مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

أحمد عبدالله إسماعيل – راحة البال

رجل مبتسم يرتدي بدلة رمادية مع ربطة عنق، خلفية حمراء مع رسومات لحفلات.

يطلّ أحمد بسيوني، صاحب الثلاثين خريفًا، كقصيدة من النثر المتقن؛ رجلٌ صاغته الأرقام قبل أن تصقله الحياة. خريج “الاقتصاد والعلوم السياسية”، ذلك التخصص الذي علّمه كيف يُخضع فوضى العالم لقوانين “الإحصاء”، فغدا عقله دوامة تساؤلات لا تهدأ، يسكنه ذكاءٌ متقد، يلمع في عينيه كجذوةٍ لا تنطفئ. لم يكن تفوقه الدراسي، وتصدره لقرنائه طوال سنيّ التحصيل، إلا ترجمةً لروحٍ تأبى الانكسار خلف الصفوف، وتطمح دوماً إلى السيادة والامتياز.
يتمتع بوسامةٍ مهندمة، لا تشوبها فوضى؛ فهو “أناقةٌ تمشي على قدمين”، بملامح منحوتة بعناية، ومنطقٍ ينساب من ثغره بسلاسة العسل، يأسر الألباب بحديثه العذب الذي يخلط دومًا بين صرامة العلم ورقة البيان. هو ذاك الرجل الذي يُجيد ترتيب كلماتِه كما يُرتّب مجموعات البيانات في مشاريعه الضخمة.
خلف هذا المظهر المتماسك، تكمن جذورٌ غائرة في التربة المصرية الصابرة؛ فهو نجل موظفٍ إداري كدح في أروقة وزارة الصحة، رجلٌ أفنى عمره في خدمة الأوراق حتى نال التقاعد، ولم يمهله القدر سوى عامين ليتنفس حرية الفراغ قبل أن يرحل، تاركاً لأحمد وأخويه شقيقين إرثاً من الانضباط، وذاكرةً مثقلة بالرحيل. أحمد اليوم هو الابن الذي يحمل عبء الذكاء ومرارة الفقد، ينظر إلى المجتمع ككتلة من الأرقام، بينما ينبض قلبه بإيقاعٍ يراوح بين منطق الإحصاء وجبروت العاطفة.

أما هاجر ممدوح، فهي إعصارٌ ناعم يرفض الانحباس في قارورة التقاليد؛ صحفيةٌ تقتات على الحقيقة وتتنفس الجموح. امرأةٌ أعلنت عصيانها على “أقاويل الناس” منذ زمنٍ بعيد، فتركت لشعرها العنان ينساب على كتفيها كشلالٍ من التمرد، واختارت لجسدها ما يروق لمزاجها لا ما تمليه القيود. هي التي تمشي في طرقات الحياة بزهوٍ واثق، يلمع في أصبع قدمها خاتمٌ صغير كأنه صرخةٌ صامتة في وجه الرتابة، وتقود سيارتها وكأنها تقود قدرها الخاص نحو آفاقٍ لا يحدها سياج.
ابتعدت هاجر عن القيود؛ تعيش في وحدتها الاختيارية، داخل شرنقتها الخاصة حيث لا رقيب إلا ضميرها، ولا قانون إلا عفويتها المفرطة. تتصرف بتلقائيةٍ تحسدها عليها العصافير، لا تلتفت خلفها لترى أثر خطاها، ولا تنشغل بغير اللحظة التي تحياها. عالمها يبدأ وينتهي عندها؛ فهي كيانٌ مكتفٍ بذاته، لا يعبأ بثرثرة المجالس ولا بنظرات الفضول التي تلاحق استقلالها.
هي الصحفية التي تطارد حوادث المجتمع بقلبٍ من حديد، لكنها في حياتها الخاصة “جزيرةٌ منعزلة”، تأبى أن تكون رقماً في معادلة أحد، أو أن تنخرط في صراعات لا تعنيها. هاجر هي التجسيد الحيّ للانفلات من جاذبية العرف، والتحليق في سماءٍ لا تملك فيها إلا نفسها، ولا تدين فيها لأحدٍ بفسحة أمل أو اعتذار.

داخل القاعة الكبرى لـ “مجلس الشباب الوطني”، حيث كانت تتردد أصداء مناقشاتٍ جادة حول السياسات العامة ومستقبل المجتمع، جلس أحمد بظهره المستقيم، واضعاً حاسوبه المحمول أمامه كأنه محرابٌ مقدس. تحركت أصابعه على لوحة المفاتيح ببراعة جراح، أخذ يحول الأزمات الإنسانية إلى رسوم بيانية صماء ومنحنيات إحصائية لا تقبل الجدل. بدأ يلقي كلمته بصوتٍ رخيم ومخارج حروف منضبطة، يتحدث عن “معدلات النمو” و”كفاءة الموارد”، وعيناه لا تغادران شاشته، كأن العالم كله مجرد معادلة رياضية كبرى تنتظر الحل. وفجأة، انفتح الباب الجانبي بضجيجٍ خفيف، ودخلت هاجر ممدوح.
لم تدخل هاجر، بل اقتحمت رتابة المكان. سبقت رائحة عطرها المتمرد خطاها، وتطاير شعرها الغجري الثائر مع حركة رأسها العفوية. جلست في المقعد المقابل لأحمد مباشرة، ووضعت مفاتيح سيارتها وحقيبتها الجلدية المهترئة فوق الطاولة بلامبالاة أربكت ترتيب أوراقه. رفعت قدمها قليلاً لتبدو حركة الخاتم الذهبيّ في أصبعه قدمها اليمنى، وكأنها ترسم حدود منطقتها الخاصة في وجه منطق الإحصاء.
التقطت هاجر طرف الحديث منه، دون استئذان، وبصوتٍ يقطر ثقةً وتلقائية، قالت: الأرقام التي تسردها يا سيد أحمد ليست سوى مقابر باردة لقصصٍ حقيقية.. أنت تتحدث عن ‘نسبة الطلاق’، وأنا أتحدث عن دماءٍ تجمدت على جدران البيوت.. أنت ترى بيانات، وأنا أرى ضحايا.

رفع أحمد عينيه عن شاشته لأول مرة. تسمرت نظراته عند تلك الابتسامة التي لا تشبه شيئًا مما درسه في “الاقتصاد والعلوم السياسية”. لم يرَ فيها زميلةً في الحوار، بل رأى “تحديًا جسديًا” صارخًا. جذبته تلك المشية التي هزت سكون القاعة، وشعر للحظة أن قوانين “الإحصاء” قد خانته؛ فجمالها لم يكن قابلاً للقياس، وجاذبيتها لا تخضع لأي منحنى طبيعي.
في تلك اللحظة، وسط ضجيج المناقشات السياسية، ساد صمتٌ خفي بينهما. غرق في تخيل تفاصيلها خلف الأبواب المغلقة، أما هي فلم تلمح في عينيه إلا ذاك الرجل الذي قد يروّض فوضى أيامها، ويحمل عنها عبء “الصحون المتسخة” ورتابة الحياة التي تمقتها.
لقد كان لقاءً بين “البيانات” و “الجموح”؛ هو يريد احتواءها في جداوله، وهي تريد أن تعصف به بعيدًا عن صرامته.

في أعماق أحمد، كان يقبع نموذجٌ ذهنيّ صُلب كالأرقام التي يعالجها ورثه عن أبيه؛ لم تكن “المرأة” في نظره سوى مكوّنٍ وظيفي في معادلة حياته الخاصة. كان يراها كائناً خُلق ليُطوع، “أداةً” بيولوجية غايتها القصوى هي امتصاص توتره اليومي، ومنحه لذةً حسية لا تشوبها فلسفة. بالنسبة إليه، فإن كمال الأنثى يكمن في ثلاثة أركان لا تقبل القسمة: طاعةٌ عمياء تضمن راحته، براعةٌ في “فنون المطبخ” تُشبع جوعه، وحركاتٌ إيقاعية راقصة تداعب غريزته. إنه يبحث عن “جاريةٍ عصرية” مغلّفة بشهاداتٍ جامعية، تمنحه جسدها في الليل وتدبر له مملكته في النهار، دون أن تزاحمه في فضاء القرار أو تخدش سكون سيادته.
وعلى الضفة الأخرى، وقفت هاجر كجدارٍ ناريّ في وجه هذه التصورات العتيقة. تنظر إلى “أعمال المنزل” بوصفها قيودًا صدئة تُكبل معصم الإبداع، وترى في المطبخ مقبرةً لطموحها الصحفي. لم تجد نفسها في فكرة “الخدمة” أو الانصياع لأمرٍ، حتى لو كان همسًا؛ وسيادتها على نفسها هي عقيدتها الوحيدة. أما “الأمومة”، فقد كانت في مخيلتها “مسؤوليةً” باهظة الثمن، استنزافًا لروحها الحرة في جسد طفلٍ صغير قد يحرمها من سيارتها، ووحدتها، وانطلاقها بلا قيد.
أما “الرقص”، فقد كان نقطة الانفجار الكبرى في وعيها؛ لم تره يومًا تعبيرًا عن بهجة أو فن، بل اعتبرته ارتدادًا مخزيًا لعصور “الحريم” وظلمات “العبودية”. كان بالنسبة إليها طقسًا من طقوس الاستجداء العاطفي أمام “سلطانٍ” متوهم، وإذلالاً لكرامة الأنثى التي تأبى أن تكون مجرد استعراضٍ بصريّ لمتعة رجل.
بينما كان أحمد ينسج في خياله صورًا لها وهي تتمايل لإرضائه، بنَت هاجر قلاعًا من الرفض لكل ما يمثله هو من ذكوريةٍ مستترة تحت رداء “الوسامة والذكاء”. كان لقاؤهما يشبه لقاء المادة بالمادة المضادة؛ انجذابٌ كونيّ في الظاهر، وانفجارٌ مدمر في الجوهر.

انغمس أحمد في مشروعه الأضخم، مكلفًا من “المجلس القومي للمرأة” بفك شفرات العقد الأخير من حيوات المصريين. جلس خلف شاشاته العملاقة، يراقب تدفق البيانات كأنها شلالات من الحبر الأسود. لم تكن “حالات الطلاق” بالنسبة إليه مجرد خانات إحصائية، بل “تسونامي” رقميًا يبتلع المجتمع. يرى المنحنيات تتصاعد بحدة مخيفة، كأنها نصل سكين يشق صدر الاستقرار؛ أرقام النفقة، صراعات الحضانة، وخراب البيوت الذي لا تدركه العاطفة بل يفضحه الحساب. بدأ يشعر بالفزع؛ فالبيانات الجافة بدأت تنطق، والنسب المئوية تحولت إلى صرخات صامتة لآلاف الأسر التي تهاوت، مما جعل فكرته عن الزواج كـ “ملاذ للراحة” تهتز تحت وطأة حقيقة أن “العقد” غالبًا ما ينتهي بـ “القيد الزوجي أو الجنائي”.

وفي زاوية أخرى من المدينة، غاصت هاجر في مستنقع “قسم الحوادث”؛ حيث لا لغة للأرقام، بل رائحة الدم ورصاص الكراهية. تتابع ملفاتٍ يندى لها الجبين؛ أزواجٌ استحال حبهم نقمة، فبتروا حيوات شريكاتهم بدمٍ بارد، وزوجاتٌ قررن إنهاء مأساتهن بطلقة أو بحبة غلة سامة. مزقت قصص “الهيام”، التي تبدأ بالورود وتنتهي في ردهات المشارح، رداء طمأنينتها. شعرت هاجر بالرعب يتسلل إلى مسامها؛ فكل قصة حب تكتبها كصحفية كانت ترى في نهايتها “مشروع قتيلة”. صار “الآخر” في نظرها ليس شريكًا محتملاً، بل “قاتلاً متربصًا مع وقف التنفيذ”.

بينما راح أحمد يحلل “هيكل الانهيار الأسري” عبر الإحصاء، أخذت هاجر تعاين “جثث الحب” في المشرحة. كلاهما وصل إلى النتيجة ذاتها من طريقين مختلفين: أحمد عبر “العقل الحسابي” الذي رأى مؤشر المجتمع منحدرًا نحو الهاوية، وهاجر عبر “الحس الميداني” الذي رأى في الحب خطرًا مميتًا.

خفتت جذوة الجاذبية بينهما، وحلّ مكانها “فتورٌ” بارد ببرودة التقارير التي يقرآنها. انسحبا من صخب “مجلس الشباب الوطني”، ليواجها حقيقتهما الجديدة: لقد قتلت “المعرفة” لديهما “الرغبة”، وأصبح لقاؤهما عبارة عن مواجهة بين متوجسيْن، لا عاشقين.

خيم صمتٌ ثقيل على الركن المنعزل في ذلك المقهى الهادئ، صمتٌ يسبق العواصف التي تقتلع الجذور. بينما جلس أحمد يتصفح تقريره النهائي، ووجهه يشبه لوحًا من الرخام، جلست هاجر قبالته، وعيناها تقدحان شررًا غريبًا، كأنها رأت لتوّها ما لا يتحمله بشر.

بدأ أحمد الحديث بصوتٍ منخفض، كأنه يقرأ حكمًا بالإعدام:
– هاجر، نحن ننهار. البيانات لا تكذب؛ نصف الأسر تتبخر في عقدٍ واحد. الزواج لم يعد ميثاقاً، بل صار انتحاراً اقتصادياً موثقاً بالأرقام.
ضحكت هاجر مرارةً، وقذفت في وجهه بملفٍ أحمر كأنه جرحٌ مفتوح:
– أرقام؟ أنت تحصي الخسائر المادية، وأنا أحصي الجثث! في يوم واحد يا أحمد، أربع محافظات وأربع ذبائح. زوجٌ ينحر، وزوجةٌ تسمّ، وخطيبٌ يقتل. قصص الحب التي تمجدها انتهت جميعًا في المشرحة.

ارتفع صوتها ليدق في سكون القاعة كالمطرقة:
– هذه ليست ‘بيانات’، هذه مذبحة بشرية! من المسئول؟ القوانين العاجزة أم المؤسسات التي تبيعنا الوهم بينما الشوارع تغرق في الدم؟
وقف أحمد بذهول، وقد استبدلت ذاكرته المنحنيات بوجوهٍ مشوهة، وقال بصوتٍ مرتجف:
– إذن ما الجدوى؟ لماذا نبحث عن رابطٍ مآله هذا المصير الدموي؟
نظرت إليه هاجر ببرودٍ جارح، وعيناها تسكنهما ظلال الموتى:
– يجب أن نبتعد. ليس عن بعضنا، بل عن هذه الفكرة القاتلة. لستُ مستعدة للمقامرة بحياتي في غابة. هل زواجنا ضرورة أم هو مجرد ‘مشروع جريمة’ مؤجل؟

أومأ أحمد برأسه في صمتٍ ثقيل، وقد أطبق عليهما شعورٌ بالعدم، وكأن العالم من حولهما قد استحال إلى “خرابةٍ” كبرى، لا يجمع فيها الحطام سوى رغبةٍ بائسة في النجاة.

بعد الفراق المؤقت، استحال البحثُ لدى أحمد إلى هوسٍ وجودي. عكف في صومعته الرقمية، يغذي حاسوبه بآلاف المتغيرات حول المرأة، والطفل، ومآلات الروابط المقدسة. عكست الشاشة على وجهه ضياءً شاحبًا وهو يراقب “المنحدر الوبائي” للمجتمع؛ لم يعد الأمر مجرد أرقام، بل رأى المجتمع المصري ككتلة ضخمة تنزلق نحو هويةٍ سحيقة، حيث التهمت المتطلباتُ الماديةُ المشاعرَ الإنسانية، واستحال “البيت” من سكنٍ إلى “وحدة استهلاكية” قابلة للانفجار عند أول عجزٍ في الميزانية.
ولكي يختبر يقينه العلمي، التفت أحمد إلى جذوره؛ تأمل حال شقيقيه كعينةٍ عشوائية من هذا الهلاك. رأى شقيقه الأكبر، المهندس المستقر، يعيش في واحةٍ من الهدوء مع زوجته المحاسبة؛ لكنه أدرك بذكائه الحاد أن هذا الحب ليس إلا “ترفًا” وفرته وظيفتان مرموقان في شركة واحدة، حيث تلاحم الراتبان ليصنعا درعًا ضد عواصف الحياة. وفي المقابل، كان شقيقه الآخر يمثل “الوجه القبيح” للبيانات؛ رجلٌ مطارد بلعنات “النفقة” و”الحضانة”، يقتات على الفتات بعد أن نهشت المصروفات الدراسية راتبه الهزيل، بينما تقف زوجته السابقة على الضفة الأخرى في عوزٍ مطبق لأنها لم تملك يومًا سلاح “العمل”. هنا، صرخ المنطق في عقل أحمد: “المال هو الروح الحقيقية لهذا الجسد المسمى زواجًا؛ فإذا غاب، استحال الجسد جيفةً تتنازعها الكلاب في المحاكم”.

وفي تلك الأثناء، أكملت هاجر “تحقيقها الصحفي” الأخير على أقرب الناس إليها. جلست مع شقيقتها، لتجد أمامها نموذجًا حيًا للموت السريري للمشاعر. رأت أختًا صابرة على زوجٍ كأن قلبه قُدّ من حجر، بخلَ عليها حتى بكلمة حانية، بينما استنزف عمرها لتعمل وتنفق راتبها في سبيل “حلم الإسمنت”؛ بيتٌ كبير يبنيه بالمال، لكنه يخلو من دفء الروح. سمعت شكواها المكتومة التي لا تنتهي، وأدركت أن شقيقتها ليست إلا “عاملة سخرة” في مؤسسة تسمى الزواج، تشتري استمرار الظاهر بدم القلب، وتدفع ضريبة “السترة” من كرامتها المهدرة.
عادت هاجر إلى غرفتها، وقد استقر في وجدانها يقينٌ مرعب؛ أن الزواج إما “صفقة تجارية” ناجحة كما في حالة شقيق أحمد، وإما “عبودية مقنعة” كما في حالة شقيقتها. لم تجد للحب مكانًا في هذه المعادلات الصارمة.
التقى العقلان في فضاء الصمت؛ يقين أحمد الذي رأى في الزواج “فخًا اقتصاديًا” لا ينجو منه إلا الأثرياء ومنطق هاجر التي رأت فيه “سجنًا عاطفيًا” تضيع فيه هوية الأنثى. وبدأت خيوط الرسالة النهائية تنسج نفسها في عقليهما؛ رسالةٌ لا تحمل عتابًا، بل تحمل “بيان النعي” الأخير لفكرة الأسرة.

في لحظة سكونٍ موحشة، أمسكت هاجر بهاتفها، لا لتكتب خبرًا لجريدتها، بل لتخطّ السطر الأخير في رواية لم تكتمل. أرسلت إلى أحمد كلماتٍ قصيرة، لكنها بوزن الرصاص:
أحمد، لقد استخرتُ واقعي، وفتشتُ في دفاتر العمر، وقررتُ أن أصرف النظر عن فكرة الزواج نهائيًا. لستُ مستعدة لأن أكون ضحيةً أخرى في تقرير صحفي، ولا أريد أن أقامر بحريتي في سوقٍ خاسرة.

لم يتأخر رد أحمد؛ إذ كان بانتظار هذه الرصاصة ليرد بمثلها. جاءت كلماته بليغة، باردة، ورصينة كحكم محكمة لا يقبل الاستئناف:
حسناً فعلتِ يا هاجر، وأؤيدكِ بملء ما فيّ من يقين. أي جريمة نكراء نقترفها في حق أنفسنا لو فعلنا؟ لنتخيل المسار الذي رسمتُه الأرقام وعاينتِهِ أنتِ في المشارح: نتزوج، نبتهج لأيامٍ معدودات كأننا ملكنا الدنيا، ننجب طفلاً نتوهم أنه سيكون امتدادًا لنا، ثم ماذا؟ يخبو الوهج، ويبدأ ضجيج الحياة الزوجية في نهش أرواحنا. تتسلل الخلافات، نتحول من حبيبين إلى عدوين في خندق واحد، تداعب خيالي امرأة أخرى، أو أرتكب حماقة الخيانة وأتزوج الثانية؛ وتشعلين أنتِ نيران الحرب بعد محاولة إحداهن مشاركة أحد ممتلكاتك. تبدأ مرحلة المحاكم، وتُفتح ملفات ‘النفقة’ و’الحضانة’ التي رأيتُ جحيمها في دراساتي. هناك يضيع الطفل الذي تمنيناه، ويتحول الحب الذي أقسمنا عليه إلى كراهية تقطر سمًّا، وربما، في لحظة جنونٍ كالتي تطاردين تفاصيلها في قسم الحوادث، يتخلص أحدنا من الآخر. لسنا بحاجة إلى ‘بيت’ يسكنه الخوف، ولا إلى ‘أطفال’ نربيهم للضياع؛ نحن في حاجة ماسة لشيء واحد عزّ وجوده: راحة البال.

بعد هذا “الطلاق الفكري” الشامل، غرق كل منهما في بحثه الخاص عن تلك “الراحة” المزعومة، بعيدًا عن تعقيدات البشر وتوحش المشاعر.
في غرفته المنضبطة، وتحت ضوء مصباحه الخافت، استسلم أحمد لمنطقه الذي يرى في الإنسان “أداة”. ببضع لمسات على الشاشة، وبمبلغ ألف دولار، اشترى “دميةً لإمرأة من السيليكون”؛ كائنٌ مطيع، بلا لسان يثرثر أو يعترض، وبلا طلبات ترهق الميزانية، وبلا طفل يربك الحسابات. طفل يخسر بسببه الأب كل ما يملك في أروقة المحاكم، وجد في صمت الدمية “أمانًا”، وفي استسلامها “طاعةً” لا يملكها البشر، واستمتع بها ثم طواها وراح ليستحم.

أما هاجر، فقد وجدت هي الأخرى غايتها في فضاء الإنترنت الرحب؛ حيث قررت أن تدخر مبلغا كبيرًا؛ لتبتاع “إنساناً آلياً” (روبوت) مبرمجًا على الخدمة المطلقة. كائنٌ ينفذ أوامرها بدقة متناهية، يغسل الأطباق، ويرتب المنزل، ويحضر الطعام بلمسات مبرمجة، دون نقاش، ودون تذمر، ودون أن يطالبها بـ “حق شرعي” في وقت لا يناسبها أو يقيد حريتها بـ “غيرةٍ” أو “إلحاح”.

وهكذا، في مدينةٍ تضج بالحياة والصراعات، انتهى الأمر بأحمد وهاجر إلى “وحدانيةٍ تقنية”؛ اختارا الرفيق الآلي لشراء “راحة البال”، تاركين خلفهما مجتمعًا يغرق في انحداره، وأسرًا تتحطم على صخور الواقع، بينما هما يبتسمان لآلاتٍ لا تشعر، ولا تخون، ولا تقتل.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading