صهوة الميركافا – أ. جهاد جحزر

الشمس تهوي على رمال غزة كقذيفة.
في عز الظهر، حيث لا مكان للتورية، كان جسد يزن النحيل يلوح فوق مدرعة “الميركافا” المتهدجة. لم يكن يقاتل ليربح، بل ليُنهي. أصابعه تتشبث بالصدأ الساخن للمدفع، وعيناه المثقوبتان بالحقد ترصدان الفتحة المربعة. كان يزن، بطل الأمس، يسلم “هديته الثمينة” من فوهة البندقية مباشرة.
في تلك اللحظة ذاتها، انزلق خالد كالظل المنبوذ خلف الأسلاك الشائكة. بنادقهم، اللامعة والمطهرة من رائحة البارود الوطني، كانت خفيفة بشكل مريب على كتفه. لم تكن هناك عين ترصد، فـ”الشبكة” لم تعد تراقب سوى العمالقة.
عند منتهى الظلام، كانت الرشوة تتشكل. لم تكن مالاً، بل كانت وعداً بـ”الصهوة” المعكوسة: شاحنة إغاثة متوقفة في شارع يلفه الجوع.
الليل برائحته الثقيلة من القمامة والجوع. خالد، الذي كان خطيب الجمعة، ارتقى جانب الشاحنة بخفة قرد. لم يكن يرى صندوق الحليب، بل كان يرى ابنه الميت، الهيكل العظمي الذي التصقت أمعاؤه. يداه تنهشان الكرتون. ركل اليد الممدودة لامرأة تتوسل، ولم يرَ الطفل الجالس القرفصاء في الزاوية، ذي العينين الواسعتين اللتين سجلتا المشهد كاملاً، إلا بعد أن داس بقدمه فوق هيكله الصغير.
وفي نهاية الخط المرسوم، حين انسحب المحتل. وجد خالد “الأيادي الحديدية” بانتظاره.
لم تكن “الأيادي الحديدية” لأقرانه، بل كانت أيادي عُجَّز، عيونهم فارغة. العجوز التي ستقوم بالمهمة اقتربت، والذراع الحديدية بدأت تلتوي.
لم يصرخ خالد بالندم. بل نظر إلى رفاق الأمس الواقفين في الظل، ليصيح بصوت خفيض اخترق السكون:
“صهوة يزن، كانت هديتها ثقيلة لأنها فارغة يا رفاق! فارغة من الرصاص… والحليب! كنت أبحث عن الحليب لولدي الذي مات! لا شأن لأحد بشأني الداخلي.. حتى أنتم.. يا من سلمتمونا للبندقية الفارغة!”
سقطت من جيبه علبة حليب مهشمة ومغلقة، وتدحرجت العلبة على الرمل.
وعند الفجر، وجدوا رسالة من يزن ، أرسلها قبل موته بساعات: “حذارِ، بندقيتي لم تكن ثقيلة لكرامتها… بل لوجود صدأ في حجرتها. الرصاص لم يخرج.”
تدحرجت علبة الحليب المهشمة على الأرض الرملية. وإلى جوارها تسقط طلقة يزن، مليئة بالبارود، لكنها عالقة في الصدأ.





