..أما المدرسة فلى معها كلام آخر
قالت الأم’:
‘-أية ازمة يا أبى…الولد لايأكل ما أقدمه له ويتمرد على الطعام..حتى ألعابه لايريدها وإنما يريد العابا جديدة
قال الجد’ :
-هذا طفل صغير..وتربية الأطفال تحتاج للصبر والحكمة…وأنتم والمدرسة ليس لديكم لاصبر ولا
حكمه( الطفل يرسم أجنحة لانه يبحث عن الحرية التى لايجدها بالبيت أو المدرسة)
نظر الأبوان بعضهما لبعض فى إستغراب وتساؤل على وجهيهما. قال الجد الذى إعتاد النوم مبكرا:
-إن شاء الله غدا نهتدى إلى حل،،
ظل الجد يتقلب فى الفراش وهو يستعرض جميع الأحداث التى يمر بها الطفل…عصبية الأم وصراخها فى وجه الطفل كلما أخطأ ومعاقبة الطفل بنفس الأسلوب الذى تتبعه المدرسة..دون البحث عن حل لمشكلة الطفل أو الحوار معه.
قام الجد كعادته قبل الفجر وأخذ يرتل القرأن…ثم صلى ركعات خفيفة ذهب بعدها لصلاة الفجر بالمسجدوظل به حتى شروق الشمس.
ذهب الجدإلى البيت ليوقظ إبنته إستعدادا لبدء يوم جديد…وبدأت تدب الحركة بالبيت وتحول السكون لنشاط ليذهب بعدها كل واحد لعمله وكريم’لمدرسته في صحبة أمه.
على الغداء جلس الجميع حول مائدة الطعام ولاحظ الجد أن كريم لم يعترض على الطعام رغم إنه يأكله بلاحماس أوشهية …وبينما هم يتناولون الشاى..سأل الجد ابنته:
– هل حضرتى ما طلبته..منك
قالت بتنهد:
– كانت مهمة شاقة جدا..لكنى’شعرت بالسعادة بعدها
– قال الجد مازحا:
– دقت ساعة العمل.
‘ثم وجه كلامه لكريم قائلا : –
-إلبس ملابس الخروج ودع والدك يساعدك فى إرتدائها….ثم غمز له بعينه فضحك كريم مبتهجا لأنه فهم ماذا يقصد جده.
اقتربت الأم من والدها وقالت بهمس:
– الأشياء ثقيلة ياأبى دعنى أحملها معك حتى السيارة. فحملاها معا…وإنتظرا حتى جاء كريم يعلو وجهه فرحة كبيرة. .
قال كريم بحماس شديد:-
-اليوم الدرس الأول فى الطيران ياجدى.. أليس كذلك
قال الجد :-
-نعم..ولكن لى شرط يا كريم..
قال كريم مستغربا: – أي شرط ياجدى؟
قال جده محذرا :
-لاتسألنى عن شيء حتى تنتهى الرحلة.
إنطلقت السيارة رغم أنها تسير مثل السلحفاة بجوار السيارات الحديثة التى تطير بسرعه الريح ..
قال الجد مستنكرا حركه السيارات من حوله:-
-شباب متهور لا يعرف أن فى التأني السلامة.
وقفت السيارة أمام مبنى من دور واحد تحمل ملامحه كل معانى الإهمال.. ويعلو المبنى عنوان إختفت معظم حروفه تحت البوية القديمة والتراب وحاول كريم تهجي الحروف بصعوبة فقال جده :
لولا أنى أعرف المكان من زمن طويل لما إستطعت قرأءة هذا العنوان.
دق الجدالجرس فخرجت سيدة مسنة تتحرك بصعوبة..ورحبت بكريم وجده بحفاوة شديدة تدل على أنها لم تقابل زوارا من فترة طويلة..ثم أعادت الترحيب بالجد الذى إستأذنها أن’يحضر أحد العمال الأشياء الموجودة بالسيارة.أما كريم فكان يتساءل بينه وبين نفسه ما علاقة هذا المكان بدرس الطيران ولكنه تذكر تحذير جده الا يسأله عن شئ الا بعد إنتهاء الرحلة..وأخذينظر للأشياء من حوله بإستغراب لقدمها وعدم وجود أى مظاهر للرفاهية فيها..وكانت أرضية المكان مغطاة بسجاد قديم اختفت الوانه تحت التراب
وفى ركن يوجد مكتب قديم عليه اوراق وملفات غيرمرتبة بجوارها تليفون أسود ضخم ..وخلف المكتب لوحة قديمة بها آيات من القرآن الكريم..
ظهرت مشرفة المكان وإستأذنتهم بالصعود لأعلى فصعد الجميع درجات قليلة ظهرت بعدها ردهة طويلة حوائطها باهتة اللون وقد سقط قشرة من الحائط فى الأجزاء السفلية منه بفعل الرطوبة.. والردهة يصطف على جانبيها حجرات متلاصقة ودورات للمياه ومطبخ كبير أدواته قديمة به بوتاجاز ضخم أغلب مفاتيحه
سقطت منها الأجزاء البلاستيكية العازلة للحرارة وأعلى البوتاجاز قدرين كبيرين للطهى…ويجاور المطبخ صالةطويلة بها مائدة يصطف على جانبيها كراسي فى حالة متوسطة…وبينما كريم فى حالة من الدهشة لغرابة المكان وخلوه من اى مظاهر الرفاهية أو النظافة..بدأت الأطفال تخرج من الحجرات فى ملابس غير مهندمة وغير متناسقة..ويعلو وجوههم فرحة لوجود زوار بالمكان لأن هذا معناه مزيد من الهدايا والطعام ..
شعركريم بالخجل لإن مظهره يختلف عن هؤلاء الأطفال من حيث النظافة أو الأناقة والمظهر ودارى خجله بإبتسامة ودودة صادقة …قال الجد مرحبا بالأطفال..:
-هيا تجمعوا حول المائدة ..لنأكل معا ورحبوا بصديقكم كريم.
إلتف الأطفال حول كريم يسلمون عليه ويعرف كل منهم نفسه…ثم جلسوا حول المائدةواخذ الجد يوزع الأطباق المغلفة على الاطفال بمساعدة المشرفة..ثم قال:
-هذا الطعام أعدته ام كريم وتعدكم بزيارة قريبة للتعرف عليكم ..
الاطفال يأكلون بشهية وكل منهم يعلق على حلاوة الطعام.وطلبوا من كريم أن يشكر والدته على الطعام الذى أعدته وللمرة الأولى يكتشف كريم أن الطعام الذى أعدته أمه له طعم جميل وأنه يأكله بشهية لم يشعر بها من قبل وأحس بألفة شديدة مع الأطفال وكل واحد منهم يحكى حكاية او نكتة او موقف ظريف مر به وامتلأ المكان بالضحك المتواصل يتخلله بعض المشاهد التمثيلية لتوضيح موقف ما و رأى كريم نفسه خفيف الوزن وكأنه يرتفع كبالون
قال الجد:
– حان وقت الهدايا. والحقيقة أنا أحضرت بعضها وكريم أحضر البعض ألآخر …فشعر كريم بالخجل ..وأخذ الجد يوزع الهدايا على الأطفال وكان من بينها الألعاب التى كان يتمرد عليها كريم ويطلب غيرها. وفرح الأطفال بالألعاب خاصة التى كان يرفض كريم اللعب بها..وإندمج كريم باللعب مع الأطفال وكأنه للمرة الأولى يلمس تلك الألعاب.. وإندمج الاطفال في اللعب وكريم معهم..وللمرة الأولى فى حياة كريم يشعر إنه عديم الوزن وإنه يعلو ويرتفع.لأعلي و يطير لكن بلا أجنحة.
(إنتهت)
بقلم’:





