مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

حلم – رأفت عبد الستار

صورة لرجل مبتسم ذو شعر رمادي وبشرة متوسطة، يرتدي قميص رمادي. يتميز بتعابير وجه ودودة وخلفية بسيطة.

كان يجلس فى حجرة لايرى من  شباكها الحديدي سوى أقدام المارة…. ولايصل إليها إلاخيط رفيع من شعاع تسبح فيه ذرات التراب …أخذ يحدق فى تلك الحجرة الضيقة وهو يشعر بالاختناق …تذكر داره التى يدخلها الضوء من كل مكان.. وتلك المصطبة بجوار المدخل وهو يتربع عليها….والفضاء

 الواسع والخضرة تحاوطه من كل مكان..  …وأولاده يلعبون من حوله.. وامرأته  تتحرك كيف تشاء بحرية …وهمس متحسرا:  -هل هذا هو النعيم الذى وعدتني به  يامحروس!!

وتذكر يوم هرول إليه  مبشرا:

  –  اترك الفأس والمقطف يا عيد..  بلا زراعة بلا هم

  ..خالى وهدان اتصل و  يريدك ان تعمل فى مصر مكان حمدان.

وهنا صاحت فتحية فى وجه محروس:

  – حرام عليك هجرت نصف البلد!!! …من سيزرع الأرض؟؟؟

  أجابها وهو يعدل عمامته ويلوح بعصاه فى الهواء.:

  – ….أنا غلطان كنت أريد لكم النعيم…السلام عليكم.

   قال عيد لمحروس الذى أعطاه ظهره:

  – لاتغضب من فتحية …أنت تعرف أن قلبها أبيض…أعطني فرصة أجهز مصاريف السفر.

 ابتسم محروس وهو يرفع رقبته فى أنفه من استرد كرامته.

  -انت ياأطرش ساعة أنادي عليك.!!!                 

   انتبه.عيد من غفلته على صياح الأستاذ صبرى مالك العقار …فهرول إليه وهو يجر ذيل جلبابه معتذرا:

  – أمرك يا حاج

  –  انتبه لطلبات السكان  ..ونظافة السلم…لا أريد أى شكوى منك!؟!

  ثم تفاجأ’من عدم وجود أثاث بالحجرة فقال متعجبا:

  – يبدو أن هذه أول مرة تغادر فيها بلدتك.!!!

   ثم أردف وهو يحدثه باستعلاء:

  –  كلكم تأتون قططا مغمضة ثم تتحولون

  لذئاب ….وغدا تختفي كحمدان  وغيره حين يشبعون .

لم يع عيد ما يسمع وبادر الأستاذ  صبرى بابتسامه بلهاء وهو يقول:

  – خير إن شاء الله

 الحياة سريعة من حول عيد….طلبات من هنا ….طلبات من هناك… وصيحات من الغضب تنهال عليه إذا تأخر فى الرد…أو تأخر فى مكان….وصراخ السكان يلاحقه من كل

مكان…وعيد لم يتعود أن يصرخ فى’وجهه

أحد….ولم يتعود على تلك النظرات التى

تحتقر هيئته أو تعامله بازدراء.

وأمضى عيد يومه ما بين هبوط وصعود السلالم المتكرر ..وصراخ السكان إذا أخطأ

ولم يحضر المطلوب لعدم درايته بأسماء الأشياء المطلوبة …أومن أين يأتى بها. 

.وتكوم فجأة من التعب أمام باب حجرته أو بالمعنى الأصح أمام جحره الغير آدمي …..

وتراءى أمام مخيلته زوجته فتحية ومن حولها أولاده  بهيئتهم النظيفة وهى تعلمهم

الحروف الأبجدية ومبادىء الحساب.

ورغم أن فتحيه لم تحصل إلا على الإبتدائية

بالإضافة لما تعلمته بكتاب الشيخ وهبة الذى   وضع الأساس الذى تستطيع البناء عليه .

.كما أن فتحية امرأة مقبلة على الحياة

تملأ أي مكان حولها بالطاقة والإشراق …وهى لاتكل ولاتتعب مابين فلاحة الأرض ورعاية الدواجن والأرانب

 وتجهيز ما لذ وطاب بالفرن البلدي الذى

 بنته من الطوب اللبن…وحلم فتحية ان

تتملك القراريط المؤجرة من الإصلاح الزراعي باسمها واسم زوجها عيد الذى خدعه

 محروس وجعله يجرى وراء أحلام وهمية سيفقد فيها كرامته وعزة نفسه… وهذا ما 

جعل فتحية لاتنساق وراء هذا الحلم الكاذب وظلت فى بلدتها تاركة عيد يذهب  ويعود إذا غلبه الحنين.

أقبل المساء وعيد لايدري كيف سيقضي ليلته وأخذ يقلب جيوبه وأخرج المبلغ الذي

معه واستبعد ثمن العودة بالقطار إذا ضاق به

الحال…وتذكر سوء معاملة السكان له لأنهم

يعتبرونه إمتداد لحمدان ومن قبله عندما تركوهم بلاسابق إنذار….. كما لم يحظ عيد

بأى مبالغ من الأستاذ صبري الذى قطع عليه

هذا الطريق بقوله:

  – اذهب الى’وهدان وخذ منه أى مبلغ تريده وهو سيخبرك كيف سترده إليه أما أنا لاأعطي الانهاية كل شهر نظير عمل تؤديه.  

 وشعر عيد بأنه يتضاءل وتمنى لو تنشق

 ‘الأرض وتبتلعة.

 وبينماكان عيد شاردا يقلب أحواله إذا بيد

تربت على كتفه فالتفت فوجد الحارس فى

العمارة المقابلة وتحت إبطه مرتبة

 إسفنجيه

رقيقه  جدا  ومخدة  ثم وضعها بجوار  عيد وهو يقول:

  – إستعملها لحين تتحسن الظروف.

 تحجرت الدموع فى عيني عيد إذ أصبح محل شفقة وعزت عليه نفسه وحيا الرجل

وشكره فقال الرجل قبل أن ينصرف:

  – إذا إحتجت شيئا أخبرنى…السلام عليكم

ضاق صدر عيد و اطبقت عليه أنفاسه كأنما

يغرق وهو لايدري كيف سيواصل على هذا

النحو..لاشيء يبشر بأى أمل ….وتذكر حين قابله وهدان أمام المحطة و تعامل معه بتعال

وكأنه لم يعرفه من قبل…وكيف انشغل عنه

بالتليفون المحمول وفهم عيد عن غيرقصد أنه سمسار أراضي’وعقارات وتاجر عملة وأشياء كثيرة لم يستوعبها عقله

ووهدان لم يتوقف عن تدخين سجائره الأجنبية التى يشعلها بولاعته الفخمة متعمدا

إظهار خاتمه الذهبي الضخم…ولم يرتح عيد لأسلوب وهدان المتلون …وقدرته على الهروب من المواعيد والوعود بطريقة بهلوانية…يعقبها عبارة لا أقدر على’زعلك يا باشا….’أو زعلك يا هانم…وتعجب عيد كيف ارتقى’وهدان السلم بهذه السرعة الرهيبة وهو الذى غادر البلدة من عام تقريبا وليس’معه إلا القليل الذى يكفي بقاءه ليلة فى أحسن تقدير.

اكتشف عيد أنه ليس كحمدان ولا وهدان… كما أنه.  لم يرتح لأحوال الناس من حوله..  وعلاقاتهم  الجافة التى تخلو من الألفة والمحبة ..

ولم يستوعب الحياة السريعة التى.تخلو من البركة والسكينة كأنما يحركها عفريت

 فشعر بغربة أكثر و اغتراب شديد وأخذ عيد ينتظر الصباح بفارغ الصبر لينفذ قراره الذى

 لا رجعة فيه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading