رماد بارد على وجه غريب – حسين بن قرين درمشاكي-ليبيا

الليل يسدل ستائره على المدينة، يحول الشوارع إلى أنفاق من الصمت. صوت وقع خطواتي يردد صداه على الأرصفة الخاوية، يملأ الفراغ الصامت ثم يختفي في العدم. أعانق ظلي الذي يتمدد أمامي ثم يتقلص خلفي، يرافقني كشاهد صامت.
أجلس على مقعد خشبي قديم في حديقة عامة، تنوح الريح بين أغصان الأشجار العارية، فتصدر صوت أنين حاد. أطيل النظر إلى بركة الماء الراكدة التي تعكس وجهي الشاحب كمرآة مكسورة. تتساقط قطرات الندى على سطحها فتبعثر صورتي، تحولها إلى شظايا متناثرة.
في الأفق البعيد، يلوح نور خافت من نافذة منزل ما، يغمر الفراغ بدفء. ألمس بيدي مكان الجمر في صدري، أجد رمادا باردا، ولكن أصابعي ترتعش فوقه. أخرج ورقة قديمة من جيبي، خطوطها باهتة، غير أن أصابعي تمرر على الكلمات في عطف. أعيد الورقة إلى مكانها، ثم أغمض عيني، لأرى وجها يبتسم لي في الظلام.
هذه الليلة لا تختلف عن سابقتها. هي مجرد تكرار. في هذه الحديقة، أنا كهيكل سفينة غارقة، أرسي على قاع العدم.
أخرج منديلا أغطي به المرآة المكسورة، أعيد ترتيب شظايا وجهي المبعثرة، ثم ألصقها على وجه الغريب الذي يجلس على المقعد المقابل.





