القصة القصيرة

هامش ممتلئ – أ.جهاد جحزر -اليمن

رجل ذو شعر بني قصير وذقن خفيفة، يرتدي قميص أبيض، يظهر في صورة داخل بيئة مغلقة.

​استدارت المقاعد الجلدية تحت وطأة الأجساد الممتلئة، حتى تلاقت الأنفاس في حيز ضيق. هناك، خلف ظهر “الجدول الرسمي”، كانت الرؤوس تهتز بتناغم غريب، كأنما تضبط إيقاعاً سرياً لا يسمعه غيرهما.

​تحررت الأيدي من قيود الطاولات، والتفت السواعد في عناقٍ أطبق على المسافات، بينما كانت الابتسامات ترسم خطوطاً عميقة في الوجوه، وتصطدم الضحكات المكتومة في فضاء الغرفة الصغير.

​”السادة الكرام.. الرجاء الالتزام بضوابط المنصة والتركيز على النقاط الموزعة أمامكم!”

جاء الصوت من المنصة المرتفعة حاداً، كوقع مطرقة القاضي. “ليس هذا وقت المشاعر، الجدول يحدد بدقة مواعيد الاستراحات.”

​ألقيا نظرة فاترة نحو المصدر، ثم عادا لشرنقتهما الخاصة. غرز كل منهما سبابته في وجنة ملساء بوضع مائل، بينما كانت الأرجل اليمنى ترسم مثلثات حادة فوق الركب اليسرى، والجزمات الأنيقة تهتز بتردد واحد مدروس.

​انفض الجمع. غادر الجميع بحقائب تئن تحت ثقل الأوراق البيضاء، والوجوه واجمة كأنها تعاني من هزيمة نكراء. أما هما، فكانا يخطوان ببطء، الأيدي متشابكة، وصدى ضحكاتهما يثقب الصمت المشحون الذي خلفه الاجتماع.

​استوقفهما حفيف خطوات متسارعة. رئيس الجلسة يقف أمامهما لاهثاً، عيناه تائهتان بين بهجتهما وبين أوراقه الذابلة.

“أنتما! هل وجدتما شيئاً في تلك الهمسات؟ تبدوان.. على عكس الجميع تماماً.”

أجاب أحدهما بهدوء وهو يواصل المشي: “ربما.. ربما وجدنا ما لم يكتبه جدولك.”

​مضى الرئيس أمامهما يهذي بكلمات مسموعة: “مجرد كسالى.. لا يحبون سوى الثرثرة. الأحاديث الجانبية هي وليمة العاجزين.”

​لم يردا. تبادلا نظرة أخيرة، ثم اتجها نحو الباب الخارجي ببطء واثق، يطويان في جيوبهما عقداً لم يمر عبر الحبر.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading