القصة القصيرة

زلزال المعاشيق – أ.جهاد جحزر -اليمن

584984406 122241055022173857 5413191276668012935 n

​لم يكن مساؤه عاديًا كالعادة. فالأحداث العاصفة تزلزل قصره، وفيضان الأخبار الساخنة يغرق طمأنينته في أعماق الشجون.

​بات ليلته على شفا سريره متكوّمًا، يحكّ صلعته الملساء حينًا، وحينًا آخر يربت بأصابعه المتثلجة على ركبتيه المرتعشتين في طقس بحري دافئ.

​تحركات مشبوهة لأشباح ليلية تحوم حول فلّته الخاصة داخل المعاشيق، تومض عيونها ذهابًا وإيابًا. حاول الاستلقاء على ظهره قليلًا، لكن عراكًا كبيرًا من التجاذبات أنهضه بسرعة.

​أطلّ من خلف ستار النافذة يستطلع بعينيه الآسيويتين الغائرتين في كهوف اليأس. تحرشات وصدامات بحراسته الخاصة في حوش مقره ودهاليز سكنه.

​اقتحم الحارس الخاص “البود جارد” غرفته بعد جرس لم ينتهِ صداه:

​— فخامة الرئيس، قوات تضايقنا بالخارج. جنود مدججون بالسلاح يطوقوننا من كل جهة. نحن محاصَرون. سلامتك وطاقمك الرئاسي في خطر. توجيهاتك!

​اضطجع على منضدة زجاجية سميكة تدلّى من أطرافها لحم مؤخرته السمينة. يضرب أرقام العمليات وقادة الحلفاء ووسطاء الرباعية. لا ردّ. مدرجات جديدة من الخيبة تتشكل على جبينه المقطب منذ زمن.

​التفت إلى حارسه:

​— هل عرفتم أحدًا منهم؟

​— لا… ولكن مطالبهم معروفة، سيدي الرئيس!

​— هاااه… (وهو يحشو شفته السفلى بسبابته اليمنى إلى داخل فكه).

​كانت الكتائب التي تحركت لتحرير الوادي قد أنجزت مهمتها أمام مرأى ومسمع منه، متمردة على ترتيبات وتفاهمات هشة لم يصدّقها أحد. تبينت خيوط الفجر على ضجيج دائري يحيط بالمكان:

​— ارحل من هنا. ليست بلادك. برع برع يا ……

​استنشق غبار الخذلان، وتمضمض بلعاب صمته المتجمد، متوضئًا لرحيله الإجباري. حُزمت بدلاته وأغراضه على عجل في حقائب كبيرة. أوامر رمزية بالاستعداد للمغادرة، وقرار جمهوري شفوي بحرق الأرشيف كاملًا.

​الحارس يهمس في أذنه:

​— كيف سنغادر من هنا؟

​ابتسامة ممزقة:

​— سننسحب تكتيكيًا كما يفعل جيشنا في كل الجبهات.

​المتحدث الرسمي يصدر بيانًا عاجلًا: “الرئيس يغادر أرض الوطن في زيارة إقليمية لإجراء مشاورات مع أطراف السلام”.

​صعد سُلّم الطائرة بخفة مصطنعة، ليلوّح من أعلاه بكف عريضة. لم يودّعه أحد. توارى في الداخل، ولعنات موحدة تدفع طائرته في الهواء إلى وجهة قريبة، ملت من رحلات الخنوع ومراسيم الأقزام.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading