كحلوش الرجل الذي نسي اسمه – عبد القادر بوطالب

كان “كحلوش” – كما يتذكره أصدقاؤه القدامى، وحتى الذين عرفوه في الآونة الأخيرة – يعيش في عالم صغير ومغلق. كان أبواه متواضعين وربياه تربية عادية ككل أقران جيله، نشأ بين جيران يعدون على أصابع اليد الواحد حياة بسيطة تملؤها السعادة والكثير من القناعة وراحة البال، لم يعرف كحلوش في حياته سوى نفس الوجوه التي تتشابه ملامحها وسحناتها، نفس لون البشرة الداكنة التي تتوهج تحت ضوء أشعة الشمس والأنف العريض والشفتين المكتنزتين والأكتاف العريضة وعضلات الصدر والدراعين التي تبدو أكثر بروزا، وبالخصوص مع ارتداء ملابس ضيقة… غير أن كحلوش لم يكن لديه من كل هذا أي شيء ، كان مسخا كامل الأوصاف، مسخا يمشي على رجليه، كان في كل ذلك كائنا هجينا، لا هو من هؤلاء؛ ولا هو من أولئك.
ضاقت الحياة بكحلوش، فاهتدى إلى أمر اعتقد أنه سيجعله محط أنظار الجميع وموضوع أحاديثهم ومجالسهم. فقد كان يشعر بعزلة قاتلة، ولم يكن له ما يقدمه للآخرين، حتى أحاديثه كانت مملة وبلا جدوى، وكانت غالبا تنتهي بشجار أو بعنف أو بعراك، ونتيجة ذلك، طور كحلوش موهبة فريدة جعلت الناس ينظرون إليه بإعجاب مختلط بالدهشة في البداية، ثم بنوع من الاستهزاء والسخرية في نهاية المطاف، غير أنه كان ينتشي بذلك أيما انتشاء، غير آبه بالآخرين وبردود أفعالهم، سواء نظروا إليه بإعجاب أو بازدراء، المهم أنه أصبح يدعي أنه يعرف – كما يقول – ”أهل الحل والعقد”، وأن تدخلاته يمكنها أن تحل أعقد القضايا والملفات، وشاءت الصدف أن تمت تسوية بعض من هذه الملفات، فاعتبر الكثير من الناس ذلك نتيجة علاقات كحلوش وتدخلاته.
أصبح كحلوش يحفظ ليس فقط أسماء كبار الشخصيات والمسؤولين، بل كل شيء عنهم: هواتفهم الخاصة وعناوين منازلهم وأسماء أطفالهم ومستوياتهم الدراسية ووجباتهم المفضلة وأسماء زوجاتهم وانشغالاتهن، أصبح مهووسا بذلك، يعرف كل صغيرة وكبيرة عن حياتهم، حتى تلك لا يعرفها أقرب المقربين منهم. وإذا سئل: “كيف عرفت كل هذه التفاصيل؟”، كان يبتسم فقط، ويشير بأصبعه إلى الهواتف الثلاث التي لا تفارقه.
لم يعد كحلوش يكتفي بحفظ الأسماء فقط، بل بدأ يتصرف وكأنه صديقهم الحميم، صدقوه الكثيرون، وفطن الكثيرون لأكاذيبه وألاعيبه. لكن لعبته لم تنته، وربما لن تنتهي في القريب العاجل، في مجتمع يؤمن أن قضاء الحوائج يحتاج دوماً للوسطاء والسماسرة.
في أحد الأيام، بينما كان كحلوش جالساً على مقعد في حديقة عمومية، اقترب منه ابنه الوحيد ذو العشر سنوات وسأله:
“لماذا يناديك الجميع بأبي العريف؟ هل لأنك تعرف الكثير؟”
نظر إليه كحلوش، وابتسم بحزن عميق، وقال:
“أنا… أنا …. أنا أبوك. أنا لست بأبي العريف”.
ضحك الطفل الصغير، وهم باللحاق بأمه التي كانت تجمع أغراضها لمغادرة الحديقة، في تلك اللحظة، مر في ذهن كحلوش شريط قصير من حياته مع زوجته، وشعر بالكثير من الندم والغضب، شعر أنه فقدها وإلى الأبد، لقد سئمت من أكاذيبه وألاعيبه. ولم تعد لها القدرة على الحديث معه. جمع كحلوش ما تبقى من قوته، والتفت الى ابنه وسأله:
“… هل مازلت تتذكر اسمي؟”
وقف كحلوش في مكانه، وشعر بنوع من الدوار، محاولاً تذكر اسمه الحقيقي، لكن كل ما كان يتردد في رأسه هو أصداء أسماء لأشخاص لا يعرفهم، شريط من الأصوات التي ترتفع وتنخفض وتردد أسماء وأرقاما تتسارع بشكل لا يستطيع التمييز بينها، أغمض عينيه قليلا، فأدرك أنه الرجل الذي يعرف كل الأسماء، ولكنه نسي اسمه. أسرع خلف ابنه وسأله:
‘’ما هو اسمي ؟”.
أجاب الطفل، وقد تشبث بكل قوته بيد أمه التي أسرعت خطواتها نحو أقرب مركز للشرطة:
” ماما تناديك كحلوش”.





