جواز أحمر – أ. جهاد جحزر

تسمّرت عيناي على حافة النافذة، لا أرنو لغير وميض الختم، تلك اللحظة المجردة التي تفصلني عن الغياب أو الحضور. كان كل ما أملكه وقوفي المتهالك.
طويت الضابطة الجواز بدفء، وعبرت على شفتيها ابتسامةٌ لا تُمنَح إلا لِمن لا يُسأل. اختفى جسده من الإطار دون أثر، كأنه لم يعبر؛ لم يكن انسحاباً بل انزلاقاً.
دفعتُ رأسي بتهور نحو الفتحة الضيقة، ضيَّقتُ المسافة بيني وبينها بفضول خشن: “أبهذه السرعة؟ ومن يكون؟”
“انتظر دورك فحسب.” قالتها، وعيناها مثبتتان على شاشتها، تتجنب وجهي الذي شدَّ تجاعيده فضول الدهشة والسؤال.
انزلق جسدي مجدداً على الكرسي، مستسلماً لثِقل الغرفة. انبثق تثاؤبٌ لزج، شق وجهي كأنه تمزُّق في نسيج الوقت.
إيقاعٌ منتظم، خافت، لكنه يثقب سكون الصالة: طقطقةُ عقيقٍ أحمر، تسبح في مدارات رتيبة، تُؤكِّد أن الملل هنا ليس حالة بل ممارسة.
فركت عيني الغائرتين في كهوف الإرهاق السحيقة. لم أعتدل تماماً، لكنني لم أعد لافتاً بانحنائي. رشفةٌ من الماء، وقطراتٌ أخرى سقطت على رأسي من القنينة التي أفلتت مراراً من قبضة يدي.
التفتتُ يمنة ويسرة، أتساءل: يا الله، متى يُعلن انقضاء هذا العذاب؟
ربتَ على كتفي بلطف، صوتٌ دافئ كسجادة صلاة: “الصبر يا ولدي. في هذه المحطات علينا أن نداعب الوقت بنكتة، ونملأ ساعاته بالاستغفار.”
مدَّ لي مسبحته: “خذ، استغفر ربك… لكن لا تطمع بها، إنها هدية ثمينة.”
إلى جواري، ارتكز شيخٌ سبعيني، هادئ كأن صوته وخطاه قد رُفعا. كانت التجاعيد على وجهه خرائطُ سكينة، ولحيته الثلجية تُلقي ضوء الحكمة دون أن تنطق بكلمة.
انفجرت العبارة مني مريرة: “ما أثمنُ من دمنا، هو وقتنا المسفوك هاهنا على أرضية هذا الانتظار. أيُّ قَدرٍ يجعلنا نُزحف كما السلاحف، بينما غيرنا يمرُّ كظلِّ الشاهين فوق رؤوسنا؟”
أوصاني بالهدوء، قائلاً: “لا تأكل نفسك…”
قضمتُ شفاهي لا إرادياً، فهل هناك نهمٌ أشد من أكل النفس؟
“حسناً حسناً. أنت محمد؟”
“نعم، محمد. محمد مهدي علي اليمني.”
“هات مسبحتي. أجب الأستاذة.”
هرعتُ نحوها: “أنا محمد، أنا محمد!”
“بإمكانك الآن الذهاب. جاهز.”
همستُ: “آلآن وقد…”
“ماذا قلت؟”
“لا شيء، لا شيء. شكراً أستاذة، شكراً.”
“محمد…”
“نعم؟”
“اعتذر منك. هذه إجراءاتنا.”
“لا بأس، لا بأس. لكن هل هي إجراءات موحدة على جميع المسافرين؟”
“أكيد.”
“وماذا عن أولئك الـ…”
“تقصد الرجل الذي تحدثت عنه؟”
“نعم. لقد مر كالسهم. لم يقعد حتى.”
ميلت رأسها وأطلقت الكلمة بهدوء قاتل، مؤشرة على اللون كأنه الشفرة السرية للعبور: “ذاك جوازه أحمر، يا سيدي. أحمر!”
“لا لم أفهم.”
“ذاك مسؤول كبير في بلدك، دبلوماسي أول في إحدى السفارات الخارجية. لديهم إجراءات خاصة بهم.”
“آه! عرفت عرفت! واحد ممن ‘يحملون الهم الوطني’ ويطيرون به كل سماء مباشرة…”
“بالضبط.” وضحكت.
“هل تحمل مثله ذلك الهم؟”
“لا، يا أستاذة. إنهم يحملون الفكرة ليطيروا بها؛ أما أنا… فأنا الهم ذاته، أنا الثقل الذي يُرمى جانباً كي تُحلِّق النخبة.”





