أنا والحجر- أحمد عادل

لِلسُّكونِ أحيانًا حَرَكَةٌ..
بِدَليلِ الحَجَرِ القابِعِ تَحتَ مَنزِلي،
وَضَعَهُ أبي مُذْ كُنتُ صَغيرًا حتّى أستطيعَ قَرعَ البابِ.
يتحملُ الحَجَرِ مَشَقَّةَ صعودي عليه.
الحَجَرُ يَتَحمَّلُ استهانَتي بِنُقوشٍ
كانَ يَحمِلُها على ظَهرِهِ.
نَضِجْنا، أنا والحَجَرُ.
نَوافِذُ مَنزِلي صارَتْ تَتَحدَّثُ
عَن جُدرانِ الحَيِّ كُلِّهِ.
نَستَمِعُ، أنا والحَجَرُ.
تأتي نُقوشٌ تَمحو نُقوشَ الحَجَرِ،
ولا نُبالي بِصُعودِ النَّملِ لِيَتَخطّى الطُّرُقاتِ.
ويُسامِرَنا حَديثُ الظَّهيرَةِ..
كَهلٌ يَأبى إلّا أن يَمُرَّ فَوقَ الحَجَرِ.
وأنا أترقَّبُ.
أنتَظِرُ مُحاوَلَةَ قَدَمَيْهِ صُعودَ الحَجَرِ،
أو أن يَتَراجَعَ الحَجَرُ قَدْرَ أَنمُلَتَيْنِ لِلخَلفِ،
أو أن يَتَدَحرَجَ بَعيدًا…
يمرُّ الكَهلُ.
على حينِ غَفلَةٍ مِنّا،
كأنَّ الأرضَ أغلقتْ فمَها لحظةً ثم نسيتْ أن تفتحه.
نَسمَعُ شَهقَةَ الأرضِ لابتلاعِ الكَهلِ،
والصَّمتُ السّاكِنُ في أرجاءِ الحَيِّ
يَتَراجَعُ لِلخَلفِ.
تَصرُخُ جَدَّتي وعَمَّتي
ونِساءُ الحَيِّ كُلُّهُنَّ:
قَد ماتَ الكَهلُ..
لحظةٌ لا تُقال فيها الجملة، بل تُنقَشُ في الفراغ.
يَبتَسِمُ الحَجَرُ،
ويُطأطِئُ رَأسَهُ تَعجُّبًا،
ويُحَرِّكُ نُقوشَهُ.
يُرسَمُ على كَفّي مِزمارٌ يَتَغَنّى بِالأمسِ،
وأنا كالحَجَرِ أُعانِدُ أَنفاسي..
أُتاجِرُ بِالهَمهَمَةِ المَمنوعَةِ مِنَ الصَّرفِ.
أكتُبُ فَوقَ صَدري
كَلماتٍ
تَتَبَدَّدُ قبل أن تُصبحَ دعاءً،
وتنجو من المعنى كدخانٍ خفيف.
الحَجَرُ لَم يَتَحرَّكْ لِلخَلفِ،
وأنا لَم أصعَدْ لِأقرَعَ بابي،
وأبي لَم يَمنَحْني بَعضَ الوَقتِ لِأخرُجَ خارِجَ داري.
أبي مَنَحَني عُصفورَةً تَحلُمُ بِالطَّيرانِ بِلا جَناحَيْنِ،
وكَفَّ كَلِماتٍ مائِيَّةٍ تَتَلَوَّنُ في الصَّباحِ بِالأزرَقِ،
تَعودُ في اللَّيلِ تَحتَ وِسادَتي.
لا كشيءٍ يُقال،
بل كشيءٍ يُنسى ثم يَعودُ كحلمٍ لا يكتمل.
تَرفَعُها،
مِثلَما كانَ يَحلُمُ الحَجَرُ
أن يَرفَعَني
لِأُقَبِّلَ فَمَ حَبيبَتي…





