النثر الفني

آخِرُ العَهْدِ بِالشَّايِ – عبد القادر بوطالب 

صورة لرجل في منتصف العمر يرتدي نظارات وقميص بأزرار، يظهر وجهه بشكل واضح في الإضاءة الخافتة.

كُنْتُمْ أَمَلَ سُقْرَاطْ، 

كُنْتُ أَرْفَعُكُمْ كَنَجْمَةٍ فَوْقَ كَتِفِي. 

كُنْتُ أَمْشِي بِكُمْ نَحْوَ الْبَحْرِ… فَوَجَدْتُكمْ تُجَّارَ جَرَادٍ. 

إِنَانَا كَانَتِ الْوصِيَّةَ 

الَّتِي نُقِشَتْ عَلَى جُدْرَانِ الْهَيْكَلِ الْقَدِيمِ، 

كَانَتِ الْحَقِيقَةَ الَّتِي عَانَقَتْ جَبِينَ الْغَمَامِ، 

فَأَضَعْتُمُوهَا تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ. 

الْحَقِيقَةُ كَالشَّمْسِ، لَا تُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ. 

قُلْتُ لَكُمْ: لَنْ تَبِيعُوا النَّعْنَاعَ، 

فَضَحِكْتُم.

الْآنَ. أَنْتُمْ فِي آخِرِ الْمَقْهَى بِالْبَلْدَةِ الْقَدِيمَةِ، 

تَجْلِسُونَ كَحَفَّارِي قُبُورٍ، 

تَلْهَثُونَ خَلْفَ ظِلَالٍ بَعِيدَةٍ. 

هَلْ مَازِلْتُمْ تَحْفَظُونَ وَصِيَّتِي؟ 

لَنْ تَبِيعُوا النَّعْنَاعَ، هَذَا آخِرُ عَهْدِكُمْ بِالشَّايِ. 

أَنَا الْحَجَرُ الَّذِي مَشَى، 

وَتَرَكْتُكُمْ خَلْفِي كَغُبَارِ مَعْرَكَةٍ خَاسِرَةٍ. 

كُنْتُ أَزْرَعُ فِيكُمْ قَمْحًا، 

قُلْتُ: إِنَانَا كَانَتْ تَبِيعُ النَّعْنَاعَ، 

كَانَ الْأَزْرَقُ يَتَلَأْلَأُ فِي عَيْنَيْهَا حِينَ لَمَحْتُهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. 

وَذَابَتْ نَظَرَاتُهَا الْحَزِينَةُ فِي الزِّحَامِ حِينَ رَأَتْنِي مِنْ بَعِيدٍ. 

وَاخْتَفَتْ. 

ثُمَّ عَادَتْ بِشَمْسٍ تُنْبِتُ الْحُرُوفَ، فَكَسَرْتُمْ أَضْلَاعَ النُّونِ، 

وَضَحِكْتُمْ، وَجَرَفْتُمْ أَسْمَاءَ الْأَنْبِيَاءِ وَالنُّسَّاكِ  وَعبّاد الطَّرِيقِ

لَنْ تَبِيعُوا النَّعْنَاعَ، هَذَا آخِرُ عَهْدِكُمْ بِالشَّايِ. 

إِنَانَا لَمْ تَكُنْ وَحِيدَةً، 

كَانَتْ تَبِيعُ النَّعْنَاعَ بِبَسْمَةٍ تَفِيضُ بِتَجَاعِيدِ التُّرَابِ. 

وَالنَّعْنَاعُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ 

طَوَى أَلْسِنَتَكُمْ… وَغُبَارَ السِّنِينَ. 

وَأَنَا طَوَيْتُ مَا تَبَقَّى مِنْ كُتُبِي، 

وَمَشَيْتُ. 

مَرَرْتُ بِشَوَارِعَ مَدَائِنِكُمْ 

كَالظِّلِّ… أَوْ كَالذِّكْرَى، 

كُنْتُ صَاحِبَ رُؤْيَا 

يُنْبِتُ قَمْحًا… وَلَا يَزْرَعُ قَمْحًا. 

كُنْتُ أَحْلَمُ بِكُمْ كَأَوَّلِ الْبَرْقِ، 

وَكُنْتُمْ تَجْتَرُّونَ تَفَاصِيلَ الْأَكْفَانِ. 

صِرْتُمْ كَأَوْرَاقٍ مُمَزَّقَةٍ يَسْكُنُهَا الشَّيْطَانُ. 

لَنْ تَبِيعُوا النَّعْنَاعَ، هَذَا آخِرُ عَهْدِكُمْ بِالشَّايِ. 

أَنَا لَسْتُ الْغَائِبَ، 

أَنَا الْحَاضِرُ الَّذِي تَرْتَعِشُ أَصَابِعُكُمْ 

حِينَ تَقَابِلُونَ ظِلَّكُمْ فِي الْمِرْآةِ. 

أَنَا الِاسْمُ الَّذِي كَانَتْ حَنَاجِرُكُمْ تَعْوِي بِهِ كَالرِّيَاحِ. 

غِيَابِي كَانَ سَفَرًا لِلصَّلَاةِ، 

وَاشْتِيَاقًا لِكَلِمَاتِ إِنَانَا الْأَخِيرَةِ. 

أَنَا الِاسْمُ الَّذِي لَا يُمْحَى. 

لَنْ تَبِيعُوا النَّعْنَاعَ، هَذَا آخِرُ عَهْدِكُمْ بِالشَّايِ. 

سَأَمْضِي، 

وَسَيَبْقَى اسْمِي خَلْفَ السَّحَابِ، 

كَشَمْسٍ تَأْبَى الرَّحِيلَ. 

وَسَيَأْتِي يَوْمًا مَا، 

وَتَفْهَمُونَ؛ 

النَّعْنَاعَ كَانَ آخِرَ مَا كَانَ يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ، 

وَآخِرَ حِبْرٍ مُرَاقٍ عَلَى نَاصِيَةِ الرَّصِيفِ. 

لَنْ تَبِيعُوا النَّعْنَاعَ، هَذَا آخِرُ عَهْدِكُمْ بِالشَّايِ. 

أَنَا الصَّوْتُ الَّذِي كَانَ يَسْقِيكُمْ يَقِينًا، 

أَنَا الْحَرْفُ الَّذِي كَانَ قِنْدِيلًا 

يُضِيءُ غُرْبَتَكُمْ فِي صَمْتٍ. 

سَأَمْضِي، 

وَيَبْقَى نَبْعُ الْحِكْمَةِ كَشَمْسٍ سَاطِعَةٍ 

تُطَارِدُ تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتِي صَارَتْ أَقْنِعَةً لِظِلَالِ الْخِيَامِ. 

لَنْ تَبِيعُوا النَّعْنَاعَ، هَذَا آخِرُ عَهْدِكُمْ بِالشَّايِ. 

سَأَمْضِي كَالْأَنْبِيَاءِ؛ مَنْهَكًا وَمُبْتَسِمًا، 

وَحِينَ تَسْقُطُ أَقْنِعَتُكُمْ، 

سَتَجِدُونَ اسْمِي عَلَى الْأَلْوَاحِ 

مَنْقُوشًا، 

يُقْرَأُ عَلَى ضِيَاءِ الْبَدْرِ، 

وَفِي أَعْيَادِ مِيلَادِي. 

إِنَانَا  …. إنانا

وَحْدَهَا فَكَّتْ شِفْرَةَ وَصِيَّتِي 

وَمَضَتْ فِي صَمْتٍ ذَاتَ فَجْرٍ، 

وَمَا بَكَتْ طَلَلًا، 

وَلَا أَنْشَدَتْ مَوَاوِيلَ. 

لَنْ تَبِيعُوا النَّعْنَاعَ، هَذَا آخِرُ عَهْدِكُمْ بِالشَّايِ. 

.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading