القصة القصيرة

حبل غسيل الغبار – أ.جهاد جحزر – اليمن

575381618 1365050178542751 7384756548170047479 n

في ركن منسي من الفضاء الأزرق، حيث تتكدس أصوات العابرين، أطلّت صفحة رمادية. كانت واجهتها غلافًا أسود، تحمل صورة باهتة لعبارة ثائرة مسلوبة الروح، وتتخفى خلف اسم مستعار يجرّ وقاره من متون القواميس الثقيلة للنضال.

لم يُمهل “المتنكّر” نفسه حتى يتأكد سكون الهدنة الأولى، ولم ينتظر أن تثبت أقدام وقف النار. اكتفى ببعض فتات التكهنات المُتطاير والأخبار الأولية عن إتفاق وشيك، ليبدأ احتفاله المرير.

تجرّد من كل عباءة وطنية ادّعاها، وكتب فوق السطر الأول منشوره الافتتاحي: “لقد هزمنا”.

لم تكن الكلمات مجرد حروف، كانت رذاذًا يجفف تناقضاته على حبل غسيل واهن، يربطه خلسة بشرفة المكايدات. “نحن لم ننتصر في هذه الحرب. لقد خسرنا كل شيء! أين المنتصرون؟ من لديه صور لانتصارنا المزعوم فليوافينا بها لنراجعها ونقيمها.”

مرّت دقائق قصيرة.

فجأة، تجمّعت سحائب المنطق في سماء الصفحة. اشتعلت بروق الأدلة، واندفع فيضان من الردود الساحقة. لم تكن تعليقات، كانت قذائف مباشرة. جرفت تربة أفكاره الرخوة بشدة، وأغرقت شكوكه المنبطحة بسرعة خاطفة في أعماق الصدق غير المُعلن.

“عاهرة تتحدث عن الشرف!”

 “الحرب سجال والمعركة لم تنته بعد.”

 “تحرر أولاً من الانحناء ثم تكلّم.”

 “ننتصر أو نموت. لا تشغل بالك بالكبار.”

 “حساب ممول… لقد تأخروا كثيراً عنك!”

أدرك المتنكّر أن المساحة الضيقة لم تعد تتسع لغبار أوهامه. أغلق نافذة التعليقات يائسًا. رأى نشاطه المدفوع مسبقًا يتكبل تحت وطأة حقيقة صامتة لا تحتاج إلى بلاغات. لقد ألغى تطفّله تماماً.

في اللحظة التي اختفى فيها صوته، تصدّر وسمٌ جديد المواقع العالمية، وعلت صيحته فوق كل ضجيج: أنتصارات الأبطال مُكلفة… وهزائم الأحرار مجيدة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading