كأس الضمير الحي – جهاد جحزر / اليمن
لم تكن نظراته موجهة نحو المستطيل الأخضر، بل نحو ما يكمن خلفه. وقف “جاتوزو البطل” يوزع الكلمات كأنه يلقي بتعاويذ.
“سنواجه اليوم خصمًا لا يمتلك شرفًا ولا أخلاقًا. عار عليكم أن يجاريكم أو ينتصر عليكم، وأنتم الطليان، من تملأون أسماع العالم وأبصاره.”
توسعت عيناه، وارتفعت نبرته. “في هذه اللعبة، كل شيء وارد. فوز وخسارة. لكن أمام هؤلاء، الفوز فقط، ولا شيء سواه.”
أشار بيده إلى الخارج، إلى العالم الذي لا يراه اللاعبون. “أنا اليوم لا أدرب 11 لاعبًا. أنا أدرب مئات الملايين. فريقي ليس أنتم، فريقي شعوب بأكملها. حضوركم في نهائيات كأس العالم شرف كبير، لكن بطولتنا اليوم هي الإنسانية. يجب أن نرفع كأس الضمير الحي، ونتوشح ميداليات الآدمية.”
همس لهم: “سنخوض هذه المعركة بشجاعة نادرة. لا جدوى من مطالبتنا باستبعادهم. ولن نمنحهم النقاط الثلاث بانسحابنا الواهن.”
طبطب على أكتافهم، وغرس فيهم إيمانًا لا يتزعزع.
بدأت المعركة. كل هدف في مرماه كان كصاروخ محرم دوليًا يبيد مدينة. لم تلتصق شفتاه للحظة. امتدت يداه أبعد من مداهما الطبيعي. جاب خط الملعب ذهابًا وإيابًا بلا توقف. لا مكان لكرسيه. لا وقت لمضغ العلكة. لم يعطف جبينه وهو يراقب عقارب الساعة التي تهرول نحو النهاية. الخصم كان عنيدًا، والكفتان متساويتان. لكنه كان يعلم أن هناك لحظات كافية لينفجر إيمان أحدهم في شباك الضلال.
دوت صافرة النهاية. العالم يحتفل.
“جاتوزو… ما شعورك الآن؟“
ضحك ساخرًا، وكأنه يرى شيئًا لا يراه الآخرون. “كما ترى. هذه لعبة الشرفاء.”
أومأ بيده نحو الجمهور الذي يهلل. “كما ترى، لست وحدي السعيد. العالم كله سعيد. كان علينا إبعاد هؤلاء من محافلنا الإنسانية، لأنهم ليسوا بشرًا في واقع الأمر. إنهم أبطال العالم في لعبتهم المفضلة التي لا يجيدها أحد غيرهم.”
توقفت عيناه على شيء غير مرئي. “كان علينا أن نعيدهم إلى هناااك… فورًا.”
أكمل بنبرة باردة: “لا أدري إن كانوا سيحترموننا على مساعدتهم الليلة في الهروب من نظرات العالم الغاضبة ولعناته التي تطاردهم أينما حلوا.”
نظر إلى المراسل مباشرة: “لقد أنقذناكم بهذه الهزيمة من شتائم الكون التي لن تتوقف أبدًا.”
“وجهي تاريخ يسجل الليلة… وأنا فخور بما صنعت.”
اقترب صحفي بوجه شاحب، يمد ميكروفونه: “جاتوزو… ما الذي يحدث هنا؟ الجمهور يدير ظهره لنا منذ دخولنا الملعب والشتائم لا تتوقف.”
نظر جاتوزو إلى وجهه، ثم إلى الميكروفون.
“وجوهكم لا يحتفي بها أحد.”
صفع الميكروفون بيده. “اللعنة عليك. أبعد يدك عني. لن أصافحها. إنها ملوثة بالدم.”






